وقفة هادئة مع المسألة السورية   
الثلاثاء 1425/9/20 هـ - الموافق 2/11/2004 م (آخر تحديث) الساعة 14:57 (مكة المكرمة)، 11:57 (غرينتش)
 
 
ما هي الأخطار الخارجية التي تتهدد سوريا الآن وفي المستقبل المنظور؟ وإلى أي مستوى ستصل؟

ما هي حقيقة الإصلاحات الداخلية الجارية وما حجمها على الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟ وكيف يتحقّق تفعيلها لتزداد سرعتها؟

ما هي العلاقة الحقيقية بين الضغوط الخارجية والتغيرات الداخلية؟ وكيف ينبغي أن تكون؟
 
طبيعة الإصلاح المطلوب
"
الإصلاح على لسان كثير من المسؤولين ليس له أفق زمنيّ ولا ينطوي على خطوات نوعيّة أو كبيرة، فضلا عن تعريضه للتسويف المتكرّر
"
لا يصحّ تغييب هذه الأسئلة ببعض ما بات يصنع الغموض حولها صنعا، ومن ذلك:
1- كلّما تحرّكت عجلة الإصلاح السياسيّ الداخلي خطوة مهما كانت محدودة وبطيئة، رافقتها أو تبعتها خطوة أخرى في الاتجاه المعاكس، وهذا على مدى عدّة سنوات.

2- كلّما تحرّكت عجلة العداء الخارجي الصهيوأميركي تكرّر التهويل الرسميّ السوريّ من قيمة وجود علاقات تعاون واتصالات ثنائية بشأن "مكافحة الإرهاب" دائمة، مع نشر الوهم الذاتيّ بكفاية الحوار لإصلاح العلاقات.

3- كلّما صدر عمّا أصبح يوصف بالمعارضة السورية، سواء في ذلك العاملون في الداخل، أو "المنفيّون" العاملون دون إرادتهم خارج البلاد (وليس المقصودُ هنا أحداً ممّن تحاول واشنطن صنعَهم تحت عنوان معارضة وهم دون تاريخ ولا اتجاه ولا وزن ولا مفعول ولا شعبيّة).. كلّما صدر عنها موقف يطالب بإصلاح سياسيّ داخليّ حقيقيّ وفعّال، كالمطالبة بإلغاء حالة الطوارئ وما يتفرّع عنها، تكرّر الحديث الرسميّ عن مخاطر خارجيّة، وعن أنّ الإصلاح مطلوب ولكن يجب الانتظار!

إنّ الإصلاح على لسان كثير من المسؤولين ليس له أفق زمنيّ ولا ينطوي على خطوات نوعيّة أو كبيرة، فضلا عن تعريضه للتسويف المتكرّر. وقد كان من أواخر ما قيل بهذا الصدد ضرورة انتظار "تراكم ثقافي في المجتمع" لينفتح باب الإصلاح، ولكن من الثابت موضوعيا بالمقابل:

1- أنّ سوريا مستهدَفة أميركيّا وصهيونيّا، من قبل احتلال العراق، وسيبقى ذلك وإن تبدّلت الحكومة الأميركية. والمستهدَف هو "سوريا البلد"، أرضا وشعبا ونظاما، وليس الدافع قضية لبنان بالذات، بل إدراك الجميع أنّه لا يمكن دونَ المشاركة السورية في تسويةٍ مفروضةٍ دوليا شاملةٍ إقليميا، الوصولُ إلى تصفية قضيّة فلسطين مع القضاء على المقاومة الحاليّة للمشروع الصهيوأميركي في المنطقة عموما بما في ذلك المقاومة الفلسطينية.

2- ليس الأمر هنا أمرَ تطويع نظام قائم بعينه واستعصائه على التطويع، بل هو أمر العداء الهادف إلى تطويعِ أيّ نظام قائم، استبداديا كان أم ديمقراطيا، حزبيا وعسكريّا أم منتخبا شعبيّا. ومن العبث بهذا المنظور نشر مزاعم تقول إنّ الإصلاح الجادّ الفعّال داخليا، يمكن أن يسفر عن تأثير معيّن بصدد التعامل مع محاولات التطويع العدوانيّة الجارية، ولهذا يجب تأخيره!

3- إنّ القوى الوطنيّة الحقيقيّة بمختلف أطيافها (ولا مجال هنا إطلاقا للاشتباه بأن صفة الوطنية هذه تنطبق على أفراد مشبوهين، بتحرّكات مشبوهة، تريد أن تصطنع واشنطن منهم شيئا ما، فلا مكان على أيّ مستوى وطني، لِمَن يضع نفسه في موضع خيانة بلده).
 
القوى الوطنية كانت تطالب بالإصلاح السياسيّ الداخليّ، بالإضافة إلى الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي، من قبل حرب احتلال العراق -وهي مفصل هامّ في مسلسل الأحداث الجارية- بل من قبل نكبة 1967 نفسها، واستمرّت على ذلك في سائر المراحل والظروف، فلم يكن موقفها صادرا عن حدث أو تطوّر إقليمي بعينه، ولا سياسات دولية ما، فالإصلاح بحدّ ذاته مطلب مشروع ثابت، ونهج أصيل ثابت، لا ينبغي أن ينقطع الإلحاح عليه قطّ، وأقصى ما يمكن قوله بصدد علاقته بالأخطار الخارجية هو أن الإلحاح عليه يجب أن يزداد مع ازديادها!

4- الإصلاح الداخلي الحقيقي مطلب مشترك على المستوى الوطني، فلا فرق هنا بين تيّار وآخر، وأيّ طرف معارض يخسر صفة الوطنيّة الجادّة ما لم يطالب بالإصلاح الجذريّ داخليا. ومن يتتبع المواقف الصادرة على مدى سنوات عديدة من جانب المعارضة بمختلف أطيافها، لا يكاد يجد على صعيد الإصلاح المطلوب فوارق تستحقّ الذكر، وهذا ممّا يعزّز الاعتقاد بجدّية تمسّكها جميعا بقاعدة التعدّدية، كما يعزّز حقيقة أنّها تمثّل المصلحة الوطنية على أمثل وجه، حتى لتكاد تكون كلمة "المعارضة" نفسها دون مستوى التعبير المناسب لوصف مَن أصبحت تشملهم الكلمة اصطلاحا.

ولهذا.. آن للأطراف المعنيّين داخل بنية النظام القائم، إدراك أمر بالغ الأهميّة، وهو أنّ المطالبة بإصلاح جذري لا تعني استهدافَ مَن يمسك بزمام السلطة على وجه التخصيص، بل تغيير النهج المتّبع في ممارسة السلطة، وهو النهج الذي يُقصي الآخر عن صناعة القرار، ولهذا ينبغي تغيير جذور النهج المتّبع، على مستوى الدستور والقوانين والقضاء والحريات والحقوق، وعلى مستوى الممارسة التطبيقيّة، فذاك ما يحقّق الإصلاح المطلوب، وهو المطلب الذي تستند مشروعيّته إلى الاستعداد الجماعي للقبول بتحكيم إرادة الشعب بصورة نزيهة شفّافة متوازنة.
 
حتمية الاحتكام إلى الإرادة الشعبية
"
منطق الوصاية على الشعوب وتأجيل الإصلاح السياسي بدعوى انتظار نضوج الوعي أو الإصلاح الاقتصادي أوّلا،  قد أثبت إخفاقه مرّة بعد مرّة
"
لا ينبغي التهوين من شأن إزالة غموض ازدواجية المواقف والتصرّفات، ولا التهوين من شأن ترسيخ الثوابت السياسية في التعامل مع الأوضاع الداخلية ومع الأخطار الخارجية في وقت واحد. وليس التلويح بالأخطار الخارجيّة للامتناع عن تنفيذ مطالب مشروعة داخلية أمرا جديدا، بل كان من العلامات المميّزة لحقبة تاريخيّة طويلة في المنطقة، لا سيّما فيما يتعلّق بقضيّة فلسطين، ومن المفروض أن تكون التجارب الماضية، الطويلة المدى، المتعدّدة الأشكال، الوخيمة العواقب، كافية لرفض هذا الأسلوب وللقول إنّ المقياس الصادق للإخلاص الوطنيّ أصبح يتمثّل في الاقتناع الراسخ والتصرّف تبعا لذلك:
 
1- بأنّ تعليق الإقدام على إصلاحات حقيقية داخلية بأيّ مبرّر وذريعة، يزيد من ضعف إمكانات البلد بمجموعه لمواجهة الأخطار الخارجية.

2- وأنّ كلّ تأجيل زمنيّ للإصلاح يصبّ في صالح القوى العدوانيّة الخارجية، مهما اصطُنع له من مبرّرات.

3- وأنّ منطق "الوصاية" على الشعوب وعلى التيّارات الأخرى، ومنطق تأجيل الإصلاح السياسي بدعوى "انتظار نضوج الوعي السياسي"، أو دعوى "الإصلاح الاقتصادي أوّلا"، أو دعوى "متطلّبات الدفاع القوميّ"، أو سوى ذلك من الذرائع، قد أثبت إخفاقه مرّة بعد مرّة، وكان الثمن فادحا في كلّ مرّة، مع تضخّم صناعة العجز الذاتي عن التطوير الداخلي وعن المواجهة الخارجية معا.

وكان من مغزى حرب احتلال العراق ظهور أنّه مهما بلغت قوّة نظام من الأنظمة فهو عاجز عن الصمود في مواجهة خطر خارجي، إذا ما اعتمد على قوّته الذاتية منفصلة عن الشعب وإرادته وتعبئته.

ولم يعد يكفي التنويه المتكرّر بالأخطار الخارجية وتفاقمها، فالمطلوب سلوك سبيل الإعداد لردعها عن تحقيق أغراضها ومنع توظيفها لتحقيق ما هو أبعد منها، وهذا ما يستحيل تحقيقه دون تحقيق التحام حقيقي غير موهوم، على المستوى الشعبي والوطني الشامل، لسائر القوى المخلصة، وفي مقدّمتها تلك المحرومة من حقوقها وحرياتها، التحاما ينطوي على المشاركة الفعّالة في صناعة القرار في مختلف الظروف، الاعتياديّة والاستثنائية.

إنّ الوحدة الوطنية التي يكثر عنها الحديث عادة لمواجهة الأخطار الخارجية، ليست مصطلحا يحتاج إلى "ابتكار" تعريف جديد له، فالمقصود بها ثابت ومعروف، ولا يرتبط -توسيعا لمضمونه أو تقليصا أو تزييفا- بما يُسمّى "خصوصيّة ثقافية"، ولا بظروف قومية أو إقليمية أو قطرية، فالوحدة الوطنيّة تتحقّق من خلال المشاركة المكفولة دستوريا، المضمونة قانونيا، لسائر الأطراف، في اتخاذ القرار وتنفيذه والمحاسبة عليه، والتعرّض للمحاسبة أيضا، وفي تكامل الأدوار السياسية وغير السياسية بين مؤيّد ومعارض لهذا القرار أو ذاك. ولا تتحقّق "الوحدة الوطنية" عبر توظيف الأخطار الخارجية لتكون "شمّاعة" لتبرير الامتناع عن الإصلاح.

إن الاستقرار في سوريا لا يتحققّ على علاقات مضطربة باستمرار، ما بين:

- فئة لها ما لها من صلاحيات فعلية، وسيطرة مطلقة أو شبه مطلقة، وترفض أصل الحديث عن قابليّة التخلّي عن شيء من ذلك.. مثل إلغاء ترسيخ السيطرة الحزبية دستوريا.

- وبين الفئات الأخرى، مع الإصرار على حظر حقّها في المشاركة الدستورية في صناعة القرار، وحرمانها من معظم حقوقها وحريّاتها الأخرى، فليس لها (أو لبعضها) إلاّ النزر القليل الذي قد "تسمح" به الفئة الأولى الحاكمة حينا، أو لا تسمح حينا آخر، بأسلوب الوصاية الشاملة على الشعب بسائر فئاته!

ومن الضروري الاقتناع بأن موقع سوريا "المتميّز" في مواجهة الأخطار الخارجيّة، ليس مجرّد "شعار" أو "إنتاج حزبي" أو "إرث تاريخي".. بل يقوم على عنصر رئيسي منظور يتطلّب التعامل مع تبعاته، وهو أنّها باتت شبه منفردة بموقفها عربيّا وإقليميا، في نطاق القضية المحورية المركزية للمنطقة.. لا سيّما بعد أن بقيت دعواتها إلى "خيار إستراتيجي" إضافيّ إلى جانب ما سمّي "خيار السلام الإستراتيجي" دون صدى ولا جدوى، فما زال معظم البلدان العربية يكتفي -طوعا أو كرها- بذاك الخيار(!) مهما بلغ حجم العدوانية الهمجية الصهيوأميركية.

إنّ الضغوط على سوريا حاليا ضغوط هادفة إلى تخلّيها هي أيضا عن التفكير خارج نطاق "خيار سلام إستراتيجي" من شأنه ترسيخ منطق الاستسلام، وتمرير تصفية قضيّة فلسطين، وترسيخ الهيمنة الأجنبية بسائر أبعادها الخطيرة. وإنّ انفراد سوريا بهذا الموقف عربيّا وإقليميا، وعدم إمكانيّة أن تجد لنفسها عونا بالقدر الكافي من جانب دول أخرى، يفرض على المسؤولين فيها فرضا البحثَ عن مصدر قوّة ذاتية لمزيد من الصمود، وللمقاومة عند الضرورة، ولن تجد ذلك دون التخلّي عن تأجيل مطلب الإصلاح السياسي الشامل داخليا.

"
من يتبنّى المطالب المشروعة السوريّة من داخل صفوف المعارضة أو من داخل أجهزة الدولة، إنّما يتبنّى أولى أبجديات الحياة الكريمة الحرّة العزيزة
"
ومن أفدح الأخطاء ما يتردّد من وقت لآخر بأسلوب المزايدة وبصيغة سؤال استنكاري: مَن يمثّل أولئك المعارضون وهم مئات أو ألوف في الداخل ومثل ذلك أو أقلّ أو أكثر قليلا في الخارج؟.. والأصل أن يرتفع التعامل مع القضيّة السورية وقد أصبحت من القضايا المصيرية بالنسبة إلى سوريا نفسها، وإقليميا، فوق المزايدات الكلامية.

إنّ الاحتكام إلى الإرادة الشعبية يعطي الجواب، وليس هذا الاحتكام "حجّة كلامية" يمكن تبادلها في حوار إعلامي، بل هو مبدأ أساسي للوصول إلى أوضاع مستقرّة على أسس سليمة قويمة، تُسقط على أرض الواقع المنظور ذرائع مَن يزايدون على مصير سوريا أرضا وشعبا ودولة، من أمثال أولئك الذين يتاجرون بالقضيّة عبر نشر محاولة الوهم بقابلية تحقيق أيّ إصلاح، انطلاقا من أحضان واشنطن!

ليس تحكيم الإرادة الشعبية مطلبا أميركيا أو صهيونيا، وليست المشاركة في صناعة القرار مطلبا مرتبطا بميلاد إمبراطوريّة صهيوأميركية أو اندثارها، وليس احترام حقوق الإنسان وحريّاته وضمان أمنه عبر دستور قويم وقضاء مستقلّ نزيه وقوانين مشروعة وتطبيقات نزيهة.. بضاعةً أو سلعة غربية، ولا ذاك منحة يحقّ لأيّ جهة حاكمة منعها أو السماح بها حسبما تراه.

وكفى تردادا لذريعة ممجوجة بصدد "عدم نضوج الوعي" على المستوى الشعبي، فإنّ أشدّ الناس افتقادا للوعي السياسي هو من ينصّب نفسه لتوزيع مثل تلك الاتهامات، ويبرّر بها التصرّف بأساليب وصاية أي فئة من الفئات على سائر فئات الشعب، ولا شيء كهذه الوصاية المفروضة افتراء، يتناقض مع الوعي ويحاربه ويعرقل نضوجه، في أي بلد من البلدان، وأيّ ظرف من الظروف، وبأيّ ذريعة من الذرائع.

إنّ من يتبنّى المطالب المشروعة السوريّة من داخل صفوف المعارضة أو من داخل أجهزة الدولة، إنّما يتبنّى أولى أبجديات الحياة الكريمة الحرّة العزيزة، وأولى أبجديات الوحدة الوطنية الحقيقية، وأولى أبجديات العودة إلى ما تميّزت به أمّتنا قبل سائر الأمم حضاريا وتاريخيا، فكانت هي المنابع لتصدير هذه الأفكار والمبادئ، قولا وتطبيقا، لتنوير عصور أوروبا المظلمة، ووضع أقدامها على طريق النهوض الحضاري المعاصر.
__________
كاتب فلسطيني
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة