المشهد السوري في ضوء تزاحم المعطيات   
الأربعاء 8/11/1432 هـ - الموافق 5/10/2011 م (آخر تحديث) الساعة 10:17 (مكة المكرمة)، 7:17 (غرينتش)
غازي دحمان

 
 
يضج المشهد السوري بجملة من المعطيات الميدانية والسياسية، الداخلية منها والخارجية، وتتزاحم هذه المعطيات لصياغة مشهد أو مشاهد سورية، وعلى الرغم مما قد يبدو عليه المشهد للناظر وقد دخل في وضع من الجمود المعقد، فإن ثمة ديناميات عدة تتفاعل على سطحه وفي عمقه في حالة تسابق واضحة للعيان وذلك بهدف إنتاج أوضاع جديدة تساعد الطرف الذي يقف وراءها على موضعة نفسه قابضًا على الجزء الأكثر فعالية في اللعبة، علّ ذلك يساهم في تغيير قواعدها لمصلحته.
 
المعطيات الميدانية
يشكل المجال الميداني أكثر مجالات الصراع (المعطياتي) أهمية، ذلك أن كل طرف يسعى إلى تثبيت معطياته وترسيخها على الأرض، وذلك انطلاقا من إدراك مشترك لأن هذا المجال يشكل أساس القضية ومحورها الأكثر فعالية، ومن يملك القدرة على التحكم فيه أو على الأقل الوصول إلى حالة رجحان كفته، سيضمن القدرة على التحكم في قواعد اللعبة.
 
"
على الرغم من الأثر الكبير الذي أحدثته إجراءات النظام على حركة الثورة، عبر إخراج العديد من ساحة فعلها، سواء تم ذلك بالقتل أو الاعتقال أو التشريد، فإن الثورة استطاعت في كل مرحلة ترميم ذاتها
"
وفي الواقع الميداني استطاع النظام التخفيف من حدة المظاهرات المناوئة له عبر إجراءاته العنيفة جدًّا تجاه المتظاهرين، ومن خلال محاصرته للمدن والأرياف وتقطيع أوصالها بالحواجز، واعتقال آلاف الناشطين (تقدر الجمعيات الحقوقية عددهم بخمسة عشر ألفا)، وقتل عدد كبير من الناشطين (ثلاثة آلاف)، وتشريد عشرات الآلاف في الجبال والوديان والسهول وخاصة في درعا وإدلب وحمص وحماة ودير الزور وريف دمشق، وهي مناطق الاحتجاج الأكثر سخونة.
 
كما عمد النظام في سبيل تحييد الناشطين إلى اتباع إجراءات تمس سلامة وكرامة ذويهم، ناهيك عن الإرهاب العلني للمواطنين من خلال نشر مئات من رجال الأمن والشبيحة في شوارع المدن وأزقتها وفي عمليات الاجتياح للأرياف وقراها.
 
ولكن الثورة في مقابل ذلك لم تعدم ممكناتها، ولا تزال تعمل على صياغة معطياتها من قدراتها الذاتية، فعلى رغم الأثر الكبير الذي أحدثته إجراءات النظام على حركة الثورة عبر إخراج العديد من ساحة فعلها، سواء تم ذلك بالقتل أو الاعتقال أو التشريد، فإن الثورة استطاعت في كل مرحلة ترميم ذاتها، وهي اليوم تضيف معطى مهمًّا في سياق حراكها، وهو إشراك الطلاب في مختلف المستويات، وهو ما بدا أنه يشكل إضافة وبعدًا حيويًّا سيكون له أثر كبير في تصعيد الثورة ورفدها، وتكمن أهمية هذا المتغير في قدرته على استيلاد ممكنات جديدة من نوع زيادة مشاركة عناصر جديدة في الثورة كالمرأة بصفتها أمًّا، وربما النقابات والاتحادات التي تهتم بشؤون هذه القطاعات من المجتمع.
 
المعطيات السياسية
يندرج في بند هذه المعطيات، وتحت سقفها، مجمل النشاط ذي الطابع السياسي، الذي يقوم به النظام الحاكم ومعارضوه، حيث يجهد النظام في إغراق البلاد في ما يسميه حوارات سياسية، تحت عنوان الحوار الوطني، على صعد مختلفة (محافظات، طلاب، شباب)، ولم يستطع النظام في هذا المجال إخفاء حقيقة أنه يحاور نفسه بنفسه، من خلال موظفيه والمرتبطين به، وفي أحسن الأحوال مع أفراد لا يريدون إلا سلامة رؤوسهم، لكن ذلك لا ينفي أن النظام الذي استعجل إنجاز الحوار في مواقيت محددة، أراد أن يجعله معطى في الحالة السياسية الراهنة، وثبت أن أول محاولات استثماره لهذا المعطى جاءت عبر تحميل ملف هذا الحوار للوفد الذاهب إلى الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة، لإثبات "جدية النظام في التغيير" على ما صرح به نائب وزير الخارجية السوري فيصل مقداد في اجتماعاته مع بعض الوفود المشاركة.
 
في الجهة الأخرى، أفرز حراك المعارضة ونشاطها معطى سياسيا جديدا في مشهد الأزمة السورية. فبالرغم من كون تعدد مؤتمرات المعارضة أعطى في مرحلة سابقة صورة سلبية عن إمكانياتها وقدراتها السياسية فإن ثمة مؤشرات إيجابية بدأت البروز وخاصة بعد توافق تيارات عديدة في المعارضة على تأييد المجلس الوطني في أنقرة، وإذا صدقت البيانات الصادرة عن هذا التجمع، وخاصة من حيث تفعيل العمل الثوري وتطوير آلياته فإننا سنكون أمام حالة مستجدة أكثر فعالية.
 
"
القراءة الدقيقة لبعض المواقف الإقليمية والدولية، تكشف عن نذر تدخل خارجي بدأت تلوح في الأفق الإقليمي وخاصة بعد تطور الموقف الدولي وتلاقيه مع المواقف الأوروبية تجاه الأزمة السورية
"
لا شك في أن معطيات الواقعين الميداني والسياسي قد أفرزت على هامشهما واقعة التدخل الخارجي. وعلى الرغم من رفض طرفي الأزمة في سوريا، النظام والمعارضة وجزء كبير من الشعب السوري، لهذه الحالة، فإن كل هذه الأطراف تستدعي التدخل الخارجي بطريقة أو أخرى سواء كان ذلك بوعي أو بدونه، فالأزمة بأبعادها الإقليمية والإنسانية تبدو حمالة لإمكانيات التدخل الخارجي، وخاصة في ظل حالة الاستنفار التي تبديها بعض الدول الإقليمية تحت ذريعة حماية أمنها الإقليمي، أو حتى في ظل حزم العقوبات الاقتصادية والسياسية والعسكرية التي تفرضها أطراف دولية وإقليمية، وهذا الوضع يجعل معطى التدخل الخارجي في الأزمة السورية حاضرًا ومترسّخًا، ولن تؤثر الدعوات الوطنية في التقليل من أخطاره وحدة حضوره، ذلك أن استمرار الأزمة واستفحالها وانتقالها من طور إلى آخر سيؤدي إلى ترسيخ ذلك المعطى في صلب الإستراتيجيات الإقليمية والدولية تجاه سورية.
 
وفي الحقيقة، فإن القراءة الدقيقة لبعض المواقف الإقليمية والدولية، تكشف عن نذر تدخل خارجي بدأت تلوح في الأفق الإقليمي وخاصة بعد تطور الموقف الدولي وتلاقيه مع المواقف الأوروبية تجاه الأزمة السورية.
 
هل لا تزال التسوية ممكنة في الأزمة السورية؟ أم أن الوضع تجاوز هذه الإمكانية؟
 
تبدو إمكانية التنبؤ بهذه المسألة، في اللحظة الراهنة والأمد القريب، غير واضحة المعالم، ولعل السبب الرئيسي يكمن في تبدل المعطيات وتحركها، والمعروف في عالم السياسة أن التسويات تصبح ممكنة في حالة اقتناع أطراف الأزمة بعبثية استمرار سياساتها وطريقة إدارتها للأزمة، وذلك في افتراضنا وجود سياق منطقي للأزمة السورية، ومن ثم يجري البحث عن مخارج أكثر جدوى وأقل كلفة للخروج من الأزمة.
وفي الحالة السورية لا يبدو أن أطراف الأزمة قد توصلت لهذه الاقتناع، فالنظام لا يزال يعتقد أن طاقة العنف لم تنفذ عنده بعد، ولا يزال يعتقد أنه قادر على إنهاء "المؤامرة"، وبالتالي لا حاجة له في التسويات طالما أنه لا يزال يستأنس القوة في بنيته، وكذلك لخشية النظام من أن تؤدي أية تسوية، ليست بشروطه إلى انهيار ركائزه، وبالتالي إضعافه وإسقاطه مستقبلاً.
 
"
النظام لا يزال يعتقد أن طاقة العنف لم تنفذ عنده بعد, في حين أن المعارضة لا تزال ترى أن الثورة فيها الكثير من الممكنات، وإن جرى تنظيمها وتفعليها ستؤدي إلى إسقاط النظام  
"
أما المعارضة فهي لا تزال ترى أن الثورة فيها الكثير من الممكنات، وهي إن جرى تنظيمها وتفعليها ستؤدي إلى إسقاط النظام، ناهيك عن حذر المعارضة من مجرد التفكير في مقاربة التسوية في حد ذاتها خوفًا من افتقادها شرعيتها تجاه شارع لا يزال سائرًا على طريق الثورة.
 
والحال أن ثمة مشهدًا سوريًّا قادمًا، مختلفًا تمامًا عن الصورة التي ظهرت بها البلاد على مدار العقود الأربعة الماضية، وهذا المشهد نثر معطياته في الواقع الجيوإستراتيجي السوري ورسخها عبر ستة أشهر من عمر الأزمة وتفاعل ديناميتها، وهو مرشح لأن تجر قاطرته عربات كثيرة، عربية وإقليمية، أما صورته وطريقة إخراجه فمن الواضح أنها ستكون الجزئية الأكثر كثافة للصراع في هذه الأزمة.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة