إسرائيل.. إدارة الصراع لا حله   
الأربعاء 17/12/1431 هـ - الموافق 24/11/2010 م (آخر تحديث) الساعة 16:10 (مكة المكرمة)، 13:10 (غرينتش)
أسعد غانم


الهدوء المحيط بالمفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية، ويُجَرّ لها المفاوض الفلسطيني من خلال إغراءات أميركية عربية أوروبية وضغوط إسرائيلية، يثير الكثير من علامات السؤال وربما الاستنفار الاستثنائي من قبل الفلسطينيين والعرب الذين سوف يدفعون ثمن إقدام قيادة فلسطينية غير شرعية ولا تمثل بأي حال كل الشعب الفلسطيني، على توقيع اتفاق لإنهاء الصراع دون الحد الأدنى من المطالب الفلسطينية بكل ما يتعلق بالظلم التاريخي والاستحقاقات المترتبة على خسارة الوطن وتشريد الشعب الفلسطيني وما تبعهما من تضحيات فلسطينية وعربية لاستعادة الحق لنصابه.

لكن القيادات الفلسطينية التي تتشبث بمنظمة التحرير وتاريخها ومكانتها كطوق نجاتها -حولتها عملياً لحساب مصرفي تُضَخ به أموال أميركية وأوربية وعربية، وتضم مجموعة كبيرة من المنتفعين المروجين "للسلام الإسرائيلي" – تورطنا بأوهام السلام الإسرائيلي، لأنها تريد الحفاظ على مكاسبها الشخصية أولا، وليذهب الشعب الفلسطيني بعد ذلك لجحيم المعاناة والتشرد والملاحقة والمنع من وصول وطنه.

"
السلام الإسرائيلي ينطلق من مصالح إسرائيلية فقط ويبنى على أساس تحطيم الشعب الفلسطيني نهائياً والحصول على اعتراف فلسطيني بسلام يضمن لإسرائيل كل مطالبها كاملة
"
لن أضيف أكثر في هذا السياق فالأمر يتطلب شرحاً منفصلا ووافياً لكيفية إسقاط الشعب الفلسطيني من قبل من يدعون تمثيله في مصيدة "السلام الإسرائيلي".

هذا السلام الذي ينطلق من مصالح إسرائيلية فقط ويبنى على أساس تحطيم الشعب الفلسطيني نهائياً والحصول على (اعتراف فلسطيني) بسلام يضمن لإسرائيل كل مطالبها كاملة: أكبر مساحة من الأرض يسكن عليها كل اليهود في فلسطين التاريخية واعتراف فلسطيني بيهودية الدولة، ودولة الشعب اليهودي، والتفوق الإثني مقابل دونية الفلسطينيين في وطنهم، مع إبقاء نصفهم وللأبد خارج هذا الوطن.

رغم أن هنالك الكثير من المحللين الذين لا زالوا يتطرقون لاتفاقيات أوسلو وما تبعها من تفاهمات باعتبارها الركن الأساس في أية عملية سلام أو اتفاق تاريخي بين الطرفين، لكن من الواضح أن الحالة السياسية الإسرائيلية التي رافقت المعاهدات والاتفاقيات قد تغيرت جذرياً خلال العقد الأخير.

لقد طوى الإسرائيليون منذ مدة طويلة حقبة أوسلو وأعلنوا جهاراً بداية مرحلة جديدة، وذلك يبدأ تحديداً مع اعتلاء نتنياهو سدة الحكم في المرة الأولى عام 1996 وتلاه إفشال خليفته، إيهود باراك متعمداً اتفاقا مرحليا مع الرئيس الفلسطيني في قمة كامب ديفيد عام 2000، وانتخاب الإسرائيليين لشارون عام 2001 الذي تباهى بماضيه الدموي ضد الفلسطينيين وبكونه لم يقدم على "مصافحة عرفات" رغم أنه كان من أقطاب حكومة نتانياهو ومن طاقم المفاوضات الإسرائيلي خلال الأعوام 1996-1999.

لقد قاد شارون مشروع تحديد ملامح المشروع الجديد لإسرائيل، والذي تم تبنيه بفوارق صغيرة، من قبل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة والتي أقدمت على التصعيد ضد الشعب الفلسطيني من خلال عدة خطوات أهمها الحرب على غزة، وصعود المستوطنين واليمين الفاشي سدة الحكم عام 2009، وحتى التصعيد الأخير لحكومة نتنياهو فيما يخص الاستيطان والمطالبة بقبول الفلسطينيين بيهودية الدولة.

كل هذا شكل انتقالا إسرائيلياً جذرياً من التفتيش عن حل سياسي "قليل الثمن" تحت رابين وبيريز في أوائل تسعينيات القرن المنصرم وحتى التحول لإدارة الصراع بدل حله، وذلك نتيجة لفهم واسع النطاق بأن السقف الأعلى من الاستعداد الإسرائيلي لن يلامس الحد الأدنى للمطالب الفلسطينية، أو حتى ملامح حل الصراع وفق القرارات الدولية ذات الصلة.

ولذلك، إذا كان من غير الممكن الوصول لحل رخيص نسبيا فمن الممكن العمل على إدارة الصراع من خلال تفاهمات جزئية ومحدودة مع حكومة فلسطينية، لا تملك أي بديل آخر، سوى الانصياع للإملاءات الإسرائيلية، إن كان بشكل مباشر أو من خلال ضغوط أميركية عربية أوروبية متعاونة مع إسرائيل.

واجهت إسرائيل معضلة أساسية فشلت في إيجاد حلٍ لها منذ احتلالها للأراضي الفلسطينية في العام 1967 وحتى الآن، وهي تنبع من التناقض القائم بين المطلب الصهيوني في الضم من ناحية، والحفاظ على إسرائيل كدولة يهودية، من ناحية أخرى.

فضم المناطق الفلسطينية المحتلة قد ينفي على أرض الواقع عن إسرائيل صفتها اليهودية ويحولها، موضوعياً، لدولة ثنائية القومية، يزداد عدد العرب الفلسطينيين فيها بنسبة عالية ليصبحوا أغلبية. أما الانسحاب من المناطق المحتلة فإنه يتناقض مع عقيدته الأساسية حول "أرض إسرائيل الكبرى".

سعى شارون إلى التأسيس لمشروع يتعامل مع هذا الواقع، وذلك من خلال إقامة نظام فصل من طرف واحد، رافضاً الانسحاب إلى حدود الرابع من يونيو/ حزيران لعام 1967، ومدركاً في الوقت نفسه خطورة ما يطلق عليه صهيونيا "الخطر الديمغرافي". ووفقاً لرؤيته تنسحب إسرائيل من داخل قطاع غزة ومن 42% من مساحة الضفة الفلسطينية المحتلة، وفي المقابل تضم إسرائيل المناطق الفلسطينية التي أقيمت عليها المستوطنات اليهودية، وكذلك تضم ما أمكنها من مناطق أخرى في الضفة الغربية.

"
بلور شارون رؤية إسرائيلية للتعامل مع مشكلة الاحتلال ومستقبل القضية الفلسطينية، بحيث تسيطر إسرائيل على ما يسمى "أرض إسرائيل" من دون حكم مباشر للفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة
"
لقد بلور شارون رؤية إسرائيلية للتعامل مع مشكلة الاحتلال ومستقبل القضية الفلسطينية، بحيث تسيطر إسرائيل على ما يسمى "أرض إسرائيل" من دون حكم مباشر للفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة. هذه الرؤية تتلخص في انتقال إسرائيلي من التطلع إلى حل الصراع مع الفلسطينيين حسبما قدر في اتفاقيات أوسلو وما تبعها لرؤية جديدة تتبنى منطق إدارة الصراع والتحكم بمركباته مع المحافظة على مبدأ "التفوق الديمغرافي" اليهودي في حدود إسرائيل الداخلية وكذلك مع الحفاظ على التعامل الإيجابي مع المطلب الشعبي الإسرائيلي والقاضي بضرورة سيادة الهدوء مع عدم الاستعداد لدفع الثمن المطلوب لأجل ذلك حسب القرارات الدولية، حتى بات واضحاً أن غالبية الإسرائيليين يؤيدون إقامة دولة فلسطينية محدودة السيطرة والاستقلال وبذلك يعتقد غالبتهم بأن هذا الاستعداد كاف لجعلهم في "معسكر السلام"، حتى لو كان استعدادهم بعيداً عن التطلعات الفلسطينية وعن ما يتطلبه تنفيذ القرارات الدولية.

لقد أعطى شارون لهذا التطور معنى سياسيا عينياً من خلال بلورة مشروع الانسحاب أحادي الجانب من غزة وبعض المستوطنات في شمال الضفة، وهو المشروع المبني على أساس رؤيته القديمة والقائلة بضرورة ضم مناطق واسعة من الضفة الغربية على طول الخط الأخضر وغور الأردن، وتركيز السكان الفلسطينيين في جيوب معزولة عن بعضها، أو متصلة بشريط أرضي ضيق، وكانت غزة هي الجيب الأول الذي أقامه. والتغير الأساسي في موقفه لم يتجلَّ بالإقرار بوجوب تقسيم أرض إسرائيل، وإنما باستعداده لتسمية الجيوب الفلسطينية باسم "دولة".

وهذا بالضبط ما تطلع اليه كل من أولمرت ونتانياهو بعد تسلمهما للحكم بعد شارون، فكلاهما استمر بنفس النهج والرؤية وإن كان من خلال الاستعانة بشريك فلسطيني قلب الطاولة على نتائج الانتخابات الفلسطينية العامة عام 2006 واستقوى بالإسرائيليين لقمع أية محاولات للاحتجاج على ذلك من خلال ملاحقة مشتركة لمن اتهموا بالتعاون مع حكومة غزة الحمساوية، وأعلن قيام حكومة مدعومة أميركيا برئاسة سلام فياض، القائمة حتى الآن وبشكل يتناقض مع الدستور الذي أقرته سلطة رام الله نفسها.

يتبلور الهدف الأساسي للسياسة الإسرائيلية فيما بعد الانتهاء من فترة أوسلو وفقاً للنقاط التالية: ترسيم الحدود الدائمة لإسرائيل من طرف واحد وليس من خلال اتفاقيات ثنائية بفرض خطوات أحادية الجانب على الأرض وللسلطة الفلسطينية إمكانية الموافقة إذا أراد اعضاؤها استعمال مكانتهم المميزة (VIP) للخروج من مناطقهم أو الاحتجاج اللفظي لدى حلفاء إسرائيل: الأميركيون والاوروبيون والعرب في أحسن الأحوال.

كذلك يندرج ضمن المشروع الإسرائيلي للسلام الحفاظ على تفوق عددي يهودي داخل حدود هذه الدولة. ووفقاً لذلك تقوم إسرائيل بضم فعلي للأراضي الواقعة على امتداد الخط الأخضر وغور الأردن بأكمله، وستقوم أيضا بضم بضعة قطاعات واسعة لتتمكن من وصل غور الأردن بالبحر. وتقوم إسرائيل برفد المستوطنات الأساسية وغير المطروحة من جهتها للإخلاء من خلال عمليات بناء وتشجيع اليهود للانتقال والسكن هناك.

وفق هذه الرؤية يتم تسليم المناطق الفلسطينية التي يكتظ فيها السكان الفلسطينيون إلى سلطة فلسطينية وإخراج كل المستوطنات منها. بهذه الطريقة تنشأ ثمانية أو تسعة قطاعات فلسطينية، معزول أحدها عن الآخر، بحيث يكون كل قطاع مطوّق بالمستوطنات وبمنشآت الجيش، ولا يضير بإسرائيل تسميتها هذه المناطق "دولة فلسطينية".

يكمن أحد أهم مركبات الموقف الإسرائيلي بعد أوسلو بإبعاد المهام المتعلقة بالاحتياجات اليومية للفلسطينيين تحت الاحتلال عن مسؤوليتها والاهتمام بوجود سلطة فلسطينية تأخذ على عاتقها هذه المهمة. منذ بدء مفاوضات أوسلو بدا واضحاً أن إسرائيل تسهل الوسائل لإقامة السلطة من جهة، وتقوم بفرض رؤيتها في شكل هذه السلطة وتركيبتها ووسائل عملها حتى يتسنى لها فض يديها من أية مسؤولية في هذا المضمار، حتى أنها كانت مستعدة لقبول بعض التغييرات على مبنى السلطة، بشقيها التشريعي والتنفيذي، وبدون أية تعقيدات حتى يتسنى لها ما أرادت.

"
أقدمت إسرائيل على الاعتراف بمنظمة التحرير كممثل شرعي ووحيد للفلسطينيين ووقعت اتفاق أوسلو في خطوة كان من المتوقع أن تفضي لسلام فلسطيني إسرائيلي، لكن إسرائيل لم تكن جاهزة تماماً لتنفيذ المطلوب منها
"
في المقابل من الواضح تماماً بأن سقف الممارسة السياسية الإسرائيلية لا يمكن أن يتعدى مسألة وجود السلطة أداة تأخذ على عاتقها مهمة القيام بتأمين الاحتياجات الأساسية للفلسطينيين في الضفة والقطاع وبذلك تضمن إسرائيل عدم مطالبتها دولياً القيام بذلك، وحتى لو اضطرت إسرائيل للتعامل مع هذا الكيان وكأنه دولة فهي مستعدة لذلك، فما يهمها عملياً هو تأمين وجود جسم إداري فلسطيني يقوم بالمهمات الخدماتية الأساسية للفلسطينيين ويتحمل نفقات الاحتلال بدلا منه.

خلاصة القول, قبل سبع عشرة سنة، وتحديداً بعد الانقلاب السياسي بعد انتخابات الكنيست عام 1992 أقدمت إسرائيل على الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للفلسطينيين ووقعت اتفاق أوسلو في خطوة كان من المتوقع أن تفضي لسلام فلسطيني إسرائيلي، لكن إسرائيل كما تبين لم تكن جاهزة تماماً لتنفيذ المطلوب منها حسب الاتفاق أو حتى حسب القرارات الدولية ذات الصلة.

بعد ثلاث سنوات من توقيع الاتفاق قتل رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحق رابين، على يد متطرف يهودي نجح باغتيال اتفاق أوسلو إذ انتخب مرشح اليمين بنيامين نتنياهو رئيسا للوزراء في انتخابات عام 1996، وأعلن بدوره عن بداية حقبة جديدة من العلاقة مع الفلسطينيين.

في العقد الاخير انتقلت إسرائيل من التطلع لحل الصراع نحو إستراتيجية "إدارة الصراع" حسب ما تمليه مصلحتها، ولذلك بادرت لإقامة "نظام فصل" دون إحراز تسوية تاريخية، وبالتالي يرجح قيام كيان فلسطيني يمكن وصفه بأنه "أكثر من حكم ذاتي وأقل من دولة" مع إبقاء المركبات الأساسية للصراع، وعلى رأسها قضية اللاجئين، غير محلولة لأجل غير مسمى، ومن خلال إيمانها بأنها تستطيع إنزال هذه القضايا من أجندة الاهتمام العالمي، بمساعدة نشطة من سلطة فلسطينية لا تملك سوى الاحتجاج، ومن ثم استئناف الحياة وكأن الصراع لم يعد موجوداً.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة