قمر صناعي عربي بلا فضاء!   
الخميس 1426/4/18 هـ - الموافق 26/5/2005 م (آخر تحديث) الساعة 10:55 (مكة المكرمة)، 7:55 (غرينتش)
 
 
 
هل يمكن أن تضعف الذاكرة إلى حد فقدان الهوية أو نسيان أمجاد الماضي? هل يمكن أن ننسى إنجازات أجدادنا العظام مثل الخوارزمي والكندي والبتاني وابن الهيثم وغيرهم من العلماء الأجلاء الذين أثروا العالم باكتشافات ومخترعات علمية فريدة ورائدة؟
 
وهل يمكن أن نتحول إلى مجتمع استهلاكي بهذا الشكل المريع دون التفكير في محاولة بناء قاعدة تكنولوجية متقدمة، أو التميز في مجال علمي محدد أو حتى استيعاب المستجدات العلمية الحديثة والاستفادة من تطبيقاتها الواعدة؟
 
أسئلة كثيرة من هذا النوع تفرض نفسها بقوة هذه الأيام بمناسبة الحديث عن ضعف مستوى البحث العلمي العربي، وعن تخلف حال التعليم واحتلال الجامعات العربية مراتب دنيا مقارنة بمثيلاتها في دول العالم الأخرى.
 
وفي هذا الصدد تثير أيضاً مسألة تعثر إطلاق قمر صناعي عربي وإنشاء برنامج فضاء عربي عموماً شجونا كثيرة وحيرة مدقعة، بسبب تخلف العرب الشديد في هذا المجال رغم قدرتهم ورغم حاجتهم الماسة إليه.
 
والحقيقة أن الحديث عن تلكؤ العرب في الدخول إلى عصر الفضاء، وعن ضعف الإرادة السياسية العربية اللازمة لاقتحام هذا المجال، حديث ذو دلالة يستحق منا وقفة ومناقشة جادة، ليس فقط لكونها قضية علمية حيوية، بل لكونها قضية قومية إستراتيجية لا يمكن استمرار تجاهلها أو تغييبها عن فكر ومستقبل الأمة.

تكنولوجيا الفضاء والمفاهيم الغائبة
"
كلفة تصنيع قمر فضائي لم تعد تمثل عائقاً، فقد صغر حجم القمر الصناعي وتحسنت تقنياته واقتصادياته بحيث أصبحت كلفته في متناول أي دولة راغبة في دخول هذا المجال
"
بداية ينبغي التأكيد على أن ارتياد الفضاء لم يعد نزوة معرفية أو أداة تنافس عسكري كما كان في الماضي، بل خرج عن هذا كله إلى مرحلة التطبيق العلمي والاستثمار الاقتصادي، كما لم تعد استخدامات الفضاء محصورة في مجالات محددة مثل التجسس العسكري والملاحة والبث التلفزيوني، كما هو معروف، بل تعدت هذا كله إلى تطبيقات أخرى غير تقليدية في الطب ونقل المعلومات ورصد الكوارث الطبيعية وأعمال الإغاثة وحماية البيئة وغيرها.
 
وينبغي الإشارة أيضاً إلى أن تكلفة تصنيع قمر فضائي لم تعد تمثل مشكلة أو عائقاً على الإطلاق، فقد صُغر حجم القمر الصناعي وتحسنت تقنياته واقتصادياته بحيث أصبحت كلفة تجهيزه وإطلاقه في متناول أي دولة راغبة في دخول هذا المجال.
 
والأمر نفسه لا يختلف كثيراً عند الحديث عن إعداد الكوادر البشرية والمستلزمات الأخرى اللازمة لتنفيذ مشروع من هذا النوع، وهذا بشهادة الدكتور محمد العرجون الذي هو أحد علماء الفضاء العرب، ورئيس البرنامج الفضائي المصري.
 
كما تجدر الإشارة إلى أن عملية تصنيع أو إطلاق قمر فضائي، ليست بتكنولوجيا منغلقة على نفسها، كما قد يتصور البعض، بل هي صناعة متعددة الجوانب، تدخل فيها علوم وصناعات كثيرة، ما يعني أن اقتحامها سوف يؤدي إلى اقتحام مجالات أخرى عديدة مقترنة بها.
 
من واقع هذه المقاييس لا يعد إذن إطلاق قمر صناعي أو إنشاء برنامج فضائي جوراً على الأولويات التنموية أو الاقتصادية لأي بلد، أو هو أمر هامشي، كما قد يقول قائل، بل هو استثمار واعد وتنمية فاعلة تفرضها تحديات الحاضر وآفاق المستقبل.
 
الفضاء والمزايا العائدة
"
إطلاق قمر لتحديد بدايات الشهور العربية رغم بعض الجدل حول جدوى تطبيق مثل هذه الفكرة، يمكن أن ينأى بالشعوب الإسلامية عن الاختلاف والتشتت في أعيادها ومناسباتها الدينية
"
الحافز هو المحرك الأساسي وراء كل عمل، ونظرياً هناك أكثر من حافز ودافع يدعو العرب لإطلاق قمر صناعي واقتحام مجال الفضاء.
 
فقد يكون دافعهم علميا بحتاً، بوصف أن المنطقة تمتد عبر مساحات هائلة وتنبض بخيرات وفيرة، ومن ثم تحتاج إلي أداة فاعلة مثل المسح الفضائي والاستشعار من بعد لاستكشافها، ومن ثم استغلال ثرواتها وتسخيرها في تنمية شعوب المنطقة وتحسين مستوى الفرد فيها.
 
وقد يكون الدافع دينياً، فإطلاق قمر لاستكشاف الأهلة وتحديد بدايات الشهور العربية، رغم بعض الجدل حول جدوى تطبيق مثل هذه الفكرة، يمكن أن ينأى بالشعوب الإسلامية عن الاختلاف والتشتت في أعيادها ومناسباتها الدينية، واللذين يعمقان من ظلمة الصورة القاتمة المتداولة عن الإسلام والمسلمين في الغرب.
 
كما قد يكون الدافع إستراتيجياً أو عسكرياً، بغرض تحقيق بعض التوازن مثلاً مع الدولة العبرية التي حققت في هذا المجال قفزات هائلة، والتي تعد رائدة في استخدام الفضاء وفي التلصص والتجسس العسكري، أو بغرض درء جزء من الهوة التكنولوجية الواسعة التي تفصلنا عن تلك الدولة التي سبقتنا بأكثر من 15 سنة في هذا المجال. 
 
وبالإضافة إلى هذا، هناك فوائد ومزايا كثيرة ترجى من دخول هذا المجال، ومنها:
-النهوض بالقدرة القومية العلمية والتكنولوجية وتحسين منظومة البحث العلمي العربي.
-اكتساب خبرات إدارية وفنية وعلمية، يصعب اكتسابها من أي مشروع آخر.
-المساهمة في حل بعض المشاكل الطارئة في مجال الآفات الزراعية والطب الوقائي وغيرها.
-استكشاف واستغلال الثروات والموارد المتاحة وبخاصة تلك التي توجد في مناطق غير مأهولة أو يصعب الوصول إليها.
-تحسين الأداء في المشروعات القومية الكبيرة التي تتطلب متابعة مستمرة.
 
غير أن كل هذا لم يكن كافياً على ما يبدو لكي ينجز العرب خطوة جدية وملموسة نحو اقتحام مجال الفضاء، وفي حين أقدمت دول كثيرة يصعب حصرها على الاستفادة من تطبيقات هذا المجال، اقتصرت علاقة جميع الدول العربية بعصر الفضاء على أقمار الاتصالات والبث التلفزيوني فقط لا غير، وهي علاقة لا يمكن اعتبارها أبداً عند الحديث عن عصر الفضاء، وإلا اعتبرنا كل دول العالم قاطبة قد دخلت هذا العصر ومن أوسع الأبواب!
 
القمر العربي وتثاقل الخطوات
"
في حين أقدمت دول كثيرة يصعب حصرها على الاستفادة من الأقمار الصناعية، اقتصرت علاقة جميع الدول العربية بعصر الفضاء على أقمار الاتصالات والبث التلفزيوني
"
بمراجعة الإستراتيجيات العلمية العربية في مجال الفضاء، يمكن تصنيف الدول العربية إلى ثلاث فئات، وهذا قياساً على اهتماماتها الفضائية، والخطوات الجدية التي بذلتها للحاق بركب الدول الفضائية:
 
الأولي: دول أقدمت بعد طول تردد على دخول هذا المجال، وبذلت في هذا الصدد خطوات هامة، بل وأرسى بعضها برنامجاً قومياً فضائياً طموحاً، ومن أبرز تلك الدول مصر والسعودية. لكن أهم ما يلفت النظر هنا هو تباطؤ أجندة تلك البرامج وتعثر إطلاقاتها الفضائية عن مواعيدها المقررة.
 
الثانية: دول أبدت رغبة في دخول هذا المجال، لكنها لم تبذل نحوه أية خطوات حقيقية، ولا تزال الأنباء الواردة منها تتحدث عن الأمنيات وعن استمرار التفكير في الأمر وجدواه، ومن أبرز تلك الدول المغرب والجزائر.
 
الثالثة: دول ألهتها المشاكل السياسية أو عدم وجود اهتمامات علمية أو إستراتيجية، عن محاولة اقتحام هذا المجال. ولسنا هنا بحاجة لحصر تلك الدول، لأنها ببساطة تشكل الغالبية الساحقة من دول المنطقة.
 
وباستعراض تجارب دول الفئة الأولي، يتبين أن مشروع إطلاق قمر صناعي علمي فيها يسير بخطى بطيئة للغاية لا تتناسب أبداً مع ما حققته بعضها خلال الفترة الماضية.
 
فمصر وهي أكثر الدول العربية تقدماً في هذا المجال، تعثر أو تأجل مشروع إطلاق أول أقمارها "Egyptsat-1" المخصص لأغراض البحث العلمي ودراسة موارد المنطقة، وذلك لأسباب غير مفهومة، وهذا بعد أن كان مقرراً له الانطلاق في أكتوبر/تشرين الأول الماضي.
 
كما أن المعلومات والأخبار المتاحة عن ثاني إطلاقاتها الفضائية "Desertsat" وهو قمر مخصص لدراسة الصحراء، لا توحي بقرب انطلاقه لفضائه الخاص.
 
وعلى هذا النحو لم يتوافق حجم الإنجازات المتوقعة في هذا المجال مع حجم الخبرات المتراكمة من تجربتي إطلاق وإدارة نايل سات الأول والثاني، أو من التجارب الأخرى السابقة.
 
وحال السعودية أيضاً لا يختلف كثيراً عن حال مصر، فبعد أن حظيت بشرف خروج أحد أبنائها للكون الخارجي كرائد فضاء في إحدى الرحلات، وبعد أن نجحت في إطلاق قمرين صغيرين بغرض الاختبار والتجربة، وبعد أن تواترت الأنباء عن قرب إطلاق القمر الثالث، لم نعد نسمع عن أي جديد يبشر بقرب تحقيقها إنجازاً حقيقياً ومأمولاً في هذا الاتجاه.
 
هذا على المستوى الوطني في أكثر بلدين عربيين مؤهلين لتحقيق إنجاز فضائي حقيقي، لكن ماذا عن المستوى الإقليمي العربي؟
 
الحقيقة أن الأمر لا يختلف كثيراً، بل يمكن القول إنه أصعب وأكثر تعقيداً، فعلى هذا المستوى لا يوجد إلا مشروع واحد لتعاون فضائي مشترك، وكانت مصر قد اقترحته ويتمثل في إطلاق قمر إسلامي لتحديد بدايات الشهور الإسلامية.
 
لكن الفكرة لم تسلم أيضاً من التعثر والتردد، وهذا سواء لاجتهادات دينية معارضة لمبدأ التطبيق من الأصل، أو سواء لنقص التمويل وعدم وصول الدول العربية لاتفاق محدد حول إدارة القمر وتصريف شؤونه العلمية والفنية والدينية.
 
ويبدو أن منظمة المؤتمر الإسلامي قد شعرت أخيراً بمسؤوليتها تجاه هذا الموضوع، فكان أن أعلنت مطلع هذا الشهر عن عزمها تمويل مشروع هذا القمر، لكن هل تكفي تلك المبادرة للإسراع بتحقيق هذه الفكرة التي طرحت لأول مرة أواخر التسعينيات ولم يستطع المجتمع العربي الإسلامي تنفيذها للآن؟
 
نحو برنامج فضائي عربي
"
لا تكمن مشكلة تخلف الدول العربية إزاء استغلال الفضاء في غياب الفكر أو انعدام الخبرات أو عدم القدرة المادية، بل في ضعف الإرادة السياسية وغياب الرؤية المستقبلية
"
بمراجعة حجم ما أنجزته الدول العربية للاستفادة من تكنولوجيا الفضاء، يتضح أن أهم عائق وراء عدم إنجاز الدول المعنية لإطلاقاتها الفضائية المقررة أو وراء عدم نجاح دول المنطقة في الاجتماع على برنامج فضائي عربي واحد، يوحد جهودها ويدفع طموحاتها، هو غياب الإرادة السياسية أو غياب الحماسة لها وعدم الإصرار عليها، هذا في حالة وجودها.
 
وهذه في الحقيقة مشكلة كبيرة وتفرض تحدياً كبيراً أمام تحقيق الدول العربية لهذه التطلعات، لكن الأمر على أي حال لم ينطلق بعد إلى فضاء المستحيل، حيث هناك أكثر من سبيل يمكن بها استنبات إرادة سياسية أو خلق قناعة بجدوى هذا الأمر عند متخذي القرار.
 
أولى هذه السبل هي استقراء تجارب الآخرين الناجحة، وفي هذا الصدد يمكن الإشارة إلى نموذجين ناجعين، يمكن اتباع أحدهما والاقتداء به في حالة الرغبة في اقتحام مجال الفضاء، الأول يمثل نموذج العمل المنفرد، ويمكن لأي من الدول العربية استقراؤه والتشبه به، إذا ما ارتأت الدخول منفردة لهذا المجال، ونقصد بهذا تجربة الهند والبرازيل والأرجنتين.
 
والثاني هو نموذج العمل الجماعي المشترك، ويمكن للدول العربية الاجتماع عليه وتقليده، ونقصد به البرنامج الفضائي الأوروبي الذي يعد من أبرز البرامج الفضائية على مستوى العالم.
 
ثانية هذه السبل اتباع منطق الترويج الدعائي والإعلامي في تسويق فكرة إطلاق القمر الصناعي، وهذا المنطق رائج وسائد بقوة حالياً في أكثر من بلد عربي وبخاصة في الخليج، فدولة قطر مثلاً أبدت بالغ الاهتمام وأنفقت كثير من الأموال لإنشاء قناة الجزيرة، وهو مشروع ثقافي إعلامي ناجح ولا جدال في أنه حقق دعاية ضخمة وحلق باسم البلاد في جميع الأنحاء، ودولة البحرين أنفقت كذلك عشرات الملايين من أجل إنشاء مضمار سيارات يؤهل لاجتذاب سباق الفورمولا العالمي، وذلك أملاً في نشر اسم البلاد والدعاية لها عالمياً.
 
ونفس الفكرة تكرر استنساخها في أكثر من بلد وفي أكثر من مجال، مما يدل على أنها فكرة جيدة ومجدية، لذا فإن السؤال الوارد الآن: لماذا لا نطبقها إذن في مجال تكنولوجيا الفضاء؟ وما المانع من تطبيق فكرة الاستثمار الاقتصادي أو الدعائي في هذا المجال؟
 
ليست المشكلة إذن في غياب الفكر أو في انعدام الخبرات أو في عدم القدرة المادية، بل نحسب أنها في ضعف الإرادة السياسية وغياب الرؤية المستقبلية، لذا فإن كل ما هو مطلوب أن تتحرر القيادات السياسية والعلمية في بلادنا من أغلال النمطية والنظرة الآنية.
 
وهنا ليس بوسعنا سوى الرجاء بأن يتم تفعيل سبل العمل العربي المشترك، وبأن يدخل قرار القمة العربية الأخيرة والخاص بتصنيع وإطلاق قمر صناعي عربي حيز التنفيذ، دون أن يضيع مثل غيره من القرارات في فضاء الكلام الرحب!
ــــــــــــــ
كاتب مصري
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة