قراءة مغايرة لأحداث فتح الإسلام   
الأربعاء 6/5/1428 هـ - الموافق 23/5/2007 م (آخر تحديث) الساعة 12:42 (مكة المكرمة)، 9:42 (غرينتش)


محمد مصطفى علوش

من هي فتح الإسلام؟
لغط عربي ودولي يواكب نشأتها
القضاء على الحركات الإسلامية السنية أو ضربها بحزب الله
طرح موضوع سلاح الأحزاب بقوة
تسليم لبنان للخارج أمنياً
تغير عقيدة الجيش اللبناني

في ظل الظروف التي يمر بها لبنان وما يواكبه من استحقاقات داخلية وخارجية فضلاً عن هشاشة الوضع الأمني والاجتماعي وحتى السياسي تقع أحداث شمال لبنان، ونحاول في هذا المقال قراءة ما وراء سطور الأحداث الجارية بعيداً عن فصول التطورات الدراماتيكية للعمليات العسكرية الجارية على الأرض، إلا أنه لا بد من نبذة صغيرة عن وجود الحركة ونشأتها وجغرافية انتشارها.

من هي فتح الإسلام؟
ظهرت "فتح الإسلام" للعلن لأول مرة حين أعلن أشخاص مسلحون انشقاقهم عن حركة "فتح الانتفاضة" نهاية أكتوبر/تشرين الثاني 2006.

فعلى إثر اشتباك في "مخيم البداوي" شمال لبنان بين عناصر من اللجنة الأمنية ومجموعة من 19 شخصاً مجهولي الانتماء كانوا يقيمون في شقتين قرب مسجد القدس في المخيم، صدر البيان التأسيسي الذي أعلن ولادة حركة "فتح الإسلام"، ليخرج أفرادها من مخيم البداوي ويستقروا في مخيم نهر البارد في مراكز ومقارّ كانت تعود لـ"فتح الانتفاضة".

"
حركة فتح الإسلام بدأت بمجموعة من العناصر الفلسطينية البالغ عددهم حوالي 15 شخصا ثم ازداد عددهم إلى ما يزيد عن 140 بعد أن انضم إليها أنصار من مخيمات فلسطينية في عين الحلوة ومنطقة التعمير الفلسطينية وغيرها
"
بدأت الحركة بمجموعة من العناصر الفلسطينية البالغ عددهم حوالي 15 شخصا ثم ازداد عددهم إلى ما يزيد عن 140 بعد أن انضم إليها أنصار من مخيمات فلسطينية في عين الحلوة ومنطقة التعمير الفلسطينية وغيرها.

أفرادها من جنسيات متعددة ففيهم لبنانيون وفلسطينيون. وقد لوحظ أن عناصر الحركة ذات تدريب عال جداً حيث استطاعت إسقاط أكثر من 30 عسكريا لبنانيا في حين أن عدد قتلاها أقل من ذلك، ولديها قدرة على المناورة وخبرة في قتال الشوارع وتمويلها ذاتي وليس لها غطاء سياسي معروف لا في لبنان ولا خارجه.

وعلى الرغم من اتهامها بالقرب من النظام السوري تارة ومن القاعدة تارة أخرى فإن الحركة ما زالت تنفي هذه الاتهامات حتى الآن بحسب ما أفاد الناطق الإعلامي باسمها والمدعو "أبو حسين".

لغط عربي ودولي يواكب نشأتها
ظاهرة نشأة فتح الإسلام لم تكن مغايرة لنشأة حركات وفصائل جديدة داخل المخيمات الفلسطينية، إلا أن اللغط الذي واكب نشأتها كان غريباً وملفتاً جداً، فُسر حينها من قبل محللين ومراقبين على أنه انعكاس للأزمة القائمة بين الحكومة اللبنانية والنظام السوري لا سيما وأن "فتح الإسلام" كانت أعلنت انشقاقها عن "فتح الانتفاضة" التي تحظى برعاية سورية داخل سوريا.

لكن اللغط الذي واكبها انتشر بقوة في لبنان ولم يعد يقتصر على الأحزاب اللبنانية بل تعداها إلى مقار السفارات الأجنبية لا سيما الأميركية والفرنسية والبلجيكية وغيرها بعد اتهام الحكومة اللبنانية للحركة بالوقوف وراء تفجيرات "عين علق"، فضلاً عن إعلان الحركة أن وجود القوات الدولية في جنوب لبنان هو أشبه بـ"جيش لحد" الذي كان متواطئا مع إسرائيل .

ففي 22 مارس/آذار من العام الجاري ذكر وزيرة خارجية بلجيكا "كارل دوغيث" حركة "فتح الإسلام" بقوله "حزب الله يدعم اليونيفيل وليس لدينا مشكلة معه، لكن يجب أن نكون متنبهين حيال الشائعات التي تشير إلى ارتباط فتح الإسلام بتنظيم القاعدة".

إن أبرز ما نقرؤه في ما يحدث اليوم على الساحة اللبنانية من مشكلة أمنية يراها البعض مفتعلة في حين يراها آخرون رداً غير مقصود اضطر الجيش للتعامل معه بحسم، هو تداعيات هذا الحدث البارزة في النقاط التالية:

القضاء على الحركات الإسلامية السنية أو ضربها بحزب الله
هذه الإحداث تأتي بعد أيام من زيارة المبعوث الأميركي "ديفد ولش" للبنان الذي حذّر من ظاهرة تنامي الأصولية الإسلامية في لبنان، بل إن خبراء ومسؤولين سابقين في الاستخبارات الأميركية اتهموا "الخليجيين عموماً والسعوديين خصوصاً بأنهم يزيدون إسهاماتهم الخاصة "للمتشددين السنّة في لبنان، ما قد يغذي عنفاً جديداً في إطار صراع إقليمي متنامٍ بين السنة والشيعة" وفق ما أوردت وكالة رويترز.

وبحسب الوكالة المذكورة "فإن مسؤولي استخبارات أميركيين سابقين يؤكدون أن آخر تدفق للأموال بدأ في ديسمبر/كانون الأول في محاولة لخلق ثقل في مقابل حزب الله"، معتبرين ذلك "جزءا من جهود السعودية لتعزيز الإسلام السنّي في مواجهة النشاط الشيعي المتنامي في الشرق الأوسط وأفريقيا".

ونقلت الوكالة عن المصدر نفسه أن "بين الجهات التي تلقت الأموال" عصبة الأنصار". وقالوا إن أموالاً أيضاً ذهبت إلى جماعة "فتح الإسلام". واعتبروا أن الولاء لجدول أعمال السعودية وأسرة الحريري هو المتوقّع في المقابل".

"
تسليط الضوء على وجود جماعات أصولية في طرابلس والشمال في بعض الأوساط الإعلامية اللبنانية المحسوبة على جهات حزبية معينة من شأنه أن يزيد من الاحتقان الذي سببته الاعتقالات في صفوف السلفيين من قبل مخابرات الجيش اللبناني
"
وهكذا بدأ التركيز يتزايد على منطقة الشمال، وتبلور في تقارير أميركية أمنية تركزت على إمكان تمديد مجموعات "القاعدة السنية" من العراق إلى لبنان، وتعدد المجموعات المرتبطة بها من "جند الشام" إلى "حزب التحرير" إلى "عصبة الأنصار" وصولاً إلى "فتح الإسلام" إلى منطقة الشمال.

تسليط الضوء على وجود جماعات أصولية في طرابلس والشمال في بعض الأوساط الإعلامية اللبنانية المحسوبة على جهات حزبية معينة من شأنه أن يزيد من الاحتقان الذي سببته الاعتقالات في صفوف السلفيين من قبل مخابرات الجيش اللبناني والمستمرة منذ أشهر والمتهمين بانتمائهم إلى "القاعدة".

إضافة لملاحقة نحو 200 منهم بسبب أحداث الأشرفية عام 2006، الأمر الذي يستدرج هؤلاء إما إلى العنف أو مواجهة حزب الله، وفي كلتا الحالتين يكون الرابح فيها من هو عدو لكلا الطرفين في الداخل والخارج.

ما يزيد هذا التحليل أهمية هو محاولة أحزاب لبنانية مناهضة لفكر الحركات الإسلامية توريط الإسلاميين عبر الربط بين أحداث الضنية نهاية العام 1999 ومطلع العام 2000 وأحداث مدينة طرابلس ومخيم نهر البارد الجارية، معتبرة أن التاريخ يكاد يعيد نفسه في معطياته الأساسية.

حيث إن ما أقدمت عليه مجموعة الضنية التي استخدمت أسلوب المباغتة وقطفت مجموعة من الجيش وعمدت إلى تصفية بعض منهم مشابه لاعتماد "فتح الإسلام" التكتيك ذاته حين لجأت إلى أسلوب المباغتة ردا على دهم أحد مراكزها.

طرح موضوع سلاح الأحزاب بقوة
طرح موضوع السلاح الفلسطيني بقوة على الرأي العام وعدم التفريق بين الفصائل الفلسطينية إضافة إلى ربط العلاقة بين "فتح الإسلام" و"جند الشام" و"أنصار الله" واعتبارها عدة أسماء لجسم واحد وأنها تتشكل من جنسيات متعددة ولها ارتباطات بالقاعدة، علاوة على اتهام بعض هذه المنظمات بالوقوف وراء التفجيرات المتنقلة في لبنان.. كل ذلك يصب في دفع الأمور باتجاه حل هذا السلاح وجعله تحت السيطرة.

وهذا ما ينسجم مع ما سُرب من معلومات عن "مصادر فلسطينية أن تفاهماً فلسطينياً داخلياً تم على أساس تشكيل (لواء فلسطيني) من الفصائل الرئيسية في لبنان ينسق مع الدولة اللبنانية لتطبيق ما اتفق عليه على طاولة الحوار اللبنانية لجهة جمع السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وضبطه داخلها"، وأن مسؤول الكفاح المسلح السابق "خليل أبو طعان" كٌلف مهمة الإعداد لهذا الاقتراح.

حزب الله قرأ في الحدث أنه موجه ضد سلاحه لا سيما وأن دبلوماسيا أوروبيا أكد تعليقاً على المواجهات بين الجيش وفتح الإسلام أنه لا يرى في المدى المنظور ظلاً لقيام دولة قوية وقادرة في لبنان ما دام السلاح خارج سلطتها وفي أيدي مجموعات مسلحة لبنانية وغير لبنانية وتحديداً "حزب الله" والتنظيمات الفلسطينية.

يضيف أن المشكلة التي واجهت الحكم في لبنان ولا تزال تواجهه هي مشكلة السلاح عندما يصبح خارج سلطة الدولة.

تسليم لبنان للخارج أمنياً
تذهب أطراف في المعارضة اللبنانية إلى أن الحكومة اللبنانية أوعزت أو سهلت الوضع لمثل هذه الأزمة وذلك لإقناع الرأي العام اللبناني بضرورة الاستعانة بالقوات الدولية بعد أن سلمت البلد قضائيا للخارج عبر الدعوة لإقرار المحكمة الدولية تحت الفصل السابع بهدف تدويل الوضع اللبناني وتسليمه للقوى الإقليمية والدولية.

"
إذا أخذنا ما يحصل من تفجيرات متنقلة في بيروت متزامنة مع تفجير الوضع في الشمال، على فرضية أن لا علاقة لفتح الإسلام بتلك التفجيرات, يؤكد على أن هناك أجندة مدروسة وأن الأزمة مفتعلة لتسليم البلد للخارج أمنياً
"
وترى هذه الأطراف أن "النتيجة الفعلية للفوضى الأمنية في البلاد هي تغذية رصيد المخطط الأميركي لتدويل الوضع اللبناني تحت عنوان أن الدولة اللبنانية قاصرة وعاجزة بمؤسساتها عن أخذ أمور البلاد ومحاولة النيل من قدرة الجيش اللبناني على فرض الأمن والاستقرار تخدم هذه الصورة التي هي لب إقحام المحكمة في الفصل السابع وجوهر رسالة السنيورة التي فحواها أن لبنان دولة بلا سيادة وقاصرة عن معالجة مشكلاتها الخطيرة أمنياً وسياسياً وقضائياً".

بناء على هذه الرؤية يرى هؤلاء أن "هناك مشروعا أميركيا وإسرائيليا لفتح الاشتباكات في الداخل لأنه لم يعد يستطيع أن يقف في وجه المقاومة، فيريد أن يفتح الاشتباكات الداخلية اللبنانية لأنها الورقة الأخيرة، وإذا استطاع الاحتلال الأميركي والإسرائيلي فتح مثل هذه الصراعات سيبقى عندها إلى أبد الآبدين".

ما يجعل هذا التحليل منطقيا أن الدولة تعرف بوجود "فتح الإسلام" وتحركاتها منذ مدة وترصدها منذ إعلان الحركة عن اسمها في المخيمات وقد غضت النظر عن تسلحها، فضلاً عما تردد من وجود طابور خامس أو خط ثالث حاول تفجير الأزمة في كل مرة يحاول الوسطاء حل الوضع سياسياً.

وإذا أخذنا ما يحصل من تفجيرات متنقلة في بيروت متزامنة مع تفجير الوضع في الشمال، على فرضية أن لا علاقة لفتح الإسلام بتلك التفجيرات كما نفت هي؛ يؤكد أن هناك أجندة مدروسة وأن الأزمة مفتعلة وأن هناك من تورط بها والهدف تسليم البلد للخارج أمنياً.

تغير عقيدة الجيش اللبناني
الملاحظ لكيفية تفجر الأزمة يلاحظ وفق المعلومات اليقينية أن فرع المعلومات في قوى الأمن الداخلي لم ينسق مع قيادة الجيش المحاصر أصلاً لمخيم نهر البارد حيث تتمركز حركة "فتح الإسلام". وقد فسر هذا الفعل من قبل محسني الظن بأنه تنافس غير مشروع بين المؤسستين كما قال الجنرال عون، في حين قرأ فيه قسم من المعارضة أنه عمل متعمد من قبل طرف حكومي لا سيما أن فرع المعلومات محسوب على جهات في الموالاة وأن بغيته من الفعل هو توريط الجيش اللبناني في مشكلة مع سلاح المخيمات الفلسطينية لتحقيق الأهداف التالية:

1- استنزاف الجيش اللبناني في معركة لن تحسم خصوصاً أنه لا يملك القرار السياسي لدخول المخيمات الفلسطينية، فالزج به في معركة لا يستطع حسمها يزيد من استنزاف طاقات الجيش في الوضع الفلسطيني عبر توريطه في معركة لم يختر توقيتها بنفسه ما يعني إظهار عدم كفاءته وحاجته لمساندة ودعم من قبل القوات الدولية أو تغيير وضعيتها في لبنان وبالتالي تبرير انتشارها على الحدود بين لبنان وسوريا على اعتبار أن مخيم نهر البارد هو من أقرب المناطق الفلسطينية للحدود السورية شمالاً.

"
الدخول في لعبة ما يحدث في لبنان لا يبقي جيشا ولا دولة وقد يكون بداية لعودة البلاد لحرب أهلية لا سيما وأن التقارير تفيد أن طرفا ثالثا دخل على خط الأزمة من قناصة مؤجورين بغية دفع البلد لحرب أهلية كالتي جرت عام 1975
"
2- معروف لكل لبناني أن عقيدة الجيش اللبناني عقيدة وطنية باعتباره إسرائيل عدوة وحيدة في الصراع الدائر بين الموالاة والمعارضة، وبالتالي فإن توريطه في حرب مع المخيمات من شانه أن يخفف من شعبيته الداخلية ويجعله طرفا في الصراع الدائر وبالتالي قد يقطع الطريق على قائد الجيش من طرح اسمه لرئاسة الجمهورية مع قرب الاستحقاق الرئاسي.

فوق كل ما ذكر وبغض النظر عما إذا كانت هذه النقاط جميعها أو بعضها مبتغاة من هذه العملية العسكرية فإن مما يتفق عليه المتابعون والخبراء الإستراتيجيون في لبنان أن الموضوع الفلسطيني هو موضوع سياسي وحله بالتالي يكون بطريقة سياسية وليست أمنية.

وأن الدخول في هذه اللعبة لا يبقي جيشا ولا دولة وقد يكون بداية لعودة البلاد لحرب أهلية لا سيما وأن التقارير تفيد بأن طرفا ثالثا دخل على خط الأزمة من قناصة مؤجورين بغية دفع البلد لحرب أهلية كالتي جرت عام 1975 أو على الأقل إعادة رسم خريطة البلد بما يتفق مع المتغيرات الدولية.
ـــــــــــــ
كاتب لبناني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة