الحريات العامة والقانون حماية للأنظمة والشعوب   
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ عماد فوزي شعيبي

يرفع على دولنا -فضلا عن شعوبنا العربية- سيف مسلط هو سيف "الديمقراطية"، الذي يعني خليطا غير متعين مفهوميا ولا مؤسساتيا بين الحريات العامة وسيادة القانون وتبادل السلطة السياسية.


عندما تسقط الأنظمة تنهار الدول وتتميع قيمة الشعوب، لأنها تصبح أداة أو مجرد حشرات تقتل أو تصاغ لها أنظمة و"مجالس حكم انتقالي" على أمل أنها ستجد الديمقراطية والدولة الحديثة غدا
وفي واقع الأمر أن الأميركيين يسوقونه لدى الشعوب العربية المغلوبة على أمرها حقوقيا باعتباره خليطا من حريات عامة وقليل من سيادة للقانون، لأن الأخير سيف مسلط على الولايات المتحدة نفسها التي رسمت قانون الطوارئ بعد أحداث 11 سبتمبر/ أيلول باعتباره شرعيا طالما أنها في حالة حرب، في الوقت الذي تحرمه على بقية الدول (نظريا) وتستفيد منه (أمنيا) على المستوى العملي.

والحقيقة أن تبادل السلطة باعتباره نظريا هو اللعبة التي يرى فيها أيدولوجيو المحافظين الجدد فرصة لفرز الأنظمة وإبعادها عن أسلحة الدمار الشامل وتماهيها مع النظام الغربي الأميركي حصرا، يبدو ساذجا في اللعبة الأيدولوجية لهؤلاء. لكنه المسكوت عنه فعليا في ضغوطات الولايات المتحدة على الأنظمة الحليفة لها، باعتبار أن فتح هذا الملف قد يعني -بل سيعني- صعود أنظمة متشددة لن تكون عنصر استقرار من ناحية، ولن تغفر للولايات المتحدة سجلها الحافل بالأذى المادي والمعنوي من منطق انعدام العدالة من خلال سذاجة وترفيه الأيدولوجية "المحافظة/ الثورية تروتسكيا" التي تقول بتجريب التبادل الديمقراطي لتحقيق التوحد في هوية المنتصر في الحرب العالمية الثالثة (أي الولايات المتحدة) من ناحية أخرى، الأمر الذي يفسح في المجال أمام التراكم لاحقا، وهو ما يقع في الدرجة الثانية بالنسبة للأيدولوجيين الذين لا هم لهم إلا التوحد مع هوية "المنتصر".

وبين الأيدولوجية الساذجة -كأيدولوجياتنا التي عانينا منها قبل أن نتعلم السياسة كفن للممكن و"كإستراتيجية" للجغرافيا السياسية و"كحكم"- وبين طبيعة حقائق الفعل السياسي الخارجي الأميركي، ثمة مرحلة من الضياع والتخبط يسير على منوالها مثقفون عرب (بالجملة) وقادة (بالمفرق) باعتبارهم "مفعولا به"، اعتادوا دائما أن يكونوا "رجع الصدى" لحركة الفكر والسياسة في العالم الغربي، أقله منذ عصر النهضة، ولا يزالون.

لكن اللافت فعلا أن بأيدينا نحن نزع هذا السيف المسلط على دولنا وأنظمتنا وشعوبنا.. نقول عن هؤلاء جميعا لأن "الأيدولوجية" الأميركية وحدت بينهم.


القانون لا يقلل من السلطة، فنحن نقر بأهمية السلطة التي هي تفويض نظريا وضبط "أفضل" عمليا، بل يجب أن يحض على المزيد من قدرة السلطة تحت سقف القانون، وهو أمر مضينا فيه فعلا
فعندما تسقط الأنظمة تنهار الدول وتتميع قيمة الشعوب، لأنها تصبح أداة أو مجرد حشرات تقتل أو تصاغ لها أنظمة و"مجالس حكم انتقالي" على أمل أنها ستجد الديمقراطية والدولة الحديثة غدا، فتجد نفسها أمام استحقاق خطير، وهو أن مجالس حكمها المعينة ليست شعبية وليست -بأغلبية أعضائها- نزيهة، كما أن البديل أمامها هو الانقسام المجتمعي أو ديمقراطية الطوائف أو جيش العشائر والمليشيات والطوائف، أي بكلمة اللادولة أو اللاحداثة أو اللاستقرار.
فلا الدول باقية ولا الأنظمة ولا حتى الشعوب مع أوهام الأيدولوجية الديمقراطية الأميركية المسوقة والمعممة على بلداننا.

وعلى هذا يتعين على الجميع قادة وشعوبا، أنظمة ومعارضة أن يفهموا أن السيف مسلط على الجميع، وأن لعبة لافتة الديمقراطية الأميركية ستنحل إلى لائحات وشعارات لا تختلف عن لائحات وشعارات العدالة الاجتماعية والحريات الاقتصادية والثورة وإلغاء التمايز الطبقي، فهي كلها نتاج أيدولوجيات وليست نتاجا للواقع.

المسألة الملحة هنا هي الحريات العامة وسيادة القانون، وبها نستطيع أن ننزع كل آليات اللعبة الأميركية الأيدولوجية، وهي لعبة مشروطة اليوم بنفوذ المحافظين الجدد، لكنها ستستمر بعدهم "بقوة العطالة".

ولا نعتقد أن من مصلحة السلطات والدول كما الشعوب أن يتغيب عنها اليوم مشهد الحريات العامة، وهي بالفعل فتحت آفاقها في عدد من الدول، لكن المهم تكريسها بأمرين: القانون والطقس التراكمي في الممارسة.

فالقانون لا يقلل من السلطة، فنحن نقر بأهمية السلطة التي هي تفويض نظريا، وضبط "أفضل" عمليا. بل يجب أن يحض على المزيد من قدرة السلطة تحت سقف القانون، وهو أمر مضينا فيه فعلا.

والقانون يرسيه "الحق"، وسيادة القانون تعزيز للدولة وللسلطة، وحماية للشعوب من التغرير ببعضها فتصبح حقوقها رهنا بأوهام أن تأتي على حاملة دبابات "ناقل الديمقراطية" الذي لا تختلف أيدولوجيا تسويقه عن أيدولوجيا الاستعمار في القرون الماضية، والذي كان يدعي أنه ينقل الحضارة والمدنية والعلم ويحضر الشعوب، كما سوق لنفسه ولم نصدقه، رغم أن ماركس نفسه سوق له في الجزائر فسقط في المركزية الأوروبية.


الحريات العامة تريد أن تتعزز وواجبنا جميعا أن ندفع مع هذا الاتجاه وأن نظهرها كمساحة تجمعنا جميعا وتعزز لحمتنا الوطنية، وتقطع الطريق على ما يحاك لنا وترفع ذلك السيف المسلط
القانون يحمي الدولة ويقوي السلطة -باعتبارها تفويضا (authority)- ويحمي الشعوب من أعدائها ويصون وحدتها الداخلية ويرفع "الحق" إلى مرتبة لاحم للبنى الاجتماعية المختلفة، ويساهم في بناء مفهوم المواطنية. وهذا ليس بعيدا عن توجهات بلدان أرادت أن تفتح أمام الإصلاح طريقا، وكل ما يلزم هو الوقت وآليات إصلاح المؤسسة القضائية.

أما الطقس فهو الأداء الذي هو ضرب من "التمرن" على الحرية و"التمدن" بها معا، فضلا عن التعلم الممارساتي لها باعتبارها ليست منفلتة من عقالها وأن سقفها القانون وقرارها الواقع، أي واقع كل بلد من حيث تراكمات تاريخه الاجتماعي والسياسي والثقافي، من حيث قيمه وضوابطه الاجتماعية والأخلاقية، على أن يكون الطقس الممارساتي هو التعلم بأقل قدر ممكن من الفوضى والعدوانية والوتر والانتقامية.

وليس من قبيل التأمل السياسي القول بأننا نستطيع بتعميق الأداء الطقسي الرصين والتعمق في صيانة الحقوق بالقانون وإصلاح القائمين عليه، وبالكثير من الإعلام الذي يظهر ما تم إنجازه وبلغة العالم نفسه، أن ننزع سيفا مسلطا على الأنظمة والدول والشعوب، بما لا يؤدي إلى العبث بالتاريخ الذي هو تاريخنا المشترك الذي يجب أن نسأل عنه جميعا. وتجاربنا السياسية تحمل في داخلها جنين الحريات العامة والقانون، وهي لا تحتاج إلا إلى إكمال فترة الحمل وحدوث الوضع بسلامة، وتقليل آلام الولادة.

ويجب على كل منا أن لا يدعي ذلك لأنه سيكون عدوا عمليا لها، مهما تداعت نرجسيته لتصوير ذلك، وهي (أي الحريات العامة) تريد أن تتعزز، وواجبنا جميعا أن ندفع مع هذا الاتجاه، وأن نظهرها كمساحة تجمعنا جميعا وتعزز لحمتنا الوطنية وتقطع الطريق على ما يحاك لنا وترفع ذلك السيف المسلط.
ــــــــــ
كاتب سوري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة