أحجية المفاوضات المباشرة وغير المباشرة   
الخميس 9/9/1431 هـ - الموافق 19/8/2010 م (آخر تحديث) الساعة 17:32 (مكة المكرمة)، 14:32 (غرينتش)
علي بدوان


- كرة الثلج الإسرائيلية

- أكذوبة الخلاف الأميركي الإسرائيلي
- التملص العربي الرسمي
- استخلاصات ونتائج

تشهد الساحة الفلسطينية الإسرائيلية حراكا ملحوظا على ضوء الاستعجال الأميركي للانتقال من التفاوض غير المباشر في إطار ما عرف باسم "مفاوضات التقريب" إلى المفاوضات المباشرة، وذلك رغم التعثر الكبير الذي اعترى تلك المفاوضات والحصاد الهزيل الذي أنتجته على مدار الشهرين الماضيين.

يأتي ذلك في الوقت الذي يعمل فيه المبعوث الأميركي السيناتور جورج ميتشل بكل جهد من أجل إقناع الطرف الفلسطيني بالعودة إلى طاولة المفاوضات، دون أن يقدم له أي تعهدات أميركية ملموسة بالضغط على دولة الاحتلال الإسرائيلي لوقف عمليات التهويد والاستيطان.

وفي هذا المعمعان من الحراك المتواصل في المشهد السياسي فإن الاتجاه العام للمواقف في الساحة الفلسطينية، وعند عموم القوى بما فيها فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، يؤشر على ضرورة القفز عن المطلب الأميركي وعدم الرضوخ له والإحجام عن العودة إلى المفاوضات المباشرة ما بقيت الأمور على ما هي عليه بالنسبة لضياع التحديدات المطلوبة المتعلقة بمرجعية المفاوضات، وبعناصر خريطة التفاوض، فضلاً عن استمرار النفي الإسرائيلي لضرورة وقف عمليات التهويد والاستيطان خصوصاً في منطقة القدس.

ومقابل ذلك تستمر الضغوط الأميركية على الطرف الرسمي الفلسطيني، وهي ضغوط أكدها الرئيس محمود عباس بصراحة حين قال بأن الضغوط عليه مستمرة, وأن كل اتصال هاتفي يتلقاه هو بمثابة ضغط "وهذا هو الضغط.. الضغط الذي يمارس الآن لا يحتمل" على حد تعبيره، فكيف نقرأ كل تلك التحولات؟ والى أين تتجه الأمور؟

"
الوقائع العنيدة على الأرض أقوى من كل التقديرات، فقد باتت حقائق الواقع تنسف التفاؤل المصطنع الذي طالما روّج له البعض في الساحتين الفلسطينية والعربية
"
كرة الثلج الإسرائيلية

أولا-
الوقائع العنيدة على الأرض أقوى من كل التقديرات، فقد باتت حقائق الواقع تنسف "التفاؤل المصطنع" الذي طالما روج له وبشر به البعض في الساحتين الفلسطينية والعربية.

فقد جاءت المفاوضات "غير المباشرة" الرسمية الفلسطينية مع الطرف الإسرائيلي كمرحلة مؤقتة قصيرة للعودة إلى الحوار، يتم خلالها تهيئة التربة للمفاوضات المباشرة بعد فترة من التمنع انطلاقاً من الموقف الذي كانت قد اتخذته السلطة الفلسطينية في ظل استفحال عمليات الاستيطان الاستعماري الإجلائي الصهيوني في عموم الضفة الغربية، وفي مناطق القدس بشكل خاص.

لكن تلك العقبات الكبيرة بقيت ودامت، بل وتفاقمت وتدحرجت ككرة الثلج بفعل السلوك الإسرائيلي بعد مرور شهرين من الصيغة الهشة في إطار "المفاوضات غير مباشرة"، دون أن تحقق أي نتائج أو اختراقات جوهرية على المسار التفاوضي الفلسطيني الإسرائيلي.

بل وتشير العديد من المعطيات إلى أن ثمة استعصاءات كبرى ما زالت تعترض مسار العملية التفاوضية، وفي الصميم منها ما يجري على أرض المدينة المقدسة كل يوم من مصادرات وهدم للمنازل الفلسطينية، ومن تقديم عطاءات جديدة لتوسيع عمليات التهويد داخل أحياء المدينة وجزئها الشرقي وعلى محيطها القريب.

ثانيا- الإدارة الأميركية -مقابل رغبتها في إطلاق المفاوضات المباشرة- لم تتحدث عن أي التزامات وتحديدات على الطرف الآخر بشأن ضرورة أن تشمل المفاوضات المباشرة القضايا الجوهرية، مثل الحدود واللاجئين ووقف شامل للاستيطان ومصير القدس، بل تحدثت عن إجراءات بناء الثقة وهي أسطوانة مشروخة ومعادة ومكررة.

وبهذا تبدو المواقف الأميركية الحقيقية وقد تتالت في هبوطها لتنتهي إلى الوقوف بجانب الرؤية الإسرائيلية الصهيونية بالنسبة لمسار التسوية في المنطقة.

فبينما تبنى الرئيس الأميركي باراك أوباما في خطابه الشهير بالقاهرة قبل عام ونصف "حل الدولتين" بالنسبة للموضوع الفلسطيني مثلاً، فإن إدارته تتعاطى على الأرض مع مواقف تنسف "مشروع حل الدولتين" من خلال التوافق العملي مع مواقف حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

فهي تتعاطى معها بمواقف مخملية وناعمة، تغمض عينيها وتصم آذانها عما يجري في الأراضي الفلسطينية المحتلة، خصوصا لجهة قضم الأراضي وتهويدها في القدس وعموم الضفة الغربية، عدا عن الصمت تجاه استمرار الحصار الظالم المطبق على قطاع غزة.

"
الإدارة الأميركية ما زالت تستخدم نهج العصا والجزرة في التعامل مع الطرف الفلسطيني، فهي تنشر الأوهام وتبيع الأكاذيب للفلسطينيين من جهة، وتمارس الضغوط عليهم من جهة ثانية
"
أكذوبة الخلاف الأميركي الإسرائيلي

ثالثا- الإدارة الأميركية أفصحت عن حقيقة مواقفها حين أسدلت الستار عن حالة التوتر الذي ساد خلال الفترات الماضية بين أوباما ونتنياهو، وهو توتر بولغ فيه بشكل كبير، وقد أنهي على حساب الفلسطينيين ومن كيسهم الخاص.

وقد لبى أوباما في التصريحات التي أدلى بها في البيت الأبيض بعيد لقائه الأخير قبل شهر ونيف مع نتنياهو مطالب هذا الأخير، حين حدد سقفاً زمنياً للمفاوضات غير المباشرة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، والانتقال إلى المفاوضات المباشرة في سبتمبر/أيلول المقبل الذي يصادف انتهاء موعد التجميد الجزئي للنشاط الاستيطاني، دون أي فصل أو بت أو قطع في مسألة الاستيطان والتهويد.

وزاد على ذلك قيامه بتوقيع اتفاق تفاهمات مع نتنياهو بشأن الحماية الأميركية "للغموض النووي الإسرائيلي" وللبرنامج النووي الإسرائيلي.

رابعا- الإدارة الأميركية ما زالت تستخدم نهج "العصا والجزرة" في التعامل مع الطرف الفلسطيني، فهي تنشر الأوهام وتبيع الأكاذيب للفلسطينيين من جهة، وتمارس الضغوط عليهم من جهة ثانية.

وفي محاولتها لبيع الأوهام مرة جديدة، أبلغت محمود عباس بأن مبعوثها جورج ميتشل يعمل على إجراء جولة جديدة من المحادثات "للبناء على قوة الدفع تلك" التي انطلقت بها مفاوضات التقريب، مع تقديمها جدولا زمنيا لإجراء المفاوضات المباشرة قبل انتهاء فترة التجميد الجزئي المؤقت للبناء الاستيطاني في الضفة الغربية في سبتمبر/أيلول المقبل.

لكنها في الوقت نفسه مارست -وما زالت تمارس- سياسة الضغوط على الطرف الفلسطيني عبر الرسائل المتتالية التي تحط بها على طاولة الرئيس محمود عباس، وهو ما أكده العديد من أعضاء اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية.

فقد أكد بعضهم أن أوباما بعث يوم 16 يوليو/تموز الماضي برسالة إلى عباس يحذره فيها من أن "عدم استئناف المفاوضات المباشرة مع إسرائيل يهدد علاقة واشنطن بالسلطة الوطنية الفلسطينية".

وأضاف أحد أعضاء اللجنة التنفيذية للمنظمة أن رسالة أوباما إلى عباس تضمنت 16 نقطة راوحت بين التهديد والترغيب واعتمدت مقاربة "العصا والجزرة".

فالضغوط الأميركية الواضحة على الطرف الفلسطيني، وعلى شخص الرئيس محمود عباس، جعلت أيضا المحلل في صحيفة هآرتس الإسرائيلية عكيفا الدار يقول عن عباس إنه "مقبل على وضع عليه أن يختار فيه بين الطاعون والكوليرا: الطاعون هو القدرة على تحمل حجم الضغوط والتهديدات الأميركية الواردة خصوصا في الرسالة الأخيرة من أوباما إلى الرئيس الفلسطيني، والتي كانت وراء الضوء الأخضر العربي لقبول المفاوضات المباشرة في التوقيت المناسب الذي سيكون حكماً في (سبتمبر) أيلول. والكوليرا هي الدخول في مفاوضات دون التزام إسرائيل بتجميد نهائي للاستيطان وتحديد مرجعية التفاوض وسقفها الزمني".

"
 بموافقتها المبدئية على الانتقال إلى المفاوضات المباشرة، تملصت لجنة المتابعة العربية من استحقاقات الموقف الجدي المطلوب كي لا تغضب الإدارة الأميركية
"
التملص العربي الرسمي

في هذا الإطار، وقع الخطأ الكبير بالموقف العربي المهادن عبر قرار لجنة المتابعة العربية بالموافقة على إجراء مفاوضات مباشرة بين إسرائيل والطرف الرسمي الفلسطيني، تاركاً للرئيس محمود عباس تحديد موعد بدئها.

فقرار لجنة المتابعة يعطي "الضوء الأصفر وليس الأخضر" للرئيس عباس لأنه ترك تقدير الموقف النهائي واتخاذ قرار المشاركة في هذه المفاوضات له، لاتخاذه في الوقت المناسب.

وبذلك تملصت لجنة المتابعة العربية من استحقاقات الموقف الجدي المطلوب، كي لا تغضب الإدارة الأميركية.

فالقرار العربي يشكل في حقيقة الأمر إضعافا جديدا للطرف الفلسطيني، كما يعكس حالة الضعف والعجز العربي، خصوصا أنه لم يربط الموافقة المبدئية على الدخول في المفاوضات المباشرة بالشروط الفلسطينية والعربية التي وضعت منذ قرارها الأول الدخول في مفاوضات غير مباشرة لمدة أربعة أشهر والذي اتخذ في بداية مايو/أيار الماضي وينتهي يوم 8 سبتمبر/أيلول القادم.

وبدلاً من الإقدام على بلورة خيارات وبدائل فلسطينية وعربية جديدة، أعطت لجنة المتابعة العربية الموافقة المبدئية على الدخول في المفاوضات وفقاً للشروط الإسرائيلية، أي مفاوضات بلا شروط، مفاوضات من أجل المفاوضات، مفاوضات يطرح فيها كل طرف ما يريد، ويقبل ويرفض كل طرف ما يريد، أي مفاوضات يتحكم فيها الاحتلال الإسرائيلي.

في هذا الإطار، أصبح الرفض الفلسطيني للضغوط الأميركية يحظى بتوافق عال بين كل القوى والفصائل، إذ أعلنت قبل أيام في رام الله أكثر من ستمائة شخصية وطنية فلسطينية مستقلة في فلسطين والشتات، ومعها أربع قوى سياسية فلسطينية هي: الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وحزب الشعب الفلسطيني، وحركة المبادرة الوطنية، وجماعة حواتمة، رفضها العودة الفلسطينية إلى طاولة المفاوضات المباشرة.

كما دعت إلى إفشال الضغوط التي يتعرض لها الرئيس محمود عباس، والصمود في مواجهتها.

وقد عبر الأمين العام لحزب الشعب الفلسطيني بسام الصالحي عن مرارة الحال، حين قال "إذا كانت الضغوط توجه إلينا اليوم من أجل الذهاب إلى المفاوضات، فما بالكم عندما نذهب إلى تلك المفاوضات".

وزاد مصطفى البرغوثي على ما قاله الصالحي "إننا نعيش الأخطر منذ 1967، فقد بدأ أوباما بالحديث عن ممارسة ضغوط على إسرائيل لوقف الاستيطان، وانتهى بالضغط على الفلسطينيين من أجل التعايش مع الاستيطان"، لافتا إلى "أن الضغوط التي سيتعرض لها الفلسطينيون بعد الذهاب إلى المفاوضات هي الأخطر، لأنها ستوجه من أجل قبول حل سياسي غبر مقبول".

"
عباس لن يستطيع في نهاية المطاف سوى الاستجابة للمطلب الأميركي ما دام الوضع الفلسطيني منقسما ومشتتا، وما دام الوضع العربي الرسمي لا يحمل عناصر إدامة في دعم الموقف الفلسطيني
"
استخلاصات ونتائج

في المحصلة.. إن أغلب التقديرات والتحليلات تتجه نحو القول بأن العودة إلى المفاوضات المباشرة المقترحة أميركياً تلقى دعماً عربياً خجولا بشكل أو بآخر، وهذا الدعم الخجول ساهم في إخراج قرار لجنة المتابعة العربية بتلك الصورة.

وهنا لن يستطيع الرئيس محمود عباس في نهاية المطاف سوى الاستجابة للمطلب الأميركي ما دام الوضع الفلسطيني منقسماً ومشتتاً، وما دام الوضع العربي الرسمي لا يحمل عناصر إدامة في إسناد ودعم الموقف الفلسطيني ضد التعنت الإسرائيلي وسياسات الاحتلال القائمة على الأرض في الضفة الغربية والقدس واستمراره في حصار قطاع غزة.

ومع ذلك، فإن العودة إلى المفاوضات المباشرة لن تعني شيئاً بالنسبة لعملية التسوية في نهاية المطاف، لكنها تساعد فقط على خلق حراك "عنوانه إضاعة الوقت وتعبئة فراغ" في الفترة الزمنية القادمة، دون الوصول إلى نتائج حاسمة ولو في الحد الأدنى بالنسبة للعناوين التفاوضية المطروحة.

فقد باتت "أحجية" لعدة أسباب منها على سبيل المثال: التعنت الإسرائيلي الرافض للنزول عند استحقاقات الشرعية الدولية قولاً وعملا، وفقدان التوازن في الدور الأميركي ومراوحته عند تخوم الموقف الإسرائيلي في النظر إلى قضايا التسوية النهائية.

كما أن دول الاتحاد الأوروبي ما زالت واقعة في مربع التذيل وراء الموقف الأميركي، ولم تستطع إلى الآن مغادرة المربع نفسه باتجاه توليد المواقف البناءة المستقلة عن سطوة موقف واشنطن.

ولهذه الأسباب مجتمعة، فإن آمال المتفائلين من إمكانية تحقيق اختراق تفاوضي على المسار الفلسطيني الإسرائيلي خلال الفترة القريبة القادمة، ستتبخر على أرض الواقع لتعود الأمور إلى نقطة البداية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة