ماذا يريد فلسطينيو لبنان من حكومة الحريري؟   
الأحد 1430/12/26 هـ - الموافق 13/12/2009 م (آخر تحديث) الساعة 11:02 (مكة المكرمة)، 8:02 (غرينتش)
علي بدوان


فلسطينيو لبنان ورحلة المآسي
فلسطينيو لبنان وتشريع الحرمان
والقيود المتلازمة
إعادة تنظيم العلاقات الفلسطينية اللبنانية
مسحة تفاؤل ولكن..

آن الأوان للحديث بصراحة وجرأة عن أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان الذين رمت بهم عثرات الأقدار من نكبة إلى نكبة ومن كارثة إلى كارثة، وهم يئنون منذ سنوات طويلة تحت أوجاع الإجحاف الكبير الذي ألحقته بهم القوانين والتشريعات الرسمية اللبنانية، وفي وقت ما زالت فيه المخيمات والتجمعات الفلسطينية فوق الأراضي اللبنانية، تغرق في البؤس الذي رافق نشوءها، وأصبح القهر سمتها الغالبة، بل تخضع التجمعات والمخيمات إياها لسيادة المنطق "التمييزي الاضطهادي" تجاه الفلسطينيين، وهو منطق لم يكن ابن لحظته، بل كان تاريخيًّا هو المنطق السائد في التعاطي الرسمي اللبناني مع شعب شقيق لجأ إلى لبنان مؤقتًا بفعل ظروف قسرية.

فماذا ينتظر اللاجئون الفلسطينيون الآن من حكومة الوحدة الوطنية اللبنانية الجديدة برئاسة النائب سعد الحريري؟

رحلة المآسي
ففي أحوال اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، يمكن القول إن معاناتهم تختصر مأساة اللجوء والشتات، كما تختصر "ذل النكبة" التي رمت بهم إلى لبنان الشقيق المجاور لفلسطين دون إرادة مسبقة منهم، كما رمت بغيرهم من أبناء شعبهم إلى سوريا والأردن، ولكن الفارق بينهم وبين إخوانهم من أبناء شعبهم في سوريا أن التشريعات السورية أنصفتهم، وساوت بينهم وبين المواطن السوري في كافة الحقوق والواجبات، مع احتفاظهم بجنسيتهم الفلسطينية، وكذا الأمر في الأردن مع فارق وحيد يتعلق بتداخل الجنسية الأردنية مع الفلسطينية نظرًا لخصوصية الأردن وخصوصية اللجوء إليه.

"
قساوة رحلة المآسي التي واجهها فلسطينيو لبنان اتسعت لتشمل فصولاً من حروب المخيمات بين عامي 1985 و1987، وصولاً إلى أحداث مخيم نهر البارد، ولكن هذه المرة بـ"دراما" جديدة "لا ناقة ولا جمل" للفلسطينيين فيها
"
ومنذ سنوات اللجوء الأولى واللاجئون الفلسطينيون في لبنان يعيشون حالة من الضياع، امتدت في مرحلتها الأولى القاسية والكئيبة من عام 1948 إلى عام 1968 وانتهت مع دخول المقاومة الفلسطينية وتشريع وجودها في لبنان.

وفي المرحلة التالية التي امتدت من عام 1968 إلى عام 1982 ازدادت أوضاع اللاجئين الفلسطينيين تدهورًا بفعل ويلات الحروب التي واجهوها على يد إسرائيل، أو بفعل زلزال الحرب الأهلية اللبنانية.

وفي تلك المرحلة الصعبة مسحت العديد من المخيمات الفلسطينية في لبنان من الوجود وتمت بعثرة وتشريد سكانها داخل لبنان وفي أقاصي المهاجر القسرية البعيدة في الدول الأسكندنافية وأستراليا، هذا ما حدث مع سكان وأهالي مخيم النبطية الذي مسحته الطائرات الإسرائيلية بغاراتها المتواصلة طوال عام 1974، فتشتت أبناء المخيم في مناطق مدينة صور والتجمعات الفلسطينية المحيطة بها، وهو ما حصل أيضا مع مخيمي ضبية وجسر الباشا، وهما مخيمان فلسطينيان بجوار بيروت الشرقية كان يقطنهما عدة آلاف من اللاجئين الفلسطينيين من المسيحيين على وجه التحديد، وقد تم مسحهما من الوجود في سياق الحرب الأهلية اللبنانية عام 1976 وتشرد أهالي المخيمين وباتت غالبيتهم لاجئين في أصقاع المعمورة، والأمر ذاته تكرر مع مخيم تل الزعتر في أغسطس/آب 1976 حيث مسح المخيم عن بكرة أبيه آنذاك على يد القوى نفسها التي مسحت وأزالت مخيمي ضبية وجسر الباشا من الوجود ناهيك عن حصاد مجازر صبرا وشاتيلا.

أما في المرحلة الثالثة التي مازالت فصولها متواصلة منذ خروج الثقل الفلسطيني المسلح من لبنان نهاية عام 1982، فإن قساوة رحلة المآسي التي واجهها فلسطينيو لبنان اتسعت لتشمل فصولاً من حروب المخيمات بين عامي 1985 و1987، وصولاً إلى أحداث مخيم نهر البارد، ولكن هذه المرة بـ"دراما" جديدة "لا ناقة ولا جمل" للفلسطينيين فيها، ليمسي مخيم نهر البارد من الماضي كما كان مصير غيره من المخيمات المذكورة أعلاه.

تشريع الحرمان
وفي المراحل الثلاث من حياة اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، ظل لاجئو لبنان من الفلسطينيين يعاملون معاملة الأجنبي وفق كافة القوانين والتشريعات اللبنانية، بما في ذلك غياب حق التملك، والحرمان من العمل في حوالي ثلاث وسبعين مهنة، والحرمان من حمل بطاقة العمل، وما زال هذا مستمرا منذ أكثر من ستين عامًا من نكبة فلسطين تحت شعار "محاربة التوطين".

وهو الشعار الاستعمالي الاستخدامي الذي ولد نتائج سلبية مباشرة دفعت نهاية المطاف، بالآلاف من فلسطينيي لبنان للهجرة إلى خارج لبنان بحثًا عن التعليم وعن لقمة العيش، وسترًا لغوائل الزمن، في وقت يحظى فيه عشرات الآلاف من أفراد العمالة الأجنبية الوافدة إلى لبنان، من سريلانكا والبنغال وأفريقيا ودول الكتلة الشرقية سابقًا بحقوق العمل والإقامة الكاملة.

"
شعار "محاربة التوطين" ولد نتائج سلبية مباشرة دفعت نهاية المطاف، بالآلاف من فلسطينيي لبنان للهجرة إلى خارج لبنان بحثًا عن التعليم وعن لقمة العيش، في وقت يحظى فيه عشرات الآلاف من أفراد العمالة الأجنبية في لبنان، بحقوق العمل والإقامة الكاملة
"
وزاد مع تواتر الشعار الاستعمالي المعنون بـ"محاربة التوطين" توالد الأصوات النشاز في مراحل معينة من أزمات لبنان الداخلية، التي سبق أن ملأت الأجواء صراخًا هستيريًّا ضد الوجود الفلسطيني المسلح والمدني على حد سواء، متحدثة عن مخاطر "بعبع التوطين" المزعوم، ووصل الأمر في حينها أن وصف وزير لبناني سابق قبل عقدين من الزمن، اللاجئين الفلسطينيين في لبنان بـ"النفايات البشرية" الأمر الذي أثار ردود فعل غاضبة في كافة الأوساط الفلسطينية والوطنية اللبنانية في ذلك الوقت.

هذا إذا ما تذكرنا أن "هجرة وتطفيش" الفلسطينيين نحو البلدان البعيدة ترافق معها فعل مشبوه وغير بريء تمثل في تواصل عمليات التشطيب البطيئة في قيود وسجلات من يغادر الأراضي اللبنانية من اللاجئين الفلسطينيين نحو بلدان المهاجر البعيدة في كندا وأستراليا وغيرها، بينما يفتقر أكثر من 25 ألف فلسطيني من أبناء الضفة الغربية وقطاع غزة المقيمين في لبنان (نتيجة ظروف معينة) لأية أوراق ثبوتية أو سجلات نفوس عائلية، ويعيشون تحت الرحمة بين الطارق والسماء.

وعلى هذا الأساس لم يعد باستطاعة أحد أن يتنبأ بالمحصلة النهائية لأعداد اللاجئين الفلسطينيين المقيمين في لبنان، فقد قدم إلى لبنان عام النكبة 1948 لاجئون في حدود 120 ألف فلسطيني من مناطق الجليل وعكا والشمال الفلسطيني، يفترض أن تكون أعدادهم قد قاربت 600 ألف نسمة عند حسبان الزيادة الطبيعية، ولكن من يدري؟ فكل المعطيات تقول إن أعداد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان لا تصل في أفضل الأحوال إلى رقم 220 ألف نسمة بعد أن غادرت أعداد كبيرة منهم الأرض اللبنانية نحو أصقاع العالم تحت وطأة المعاناة والحرمان من أبسط حقوق البشر، خصوصًا حق العمل والتنقل والأمن، هذا بعد إسقاط أعداد منهم تتراوح بين 50 و70 ألف نسمة ممن شملهم التجنيس عام 1958 لأسباب معلومة جدًّا.

والقيود المتلازمة
من جانب آخر، ودون الخوض في التفاصيل التي رافقت اللجوء القسري الفلسطيني إلى لبنان، وما حملته المرحلة التالية التي امتدت من عام 1968 إلى عام 1982 وهي الفترة التي ازدهر فيها الوجود الفلسطيني المسلح فوق الأرض اللبنانية، ووقعت خلالها بعض التجاوزات الفلسطينية في سياقات لها علاقة بالحرب الأهلية والبشاعات التي حملتها بحق المدنيين الفلسطينيين، فإن القيود تعاظمت في المرحلة الثالثة الممتدة من عام 1982 حتى الوقت الراهن على التجمعات السكانية الفلسطينية.

وبالرغم من التخفيف البسيط للقيود المفروضة على المخيمات والتجمعات الفلسطينية بشكل عام منذ سنوات، فإنه ما زال ممنوعًا إدخال أية مواد بناء للمخيمات الفلسطينية لأغراض الترميم وإصلاح ما هدمته جولات الحروب الدموية السابقة التي استهدفت الفلسطينيين.

وتحولت عملية إدخال المواد الأولية إلى تجارة رائجة ورابحة لدى بعض أصحاب السطوة من القوات الرسمية وأجهزة الأمن الموجودة على مداخل المخيمات خصوصًا مخيمات الجنوب في مدينتي صور وصيدا، حيث يصبح من خلالها ثمن كيس الإسمنت داخل المخيم الفلسطيني عشرات أضعاف ثمنه خارجه، وكذا باقي الاحتياجات من المسمار الحديدي إلى خشب النافذة والأبواب.

فمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الجنوب محاصرة عمليا من كافة المداخل الرئيسية بحواجز الأمن اللبناني التي تدقق في هوية القادمين والمغادرين من المدنيين.

إعادة تنظيم العلاقات 
"
دروس المحنة التي تعرض لها اللاجئون الفلسطينيون كما تعرض لها لبنان بجيشه وشعبه، تفرض إعادة النظر في مسألة تنظيم العلاقات اللبنانية الفلسطينية بعد أن باتت منذ فترة طويلة علاقات غير منظمة وتفتقد للوجود أصلاً
"
إن أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، ورحلة المآسي المتواصلة التي واجهوها في قصة التراجيديا الفلسطينية، وآخرها مأساة مخيم نهر البارد، ودروس المحنة التي تعرض لها اللاجئون الفلسطينيون كما تعرض لها لبنان بجيشه وشعبه، تفرض بالضرورة إعادة النظر في مسألة تنظيم العلاقات اللبنانية الفلسطينية بعد أن باتت منذ فترة طويلة علاقات غير منظمة وتفتقد للوجود أصلاً.

فقد بقي أمام قيادة لبنان وقوى الشارع العتيدة من موالاة ومعارضة على حد سواء، أن تلتفت قليلاً من أجل تفعيل العمل المشترك مع الجانب الفلسطيني وحل مسائل التباين بما فيها مسألة الأمن داخل المخيمات وضرورة قيام الشرعية اللبنانية بأخذ دورها المطلوب في التعامل مع التجمعات الفلسطينية كما هو حال أي بقعة لبنانية وتوفير الأمن المجتمعي للجميع.

كما عليها أن تلتفت قليلاً لتنظر بعينيها مدى الظلم والإجحاف الذي لحق ولا يزال بالتجمع الفلسطيني اللاجئ إلى لبنان منذ عام النكبة في واقع مرير أقل ما يقال فيه إنه واقع غير إنساني، انطلاقا من القول والتأكيد بأن حياة الفلسطينيين الكريمة في لبنان ليست هي التي ستوطنهم في لبنان، وبأن حياتهم الراهنة المليئة بالاضطهاد المقونن (قوانين المنع من ممارسة 73 مهنة مثلاً) ليست هي التي ستعيدهم إلى فلسطين يومًا قادمًا، وبأن عدم إيجاد حل لأوضاعهم المزرية لن يريح لبنان.

وبالطبع، فإن تسليط النقد على الجانب الرسمي اللبناني لا يعفي أبدا الجانب الرسمي الفلسطيني الذي غاب عن الفعل والتأثير وترك الأمور على غاربها في التجمعات الفلسطينية فوق الأرض اللبنانية بعد الانكفاء خارج لبنان.

مسحة تفاؤل ولكن..
وخلاصة القول، بعد أن نجح لبنان في عبور استحقاق كبير، ونجاح السيد سعد الحريري في تشكيل حكومة الوحدة الوطنية الجديدة في لبنان، بعد هذا كله فإن اللاجئين الفلسطينيين في لبنان ينتظرون من حكومة سعد الحريري اهتمامًا خاصًّا بأوضاعهم المعقدة، حيث ما زالت الغالبية منهم تئن تحت أوجاع التشريعات والقوانين اللبنانية التي صدرت بشأن أوضاعهم تباعًا منذ عام 1948، وهي التشريعات والقوانين التي قيدت حركة وحرية وعمل المواطن الفلسطيني المقيم في لبنان منذ عام النكبة، وأسست لبقاء واستمرار حالة الفاقة والحرمان التي ما زالت تعاني منها مخيمات وتجمعات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.

"
على الحكومة اللبنانية القادمة بقيادة سعد الحريري ومعها قوى الشارع اللبناني العتيدة أن تلتفت قليلاً لتنظر بعينيها مدى الظلم والإجحاف الذي لحق ولا يزال بالتجمع الفلسطيني اللاجئ إلى لبنان منذ عام النكبة
"
في الوقت الذي ينظر فيه اللاجئون الفلسطينيون في لبنان بجدية وتفاؤل إلى التحسن العام في مناخات الأوضاع اللبنانية الداخلية، مستبشرين بأنها ستنعكس عليهم بشكل إيجابي من جهة إعادة النظر في التشريعات المجحفة التي صدرت تباعًا بشأن حقوقهم المدنية، في وقت بات الجميع يدرك فيه أن الفلسطينيين في لبنان يرفضون بكل إصرار وعناد مشاريع التوطين التي تحاك ضدهم داخل كواليس الدبلوماسية السرية. فهم في الوقت الحالي أشد وعيًا وأكثر تصميمًا على التمسك بحقهم في العودة إلى فلسطين طال الزمن أو قصر.

يبقي على الحكومة اللبنانية الجديدة بقيادة سعد الحريري ومعها قوى الشارع اللبناني العتيدة من موالاة ومعارضة على حد سواء، أن تلتفت قليلاً لتنظر بعينيها مدى الظلم والإجحاف الذي لحق ولا يزال بالتجمع الفلسطيني اللاجئ إلى لبنان منذ عام النكبة.

ويبقي عليها أيضًا أن تعلي الصوت ممزوجًا بشيء من العاطفة الإنسانية قبل أن نقول القومية المشتركة من أجل حل القضايا المعلقة التي استعصت منذ سنوات طويلة دون أن تجد لها نصيرًا فاعلاً وقادرًا على طرحها وحملها في الشارع اللبناني وعلى المستوى الرسمي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة