محاضر محمد ومعاداة السامية   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)


*بقلم/ محمد جميل بن منصور

- ردود أفعال متباينة
- مشجب معاداة السامية
- التاريخ في خدمة السياسة
- الحاجة للفصل.. والميزان المعتل

أثارت التصريحات التي أدلى بها رئيس الوزراء الماليزي محاضر محمد في قمة منظمة المؤتمر الإسلامي المنعقدة أخيرا في بوتراجايا الماليزية ضجة واسعة في العالم كان أكثرها سماعا تلك الغاضبة منها والواصفة لها بمعاداة السامية واليهودية.

قال محاضر محمد إن المسلمين أقوياء جدا ولا يمكن إبادة مليار و300 مليون مسلم ببساطة. وأوضح أن الأوروبيين أبادوا 6 ملايين يهودي من أصل اثني عشر مليونا "لكن اليهود اليوم يديرون العالم بالوكالة ويجعلون الآخرين يقاتلون ويموتون بدلا عنهم ولأجلهم".

ردود أفعال متباينة
ردود الأفعال جاءت سريعة من الحكومة الإسرائيلية التي اعتبرت التصريحات عداء للسامية، ومن الولايات المتحدة الأميركية التي وصفت التصريحات بالمهينة ودعت للنظر إليها بالاحتقار والازدراء الذي تستحقه على حد قول كولن باول وزير الخارجية الأميركي.


أصوات الإدانة والتحامل على تصريحات محاضر محمد كانت طاغية على المواقف التي حاولت الدفاع عنها وتبريرها

وتتابعت الإدانات من المفوضية الأوروبية إلى إيطاليا التي طالبت قمة بروكسل الأخيرة بإدانة تصريحات محاضر، إلى ألمانيا التي استدعت القنصل الماليزي، إلى أستراليا التي انتقدت بشدة ما أدلى به الزعيم الماليزي أمام القمة الإسلامية في بوتراجايا.

هناك أصوات أخرى حاولت أن توازن ردود الأفعال ووصفت حديث محاضر بالموضوعي والواقعي. فوزير الخارجية المصري أحمد ماهر اعتبر كل ما أثير حول التصريحات ناتجا عن سوء نية من جانب البعض, ودعا مقابل هذه الحملة المتحاملة إلى مراجعة تصريحات نائب وزير الدفاع الأميركي المعادية للعرب و المسلمين.

الأمين العام للجامعة العربية عمرو موسى من ناحيته عبر عن تأييده لكلام الوزير الأول الماليزي، وهو نفس الموقف الذي وقفه وزير الخارجية اليمني الذي فضل نفي معاداة السامية عن مواقف محاضر محمد التي وصفها بالانسجام مع وقائع تواجه العالم الإسلامي فعليا, واختار المفكر الإسلامي الدكتور محمد عمارة وصف التصريحات الماليزية بانتقاد الصهيونية بأنها بريئة من النيل من اليهودية.

ولكن أصوات الإدانة والتحامل كانت طاغية على مثل هذه المواقف التي جاءت في أغلبها محدودة وربما خافتة. وهو ما دفع –فيما يبدو– وزير خارجية ماليزيا إلى نوع من الدفاع الضمني الذي يستبطن بعض الاعتذار اعتبر فيه أن تصريحات رئيسه حرفت عن سياقها واتخذت سببا لحملة ظالمة ضد بلاده , وأكد حامد سيد البار أن الإسلام ليس ضد اليهود والمشكلة فقط هي إسرائيل.

غير أن محاضر محمد نفسه عاد في مؤتمر صحفي عقب القمة الإسلامية لينفي أي اعتذار لحكومته ويعاود انتقاد الغرب الذي يعطي لنفسه حق انتقاد الآخرين ويمنع هذا الحق عن المسلمين. وأكد محاضر أن الغرب يحبذ استمرار عمليات العنف والإرهاب "ليبرر بها الهجوم علينا".

وكان محاضر قد حاول موازنة حديثه المنتقد لليهود والغرب بدعوة الفلسطينيين للكف عن عمليات العنف وإرسال الشبان والشابات لذلك وقبول عروض التفاوض حتى وإن كانت مجحفة, ولكن هذا الجزء من حديث المسؤول الماليزي لم ينل تغطية ولا اهتماما خصوصا في الدوائر الغربية التي فضلت تسليط الضوء على الجزء الآخر المنتقد لليهود ونفوذهم.

مشجب معاداة السامية
معروف أن معاداة السامية تهمة أصبحت بعض الدوائر الصهيونية واليهودية أو تلك المقربة منها ترفعها كلما رأت ذلك ضروريا لإسكات صوت أو مضايقة مؤسسة أو دولة في ميادين الفكر أو السياسة أو الإعلام.

وتشتهر في هذا الميدان منظمتان عالميتان هما:

1- معهد أبحاث وسائل إعلام الشرق الأوسط, ومقره واشنطن ويرأسه الضابط السابق بالاستخبارات الصهيونية (68-88) الكولونيل إيجال كرمون.

2- عصابة مكافحة التشهير، وقد تأسست عام 1913 في شيكاغو بالولايات المتحدة الأميركية. ويتولى خبراء ومتفرغون متابعة معظم ما ينشر ويقال بهدف التحليل والاستنطاق ليرتب عليه ما ينبغي من التجريم والاتهام.

وقد عشنا قبل شهرين فصول عملية إغلاق مركز الشيخ زايد للتنسيق في الإمارات العربية المتحدة التابع إداريا للجامعة العربية والذي اتهم بعدم التسامح ومعاداة الأديان، ولم يشفع له أن رئيسه هو الشيخ سلطان بن قاسم نائب رئيس الوزراء.


كلما رأت الدوائر اليهودية المقربة من إسرائيل صوتا يشكل خطرا على المشروع الصهيوني بادرت بإسكاته بحملة دعائية فإن لم تكف كيفت التهم ورفعت الدعاوى

وقبل سنتين تقريبا تابعنا رفع القضاء الفرنسي دعوى ضد إبراهيم نافع رئيس تحرير الأهرام المصرية بسبب مقال الكاتب عادل حمودة "فطيرة يهودية من دم العرب" بتاريخ 28 أكتوبر/ تشرين الأول 2000، وأثناء زيارة الرئيس السوري لأوروبا وعلى إثر تصريحاته أمام البابا يوحنا بولس الثاني تعرض بشار الأسد للاتهام بمعاداة اليهود والسامية. وأكد المتهمون له ذلك بعد ما رفض في ألمانيا الإجابة عن سؤال أحد الصحفيين بعد أن علم انتماءه الإسرائيلي.

الغرب بدوره كان ساحة لاتهامات بمعاداة السامية والتحامل على اليهودية. فها هي صحيفة شيكاغو تريبيون الأميركية تتعرض لحملة من اليهود الأميركان على إثر رسم كاريكاتوري يظهر الرئيس بوش وهو ينثر كميات من الدولارات على جسر السلام لتشجيع إسرائيل بينما شارون ينظر للدولارات ولسان حاله يقول "يبدو أن الطريق إلى السلام أصبح أكثر إشراقا الآن".

فقد اعتبر اليهود الرسم تأكيدا على طمع وجشع اليهود خصوصا أن الكاريكاتور أظهر شارون بأنف كبير وهو ما تراه الأوساط اليهودية تأكيدا للاعتقاد الشائع بالأنف اليهودي المدبب.

الأديب الألماني الكبير فاسلر ضحية هجوم مماثل بعد أن رفضت إحدى الصحف الألمانية الواسعة الانتشار نشر رواية له على حلقات بحجة السخرية من بطلها اليهودي ماريشيل ريخ، وهو نفس ما تعرض له الصحفي البريطاني أندرو هومند.

بل إن الأمر تجاوز الأشخاص والصحافة ليطال الدول والأنظمة. فها هو نائب وزير الخارجية الإسرائيلي ميخائيل ملكيور يصف فرنسا بأنها أسوأ دولة غربية من حيث معاداة السامية، وكان ذلك قبل عامين حين ارتفعت الحوادث التي اعتبرها اليهود معاداة للسامية إلى 312 حالة.

بل إن استطلاعا نشر نفس العام 2001 في ليبراسيون كان سببا في موقف غير ودي من فرنسا، حيث اعتبر الاستطلاع أن نسبة 9% فقط مازالت متعاطفة مع المواقف الإسرائيلية مقابل 19% متعاطفة مع التوجهات الفلسطينية. بل وصل الأمر بوزير الخارجية الإسرائيلي أخيرا لاتهام الرئيس الفرنسي شيراك بمنع قمة بروكسل من إدانة تصريحات رئيس الوزراء الماليزي، وهو ما حاول السفير الإسرائيلي في باريس التخفيف منه حين نفى عن شيراك تهمة العنصرية ومعاداة السامية.

وفي فرنسا نفسها يتواصل تفاعل قضية المفكر الإسلامي السويسري طارق رمضان الذي انتقد كتابه فرنسيين يهودا بمساندة شارون وجرائمه فردوا عليه بتهمة العنصرية ومعاداة السامية. وأعلن اتحاد الطلبة اليهود في فرنسا بأنه بصدد التحضير لرفع دعوى ضد رمضان. ومشهورة هي قصة روجيه غارودي مع الصهاينة واليهود خصوصا بعد تشكيكه في المعلومات التي يتداولها هؤلاء عن مآسي ومجازر اليهود في أوربا.

وهكذا كلما رأت الدوائر اليهودية المقربة من إسرائيل والمدافعة عنها صوتا يشكل خطرا على المشروع الصهيوني بادرت بإسكاته بحملة دعائية فإن لم تكف كيفت التهم ورفعت الدعاوى.

التاريخ في خدمة السياسة
من الواضح أن الإسرائيليين والدوائر المقربة منهم أصبحوا متخصصين في استحضار المآسي التي حدثت لليهود على يد الأوربيين، وتوظيفها لخدمة أهداف السياسة الصهيونية ودفع الأوروبيين لمزيد من الإحساس بعقدة الذنب والتعويض عن ذلك على كافة المستويات.

ونتذكر جميعا توقيع اثنتين من كبريات الكنائس الغربية، ويتعلق الأمر برئيس مجلس اتحاد الأساقفة الأوربيين الكاثوليك ورئيس اتحاد الكنائس الأوروبية على ميثاق عالمي في ستراسبورغ بفرنسا لتطوير التعاون ومكافحة كل أنواع العداء للسامية واليهودية في الكنيسة والمجتمع.

ويعتبر أي تشكيك في الأرقام التي ينشرها اليهود عما تعرضوا له أيام الأفران والحملات النازية معاداة للسامية، وكان ذلك السبب الرئيس في الحملة على المفكر الفرنسي روجيه غارودي وهو ما فهم أيضا من إشارة محاضر محمد إلى عدد اليهود الذين قتلهم الأوروبيون.

وقد بادرت إسرائيل بالدعوة لإنشاء منتدى دولي ضد مكافحة السامية، وتداعى لتلك المهمة إسرائيليون وأستراليون وكنديون. وتحددت مهمته في خدمة السياسة بالتاريخ لتبرير كل جرائم الكيان الصهيوني في فلسطين وخارجها.

والظاهر أن هذه الفلسفة لاستدعاء التاريخ والدين لخدمة السياسة اختيار أميركي وإسرائيلي. فها هو بوش يصف حربه بعد 11 سبتمبر/ أيلول 2001 بأنها حرب صليبية، ومشهور عنه توظيف الدين عبارات وإيحاءات ورموزا في حملته التي يسميها الحرب ضد الإرهاب.

بل إن تصريحات الجنرال وليام بويكن نائب وزير الدفاع الأميركي لشؤون الاستخبارات تدخل في هذا السياق –حتى وإن اعتذر عنها دون أن يسحبها كما قال– حين وصف الإسلام بأنه دين وثني ونعت الحرب ضده بأنها مقدسة واعتبر أن الولايات المتحدة الأميركية مستهدفة لأنها بلد مسيحي ذو جذور مسيحية يهودية، وهي التصريحات التي دفعت مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية (كير) في بيان بتاريخ 6 أكتوبر/ تشرين الأول 2003 إلى مطالبة الرئيس بوش ووزير دفاعه رمسفيلد بإقالة الجنرال بويكن.

إلا أن التغطية التي حظيت بها تصريحات محاضر عن إدارة اليهود للعالم بالوكالة ووازنها بإدانة العنف الفلسطيني أكبر وأوسع من تغطية حديث الجنرال الذي اتهم دينا من أكثر أديان العالم انتشارا بالوثنية ودعا لمحاربته.

الحاجة للفصل.. الميزان المعتل
قد يجد كثيرون تفسيرات مقبولة لحديث الوزير الأول الماليزي وأهمها بلا شك هذا النفوذ اليهودي الواسع الانتشار وسيجدون في الحملة على تصريحاته دليلا لا يتخلف على الإرهاب الإعلامي الذي يعتبر بدوره مظهرا من مظاهر الدور اليهودي في الغرب.


المقابلة بين مضمون حديث محاضر محمد وتصريح نائب وزير الدفاع الأميركي توضح إلى أي حد هي مختلة موازين العالم وقواه الكبرى

وثمة عوامل إضافية تجعل محاضر محمد بالذات هو من أدلى بهذه التصريحات، فالرجل يستعد لترك منصبه في ظرف أقل من شهر وهو ما يجعله يدرك أن الحمل السياسي لتصريحاته لن يكون كبيرا على الدولة التي سيجد قادتها الجدد مخرجا من تصريحات سلفهم، وهو ما بدأه وزير الخارجية ومحاضر ما زال في موقعه رئيسا للوزراء. والرجل كذلك معروف بجرأته وتميز خطاباته التي غالبا ما تتضمن انتقادات قوية للغرب.

الأمر الذي لا شك فيه أنه من حقنا أن نتحدث عن النفوذ الصهيوني اليهودي في العالم لأنه حقيقة والقرائن عليه كثيرة, ومطلوب منا أن نوضح أننا لا نستهدف اليهودية كدين فذلك ليس من اهتماماتنا ومنهج التسامح و الاعتراف بالآخر يمنعه.

وهذا الفصل ضرورة والتقصير في شأنه تصريحا وتوضيحا يعطي فرصة إضافية لتحميل موقفنا ما لا يتحمل وإعطائه طابعا ليس له وهو في غنى عنه.

ومقابل هذا الفصل الذي يخدمنا وتستحقه علينا صورتنا ويحتاجه العالم منا خصوصا في الغرب، ينبغي مواجهة هذا الميزان المعتل الذي يجعل الحديث العابر عن نفوذ صهيوني تقوم عليه مختلف الدلائل معاداة للسامية وحقدا على اليهود بينما يعتبر هجوم صريح على الإسلام من قبل بويكن أو غيره من القيادات المتطرفة في الولايات المتحدة أو الكيان الصهيوني حديثا قابلا للتفسير والتبرير وفي أحسن الأحوال للاعتذار دون الندم عليه أو سحبه.

إن المقابلة بين مضمون حديث محاضر محمد والضجة التي أثيرت حوله من ناحية وتصريح نائب وزير الدفاع الأميركي والتعليقات المحدودة التي استحقها توضح إلى أي حد هي مختلة موازين العالم وقواه الكبرى.

ــــــــــــــــــ
* كاتب موريتاني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة