فتح على كف عباس بعد مؤتمر بيت لحم   
الثلاثاء 1430/8/20 هـ - الموافق 11/8/2009 م (آخر تحديث) الساعة 19:06 (مكة المكرمة)، 16:06 (غرينتش)
نبيل شبيب


فن تنظيم الانحراف
جذور البلاء
ضوابط الزعامة أهم من صلاحها

مؤتمر بيت لحم، المؤتمر العام السادس في تاريخ منظمة فتح على امتداد 45 عاما.. انتهى كما أرادت له القيادة الحالية للمنظمة، وأراد له أيضا الاحتلال الذي "سمح" بانعقاده على الأرض الفلسطينية المحتلة، وأرادت له الدولة الأميركية الممولة للقيادة وللمؤتمر نفسه، وانتهى على النقيض من التوقعات أو الآمال أو التكهنات العديدة التي سبقته أثناء عملية التحضير غير المسبوقة بأساليبها الملتوية، والتي رافقت أيضا أيامه الأولى في أجواء ومعطيات غير مسبوقة أيضا في تاريخ "منظمات تحرير وطنية" معتبرة.

وكثيرا ما ترددت عبارة "الثورة تأكل أبناءها" لتواكب ما شهدته وتشهده "فتح"، إنما هي عبارة تسري عادة على مرحلة ما بعد الوصول إلى غاية التحرير في حالة الاحتلال والتحرر في حالة الاستبداد، ولا تناسب الحديث عن وضع فتح فلسطينيا، فهنا تأكل الثورة نفسها وأبناءها، على الطريق، كيلا تتحقق غاية التحرير والتحرر.

فن تنظيم الانحراف
أبرز عناوين حصيلة مؤتمر بيت لحم:
1- ترسيخ صلاحيات مطلقة لا تحددها نصوصُ لوائح "دستورية" أو تنظيمية لزعامة محمود عباس الفردية، حتى تجاوزت -رغم الإنجازات المعكوسة بمعيار التحرير- ما صنعته إنجازات أولية لمؤسس الحركة وزعيمها التاريخي الراحل ياسر عرفات، بما في ذلك وراثة التسمية المبتكرة "قائد عام" مع تغييب مقاومة مسلحة نشأت زعامة الراحل عليها، ومع ابتكار التسمية الإضافية "رئيس المنظمة"، دون بنود تنظم شأن الرئاسة، ولا انتخاب معتبر من جانب مؤسسات المنظمة، ولا صيغة واضحة أو غامضة ولا آليات قويمة أو غير قويمة لمساءلته ومحاسبته من خلالها!..

"
تبقى حصيلة مؤتمر بيت لحم مهما بلغ شأنها محصورة في الحديث عن منظمة ومصير منظمة، وليس عن فلسطين الأرض والشعب والقضية، فالقضية تصنع المنظمات، والمنظمات تخدم القضية أو لا تخدمها، ولكن لا تصنعها ولا تغتالها.. مهما أرادت ذلك قوة مهيمنة على منظمة ما
"
2- تشكيل مؤسسات قيادية متوافقة مع إرادة الزعامة الفردية أكثر مما كان قبل انعقاد المؤتمر، وما كان ذلك قليلا على الإطلاق، ثم مع عدم وجود ما يضمن ألا تتجاوز الزعامةُ الفردية صحوةً محتملة عبر المؤسسات، مثلما صنعت من قبل، هذا على افتراض تلك الصحوة، رغم تدجين المؤسسات ماليا و"تطهيرا" من المعارضين أو تحجيما لهم.

3- تثبيت نصوص توافقية بين التيارات المتعددة في الحركة بشأن المقاومة والتحرير والعودة وغيرها، مع زيادة تعويم صياغتها، وهي من قبل ذلك التعويم لم تكن كافية من قبل للحيلولة دون مسيرة أوسلو، بعد أن "صُنعت بليل" من وراء ظهر مؤسسات فتح ومؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، ثم كان إدخال المؤسسات في نفقها، وتطلع كثيرون من داخل فتح ومن خارجها، أن تخرج من هذا النفق بعد أن ظهر مدى عقم المفاوضات الأوسلوية على امتداد 15 عاما ماضية.

لقد كانت الوسائل المتبعة قبل المؤتمر وأثناءه لترسيخ الهيمنة على المنظمة موضوع أخبار مذهلة وتعليقات معبرة عن الذهول، بدءا بوسيلة "الضرب الأمني القمعي"، مرورا بالتهديد "المالي" والترهيبي عبر منبر الخطابة، وانتهاء بابتداع أسلوب التصفيق ورفع الأيدي علنا لشغل منصب زعامة فردية، هو الأخطر والأهم في صناعة القرار والسيطرة على مستقبل الحركة.

ولا تعني هذه الحصيلة نهاية فتح، فكما قال عباس نفسه -بمقصد آخر- تنبأ كثيرون بنهايتها ثم ظهرت من جديد، ولا ريب أن التنبؤات بنهايتها الآن كمنظمة مقاومة وتحرير، واحتضارها كحزب سلطة دون صلاحيات حقيقية، يمكن أن تخطئ، إذا ما بلغ الأمر مبلغه بمن كان يعقد آخر آمالِ تشبثِه بمنظمته، على مؤتمر بيت لحم، وكان يحسب أنه سيصوّب المسار، فخيبة الأمل الضخمة يمكن أن تتحول إلى جهود ضخمة من أجل فتح جديدة، تستأنف المسيرة التي بدأت عام 1964م، وتنهي الانحراف غير المشروع، عن تحرير فلسطين هدفا مشروعا، إلى محاولة تأبيد احتلال الجزء الأعظم منها دون أي مشروعية، مع تعبيد الطريق أمام هيمنة صهيونية أوسع نطاقا من أرض فلسطين التاريخية نفسها.

وتبقى حصيلة مؤتمر بيت لحم مهما بلغ شأنها محصورة في الحديث عن منظمة ومصير منظمة، وليس عن فلسطين الأرض والشعب والقضية، فالقضية تصنع المنظمات، والمنظمات تخدم القضية أو لا تخدمها، ولكن لا تصنعها ولا تغتالها.. مهما أرادت ذلك قوة مهيمنة على منظمة ما.

جذور البلاء
ليست منظمة فتح شاذة بأوضاعها الحالية عن الأوضاع السائدة في معظم البلدان العربية والإسلامية، مع فارق أساسي أنها في الأصل منظمة تحرير ومقاومة في أرض محتلة، وليست حكومة في دولة. ولم تصل الأوضاع الفتحاوية وسواها إلى ما وصلت إليه دون مقدمات تاريخية، ولا تنحصر هذه المقدمات فيما يخطط له عدوّ ظاهر العداوة بممارساته المتواصلة.

ومهما قيل عن ياسر عرفات، فلا بد عند النظر في أوضاع منظمة فتح حاليا من تثبيت عدد من المعالم الأساسية في ممارسته لزعامة المنظمة، والتي ساهمت من حيث أراد أو لم يرد -سيان- ومن حيث أخلص لما يراه أو لم يخلص -سيان أيضا- في الوصول بالمنظمة إلى ما هي عليه الآن بعد رحيله بخمس سنوات.

1- ياسر عرفات رسّخ في زعامته لمنظمة فتح، ومنظمة التحرير الفلسطينية، وتعامله مع قضية فلسطين، أسس الزعامة الفردية بصلاحيات شبه مطلقة.

"
الزعامة الفردية، مهما بدت صالحة ومستقيمة ومناضلة ومشروعة أثناء الصعود إلى موقع الزعامة، هي الخطر الأكبر على استمرارية الصلاح والاستقامة والنضال والمشروعية
"
2- ياسر عرفات تجاوز في كثير من مواقفه وسياساته نصوص ميثاق منظمة فتح وميثاق منظمة التحرير الفلسطينية، ثم سعى اعتمادا على زعامته الفردية وبوسائل مرفوضة بمختلف المقاييس، لتسير المنظمة من ورائه لا أن يسير بها ومعها على الطريق الذي تأسست في الأصل من أجله.

3- ياسر عرفات لم يستطع -في أفضل الافتراضات- الحيلولة دون أن ينتشر الفساد المالي والإداري والتنظيمي على أوسع نطاق في جسد المنظمة التي تزعمها، جنبا إلى جنب مع الانحراف -على الأقل- عن هدف التحرير الشامل إلى تحرير جزئي مقيد.

4- سواء اغتيل عرفات سياسيا فقط، أم اغتيل سياسيا وجسديا في وقت واحد، وسيان من هم المشاركون بصورة مباشرة وغير مباشرة في اغتياله، فهو يحمل قسطا كبيرا من المسؤولية عن ذلك، بسبب الممارسات المذكورة زعامة وفسادا وانحرافا، فكان اغتياله حصيلة نمو ما تصنعه الزعامة الفردية والفساد والانحراف، نموا أكبر حجما من قدرات زارعها، فكان لا بد أن تكون المسيرة من بعده، أبشع استبدادا، وأوسع فسادا، وأكبر انحرافا.

لم تصدر المسؤولية عن واقع فتح اليوم عن عباس ومن معه -ومسؤوليتهم كبيرة خطيرة دون ريب- بل بدأت مع اللحظة الأولى لممارسات عرفات في اتجاه الاعتماد في ترسيخ زعامته على من يقبل بتلك الممارسات، ولحظة استغلاله للشعبية التي صنعتها السنوات الأولى من مسيرته للحيلولة دون أن يتحول تأييد العمل الفدائي إلى مصدر للحكم على المنظمة وسياساتها وممارساتها، وبالتالي إلى صناعة قراراتها وتصحيح أوضاعها عند الحاجة، لا أن تكون المنظمة نفسها فوق العمل الفدائي الذي صنعها، وبالتالي تكون سبب الانحراف به عند انحراف المهيمنين على صناعة القرار فيها.

وقد اعتمد المخلصون الرافضون لهذه المسيرة زمنا طويلا على الأمل في أن يمنع الوعي الشعبي الفلسطيني أولا، واحتضان العمل الفدائي على المستوى الشعبي العربي والإسلامي وحتى العالمي ثانيا، من أن يستمر الانحراف ويستفحل.. وذاك في مقدمة أخطائهم.

ليس واقع منظمة فتح والسير بها في غير الطريق الذي وجدت من أجله بدعا في تاريخ الشعوب والقضايا المصيرية، وليست عملة الاستبداد والفساد والانحراف فيها عملة جديدة، ولا يكفي الاطمئنان إلى استحالة أن يغتال أي انحراف في أي منظمة القضية المصيرية على المدى البعيد.

إن الخطر على واقع قضية فلسطين عبر ما وصلت إليه فتح في بيت لحم، لا يتمثل في حصرها في نفق أوسلو، بل يتمثل فيما تصنعه للحيلولة دون أن يسير سواها خارج نفق أوسلو، ولا تفتقد الزعامات الاستبدادية الفاسدة المنحرفة الوسائل لمحاولة ذلك، وهي تفعل، لا سيما وهي تجد -بطبيعة حالها- دعم العدو الذي جعلت من نفسها حارسة لأمنه، محاربة لمن يهدد ذلك الأمن، بل حارسة لعدوانه المتواصل أيضا، ومشاركة في الفتك بمن يواجه ذلك العدوان بالمقاومة المشروعة التي يستحقها.

إن أهم الدروس المستمدة من مسيرة أوسلو بفتح -وليس العكس- وتأثير ذلك على مجرى قضية فلسطين، هو أن الزعامة الفردية، مهما بدت صالحة ومستقيمة ومناضلة ومشروعة أثناء الصعود إلى موقع الزعامة، هي الخطر الأكبر على استمرارية الصلاح والاستقامة والنضال والمشروعية.

ضوابط الزعامة أهم من صلاحها
كثيرا ما يتردد أن قضايا النضال والتحرير والبناء والتغيير تحتاج إلى القيادات الموهوبة، والزعامات القوية، وكثيرا ما استغلت هذه الأقوال في بلادنا العربية والإسلامية لترسيخ أوضاع استبدادية، مباشرة عبر انقلابات عسكرية وحزبية، أو بصورة غير مباشرة بتعطيل الدساتير أو العمل بها، وتعديل الأنظمة أو تفريغها من مضامينها، ولم يوصل هذا الطريق المنحرف في أي قضية وفي أي ميدان إلى الغاية المشروعة الصالحة، المزعومة غالبا لتبرير الوسيلة المنحرفة وغير المشروعة بوضوح.

ولا ينبغي بحال من الأحوال استمرار القبول بذلك في قضية فلسطين ولا سواها من قضايا البلدان العربية والإسلامية، ولا يقتصر ذلك على منظمة فتح، بل يشمل سائر المنظمات الفلسطينية، وجميع السلطات الصغيرة والكبيرة، ومختلف الحكومات العربية والإسلامية.

ليس "الزعيم" مهما بلغ شأنه وبلغت شعبيته واستقامت سيرته هو الضمان لسلامة المسيرة في أي قضية وأي ميدان، إنما الضمان الأكبر هو ضوابط التعامل معه، من جانب أنصاره أولا، ومن جانب المؤسسات المحيطة به ثانيا، وبالعودة إلى الثوابت الأصيلة ثالثا.. وبمواجهته لحظة الانحراف الأولى أو الخطأ الأول دون تردد.

"
لابد لفتح وغيرها من المنظمات الفلسطينية من إعطاء الأولوية لضمانات مراقبة الزعامات ومحاسبتها الدقيقة، ومواكبتها بالنقد الواعي، وأن يقوم ذلك على آليات لا تملك الزعامة سيطرة عليها، ولا إمكانية تعطيلها
"
التسليم للزعامات الصالحة.. يعني التسليم لمسيرتها إذا فسدت وانحرفت أو حتى إذا أخطأت بنية حسنة، بل يعظم الخطر في التسليم لها بقدر ما يكون صلاحها واضحا للعيان، وتكون شعبيتها أكبر من شعبية سواها، فهذا بالذات ما يجعل انكشاف أمرها أو انكشاف أخطائها في الوقت المناسب عسيرا، ويزيد الضرر المرافق لمحاولة إصلاح الانحراف عند وقوعه أو بعد وقوعه.

هذا ما يستدعي من مختلف منظمات فلسطين، بما فيها فتح المستقبل، إعطاء الأولوية لضمانات مراقبة الزعامات ومحاسبتها الدقيقة، ومواكبتها بالنقد الواعي، وأن يقوم ذلك على آليات لا تملك الزعامة سيطرة عليها، ولا إمكانية تعطيلها، ناهيك عن الصلاحية التنظيمية لذلك، وإن حاولت ذلك وجب التصدي لها والحيلولة دون تفاقم الخطر قبل أن يصل إلى مستوى شبيه بما وصل إليه في مؤتمر بيت لحم.

ما زال المخلصون في فتح وفي سائر المنظمات الفلسطينية هم الغالبية، وما زال شعب فلسطين يعطي يوميا المزيد من الشواهد على الوعي رغم التضليل، والنضال رغم المعاناة، والمقاومة رغم العداء الذي يحاصره على مختلف المستويات، وما زال الأمل الكبير راسخا، بأن قضية الحق والباطل، لا يمكن أن تتحول إلى مشروع مساومات ومفاوضات واتفاقات باطلة، وأن قضية الاحتلال والمقاومة لا يمكن خنقها في نفق أوسلو وسواه، وأن الثوابت الأصيلة لا يمكن أن تستنزف مفعولَها أساليبُ التمييع في الشعارات والخطب وعبر انتحال الزعامة لشعب هو سيد قضيته من قبل المنظمات وبعدها ومن قبل زعاماته التاريخية وأشباه الزعامات على السواء، وهو الذي يصنع الزعامات والمنظمات، وهو القادر على تجاوزها، وعلى صناعة سواها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة