حرب أفغانستان.. تأملات في الخلفيات والآثار   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)


محمد بن المختار الشنقيطي*

- طالبان.. الخلط المنهجي وصناعة الأعداء
-
القاعدة.. الخطاب الغائم وشراك المركزية
-
باكستان.. العملاق العسكري والقزم السياسي
-
المجاهدون الأفغان.. المفعول به يريد دور الفاعل
- أميركا.. كسب المعركة مقابل خسارة الحرب

إن الحرب امتداد للسياسة بوسائل أخرى، لكن حرب أفغانستان الأخيرة جاءت على عكس هذه القاعدة، فصوت الحرب فيها كان أعلى، والسياسة تبع له. وربما يرجع ذلك إلى هجمات 11 سبتمبر/ أيلول طبيعة وحجما، ثم إلى قوة الضحية الأميركي وتأثيره العالمي. فقد دخلت أميركا الحرب دون استنفاد الوسائل الأخرى، وخاضتها طالبان دون وقت كاف للنظر في الخيارات السياسية، وجُرَّت إليها دول أخرى كثيرة على عجل.

وربما لم يحن الوقت بعد لاستخلاص العبرة من هذه الحرب، خصوصا أن دماءها لم تجف بعد، ولايزال الكثيرون يفهمون التحليلات حولها بمنطق الرثاء أو الشماتة. لكن ذلك لا يعفي من الاجتهاد والمحاولة، عسى أن لا يمر حدث جلل بهذا الحجم –كما مرت أحداث أخرى جليلة- دون دروس تنفع في الزمن الآتي.

طالبان.. الخلط المنهجي وصناعة الأعداء

إن أول طرف تستحق تجربته تأملا هنا هو حركة طالبان، فقد أثرت في تجربة هذه الحركة ثلاثة مؤثرات رئيسية: اجتماعية وفكرية وسياسية:

  • أولا- في المجال الاجتماعي
    اجتمعت في طالبان -على ما يبدو– القيم الأساسية المتحكمة في حياة الشعب الأفغاني، وقد أجملها أحد الكتاب الأفغان في ثلاث: الضيافة والشرف والثأر، ثم طعَّمت الحركة ذلك بشيء من الغلو وكثير من الحماس، وقليل من الحنكة السياسية.
    بل إن الحركة ذهبت بهذه القيم إلى مداها الأبعد حتى استحالت سلبية أحيانا، تماما مثل تلك الشجاعة العسكرية التي تشبع بها العرب الأوائل حتى أصبحوا مولعين بالحرب والنزال، إن وجدوا عدوا قاتلوه، وإلا اختلقوا عدوا من أهلهم وذويهم، على حد قول قائلهم:
    وأحيانا على بكرٍ أخينا إذا ما لم نجد إلا أخانا
  • ثانيا- في الطرح الفكري

    التدين في مجمله وفي طبيعته الحقة انبعاث وجداني من قلب المؤمن، أما الجانب القانوني المعروف بالحدود الشرعية فهو مجرد حام لذلك البناء
    أما من الناحية الفكرية فالذي يبدو لي أكبر خطأ منهجي وقعت فيه طالبان هو الخلط بين الجانب الخلقي والجانب القانوني في الإسلام. وهو خلط -للأسف– لم تبتدعه طالبان، لكن تجربتها التطبيقية المغالية أظهرته للعيان أكثر. إن التدين في مجمله وفي طبيعته الحقة انبعاث وجداني من قلب المؤمن، أما الجانب القانوني المعروف بالحدود الشرعية فهو مجرد حام لذلك البناء.
    فالجانب الخلقي في الشريعة الإسلامية –أي جانب الانبعاث الذاتي– أهم وأوسع مدى من الجانب القانوني، وسلطة الضمير والمجتمع أوسع من سلطة الدولة والقانون، لذلك فإن العقوبات الشرعية محدودة معدودة، فعدد الكبائر مثلا سبعون، والتي وردت عقوبة قانونية عليها خمس على الأكثر. والسر في ذلك أن المطلوب من الناس أن يتعبدوا أنفسهم لله، لا أن يتعبدوها لسلطان الدولة.
    لكن حركة طالبان حولت الدين كله تقريبا إلى حدود وقيود، واستخدمت سلطة الدولة في "إلزام" الناس بما هو "التزام" في الأصل، وعولت على سلطة القانون أكثر من تعويلها على الضمير المؤمن. فليس بمستغرب أن يؤدي ذلك إلى نفور الشعب الأفغاني من الدين وأهله بعد سقوط طالبان، كما رأينا في الأسابيع الماضية.
  • ثالثا- في التكنيك السياسي
    أما من الناحية السياسية فقد كانت حركة طالبان –كغيرها من القوى الأفغانية التي سبقتها– تعاني من نقص الشرعية السياسية، فهي جاءت إلى السلطة في ساحات المعارك لا في مجالس التشاور. ولم يكن صعودها بعيدا عن اللعبة الإقليمية والدولية، فقد رأت فيها باكستان –ومن ورائها أميركا- بديلا عن نظام "المجاهدين" الذين تحالفوا مع الهند وروسيا، واعتبرتا نظامها نظاما "محافظا" قد يتشدد في بعض فروع الشرع، لكنه سيكون مستعدا لتضييع أصوله في مجال التحالفات والعلاقات الدولية.
    لكن طالبان كانت لها حساباتها الخاصة بها، وأهمها انتزاع الشرعية من أعدائها في الداخل الذين ظلوا يحاربون تحت راية الإسلام عقدين من الزمان. وفي إطار البحث عن الشرعية المفقودة، لجأت طالبان إلى أسلوب الإثارة والتشدد، وصناعة الأعداء في الخارج، لاستدرار العطف في الداخل. فاتجهت إلى تماثيل "بوذا" فحطمتها رغم نصح حكماء من المسلمين لها بأن الوقت غير ملائم، وأنها في غنى عن عداء العالم البوذي المحيط بها، وأن الموازنة بين المصالح والمفاسد الشرعية تقتضي تريثا وترجيحا، وأن تغاضي المسلمين خلال أربعة عشر قرنا عن تلك التماثيل لم يكن مجاملة في العقيدة.
    ثم سجنت عمال الإغاثة بتهمة التنصير، وهددت بالحكم عليهم بالموت، دون موازنات أيضا لما يترتب على ذلك من إثارة العداء ضد الشعب الأفغاني وضد المسلمين في كل مكان، في وقت يرسخ الإسلام وجوده في أكثر من بلد غير مسلم، ويستمتع أهله بحرية نشر دينهم في كل أصقاع الأرض. وكان من الممكن طي الملف دون إثارة، وترحيل أولئك العمال إلى بلدانهم دون دعاية.
    ونظرا لضعف الوعي والتجربة السياسية، لم تدرك الحركة أن مثل هذه الأمور تحتاج إلى فقه ينظر أبعد من هذا الوقت في الزمان، وأبعد من أفغانستان في المكان. ولم تأت أحداث 11 سبتمبر/ أيلول إلا بعد أن أصبحت طالبان في واد والعالم كله في واد آخر، فكان محكوما عليها بالهزيمة العسكرية بعد أن هزمت نفسها سياسيا.


القاعدة.. الخطاب الغائم وشراك المركزية

أما الطرف الثاني فهو تنظيم "القاعدة" بقيادة أسامة بن لادن، ويمكن رصد أهم أخطاء هذا التنظيم في نقطتين أساسيتين:

  • ضبابية البرنامج السياسي
    فأول ما يلفت النظر في تجربة القاعدة هو عدم وضوح البرنامج السياسي، والزهد في العلاقات السياسية، ثم العموم والشمول في الأهداف حتى استحالت غامضة. إن برنامج "القاعدة" السياسي يشمل إخراج الأميركيين من جزيرة العرب، وتحرير فلسطين، ومساندة المسلمين في الفلبين وكشمير والصومال.. إلخ والبرنامج السياسي الذي يعني كل شيء، لا يعني شيئا على الإطلاق، بمعنى أن نقص التركيز والتحديد في الأهداف السياسية يجعل البرنامج غائما وغير عملي.

    البرنامج السياسي الذي يعني كل شيء، لا يعني شيئا على الإطلاق، بمعنى أن نقص التركيز والتحديد في الأهداف السياسية يجعل البرنامج غائما وغير عملي
    وقد اتضح ذلك من خلال التأثير المختلف لخطاب أسامة بن لادن الأول خلال الأحداث، والذي ركز فيه على فلسطين حصرا، وبين خطابه التالي الذي شتم فيه الأمين العام للأمم المتحدة كوفي أنان، وأفتى بكفر الحكام، وسرد عددا لا يحصى من محن المسلمين ومآسيهم عبر العالم. فقد كان تأثير الخطاب الأول قويا جدا، حتى تضايق الأميركيون من قناة "الجزيرة" بسببه، أما الخطاب الثاني فكان تأثيره باهتا جدا، بل إن الأميركيين ارتاحوا له، ولذلك استشهد به الرئيس الأميركي جورج بوش في حديثه إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة.
    إن الدارس لتجربة القاعدة يدرك أن غياب المظلة السياسية هي نقطة الضعف في بنائها. ويكفي أن تقارن بين عملياتها وعمليات "حزب الله" في جنوب لبنان لترى الفرق الواضح بين مقاومة سعت لأهداف محددة لا تشوبها شائبة من حيث المشروعية والحكمة السياسية (تحرير جنوب لبنان) وعملت ضمن سياق محلي مواتٍ (الدعم الشعبي والرسمي اللبناني) ومعادلات إقليمية مواتية (الدعم السوري والإيراني).. وبين مقاومة غائمة الأهداف من شدة عمومها، لا يرى كثيرون مشروعية أساليبها في المنازلة، ولا تهتم كثيرا بالعلاقات السياسية. فهل يتوقع المقارن سوى نجاح الأولى واندثار الثانية في النهاية؟
    إن الشباب العرب الذين تطوعوا في أفغانستان لمحاربة الاستعمار السوفياتي يبادون اليوم، وقد كان من الممكن لو أحسنت "القاعدة" التفكير في أهمية العلاقات السياسية، وركزت جهدها وخطابها السياسي، أن لا تذهب دماء أولئك الشباب هدرا، وأن يتمكنوا -على الأقل- من القتال في جبهات أجدى وأوضح مشروعية.
  • التمركز الجغرافي

    الواقع أن تنظيما مثل "القاعدة" لا يفترض فيه أن يتمركز ماديا في مكان واحد، لأن قوته تكمن في البناء التنظيمي المرن، والانبثاث في دول شتى عبر العالم
    وربما كان الخطأ الثاني التي ارتكبته قيادة القاعدة هو اعتقادها بإمكانية تأمين أتباعها في أفغانستان، والغفلة عن المعادلات المحلية والإقليمية المتبدلة باستمرار.
    والواقع أن تنظيما مثل "القاعدة" لا يفترض فيه أن يتمركز ماديا في مكان واحد، لأن قوته تكمن في البناء التنظيمي المرن، والانبثاث في دول شتى عبر العالم. وقد شهد العديد من الإستراتيجيين الأميركيين بنجاح "القاعدة" حينما تبنى هذا التكتيك. أما المركزية التنظيمية والجغرافية في تنظيم من هذا النوع، فهي السبيل إلى الاستئصال الذي نراه اليوم.

باكستان.. العملاق العسكري والقزم السياسي

والطرف الثالث هو باكستان التي بدت مواقفها بعيدة من مستوى وزنها العسكري والسياسي في المنطقة. ولوضع الموقف الباكستاني في سياقه، ينبغي الانتباه إلى أن النزعة العسكرية الباكستانية قديمة قدم الدولة الباكستانية ذاتها، وهي نتاج لظروف نشأة تلك الدولة كيانا منفصلا عن الهند. أما من حيث العلاقات السياسية فقد ظلت باكستان دوما ممزقة بين التوجه الوطني ضد الهند، والرابطة الإسلامية العامة، واختلف تأثير كل من النزعتين بحسب الميزان السياسي الداخلي والظروف المحيطة.

ومع ذلك يمكن القول إن باكستان كانت أنجح الدول الإسلامية في مجال العلاقات السياسية - العسكرية خلال الأعوام الخمسين المنصرمة. فالتحدي السياسي والعسكري الهندي ولَّد استجابة باكستانية قوية تجلت في التصميم على اكتساب القوة العسكرية الرادعة بأي ثمن. فاتجهت باكستان إلى الصين لهذا الهدف، واستطاعت أن تكون أول دولة إسلامية تنتج سلاحا نوويا.


كشفت الحرب الأخيرة عن موطن ضعف قاتل في الدولة الباكستانية -كغيرها من الدول الإسلامية عموما- هو انعدام الشرعية السياسية، ففي غياب الشرعية يتغير منطق النظام السياسي من رعاية مصالح الدولة/ المجتمع إلى رعاية مصالح السلطة/الحاكم
والمعروف أن القنبلة النووية سلاح سياسي أكثر من كونها سلاحا عسكريا، وأن فائدة القوة العسكرية أكبر بكثير من مجرد استخدامها، كما تدل عليه عبرة نصف قرن من الحرب الباردة بين الروس والأميركيين. وكان من الممكن –بناء على هذه الاعتبارات- أن تكون باكستان نواة لقطب عالمي جديد ذي خلفية إسلامية، يشمل إيران في المدى القريب ثم العراق وتركيا والسعودية ودولا أخرى في المدى البعيد، ويجد له سندا في الدول التي لا تحمل ميراثا استعماريا أو مطامح استعمارية، مثل الصين.

لكن الحرب الأخيرة كشفت عن موطن ضعف قاتل في الدولة الباكستانية –شأنها شأن الدول الإسلامية عموما- هو انعدام الشرعية السياسية. وفي غياب الشرعية يتغير منطق النظام السياسي من رعاية مصالح الدولة/ المجتمع إلى رعاية مصالح السلطة/ الحاكم. وهذا ما حدث بالفعل، فقد وجد الرئيس الباكستاني الجنرال برويز مشرف في الحرب الأخيرة فرصة لإلزام الغرب بقبول سلطته العسكرية مقابل التنازل عن عمق باكستان الإستراتيجي في أفغانستان، وصادف ذلك حاجة ماسة من أميركا إلى العون الباكستاني، إضافة إلى أن أميركا تحسن ذلك النوع من المقايضة، بل إن إستراتيجيتها في الدول العربية والإسلامية كلها قائمة على هذه المعادلة.

وربما يتساءل البعض: ماذا في وسع باكستان فعله إزاء حليف صعب المراس مثل طالبان، وقوة عالمية متحكمة مثل أميركا؟ والجواب أنه كان في وسعها الكثير، بما فيه الضغط السياسي على الأميركيين لقبول خيار التعامل القضائي –لا العسكري- مع طالبان والقاعدة، وعدم التعجل بإعلان الحرب. والأميركيون يفهمون جيدا معنى الضغط من دولة نووية، كما يدركون استحالة نجاح حملتهم العسكرية دون دعم باكستان. وكان في وسع إسلام آباد الضغط السياسي على طالبان لقبول حلول وسط، أو حتى تدبير انقلاب من داخل طالبان يغير الوجوه والمواقف. فإذا كانت طالبان محكوما عليها بالرحيل، فالأولى إنجاز ذلك بطريقة تجنب الشعب الأفغاني دفع ثمن الحرب. لكن الجنرال مشرف كانت له أولويات أخرى غير حماية أرواح الأفغان وتأمين ظهر باكستان.

ويبدو أن القيادة الباكستانية بدأت تدرك –ربما بعد فوات الأوان– أنها بذلت أكثر مما ينبغي بغير مقابل، فبعد الهجوم على البرلمان الهندي وبدء التحرشات الهندية على الحدود الباكستانية، ها هو ذا الرئيس الباكستاني يصرح أن "الصين هي الصديق الذي يمكن التعويل عليه".. وكان على مشرف أن يدرك ذلك من قبل، وأن لا يجعل من العملاق العسكري الباكستاني قزما سياسيا.

المجاهدون الأفغان.. المفعول به يريد دور الفاعل


المجاهدون الأفغان الذين وصفهم أحد المشايخ مرة بأنهم "أهل السماء يمشون على الأرض"، تبين فيما بعد أنهم "أهل أرض" حقيقة لا مجازا، بل تبين أنهم من أضيق أهل الأرض أفقا وأقصرهم نظرا، وأن الولاء للقبيلة وللشخص أعمق في قلوبهم من أي ولاء آخر، وأن الاستهتار بدم شعبهم واسترخاص حياته أمر معتاد بالنسبة لهم، وأنهم يفكرون بالبندقية أكثر مما يسترشدون بالعلم
والطرف الرابع هو "المجاهدون الأفغان" وأعني بهم هنا الأحزاب الإسلامية التي شاركت في القتال ضد الغزو السوفياتي، ثم تحولت إلى قوى سياسية فيما بعد. ويصدق هذا القول اليوم أساسا على ما تبقى من "الحزب الإسلامي" بقيادة قلب الدين حكمتيار، و"الجمعية الإسلامية" بقيادة برهان الدين رباني، و"الاتحاد الإسلامي" بقيادة عبد رب الرسول سياف.

إن المجاهدين الأفغان الذين اجتذبوا آلاف الشباب العربي والمسلم لمشاركتهم جهادهم بما أبدوه من الشجاعة وروح الشهامة، وراهن عليهم شعبهم وشعوب إسلامية أخرى، سرعان ما تحولوا بعد انتصارهم إلى "أمراء حرب"، فقتل بعضهم بعضا دون هوادة وأراقوا دم شعبهم مدرارا في صراعهم على السلطة، وحولوا العاصمة كابل إلى أنقاض، بنفس القسوة التي حولها بها الروس إلى أنقاض من قبل.

إن أولئك المجاهدين الذين وصفهم أحد المشايخ مرة بأنهم "أهل السماء يمشون على الأرض"، تبين فيما بعد أنهم "أهل أرض" حقيقة لا مجازا، وأن الاهتمامات الأرضية هي التي توجههم، بل تبين أنهم من أضيق أهل الأرض أفقا وأقصرهم نظرا، وأن الولاء للقبيلة وللشخص أعمق في قلوبهم من أي ولاء آخر، وأن الاستهتار بدم شعبهم واسترخاص حياته أمر معتاد بالنسبة لهم، وأنهم يفكرون بالبندقية أكثر مما يسترشدون بالعلم، وأن الدولة الإسلامية التي طالما دعوا إليها لا يملكون فكرة عن طبيعتها ونظامها.

فقد توصل المجاهدون إلى اتفاق بعد استيلائهم على كابل، يقضي بتولي برهان الدين رباني رئاسة الدولة لفترة انتقالية تمتد لعامين تعقبها انتخابات عامة، وقد قبل القادة الذين ينتمون إلى الغالبية البشتونية –مثل حكمتيار- أن يكون الرئيس المؤقت من الأقلية الطاجيكية، ثقة منهم في انتقال مقاليد الأمور إليهم بعد انتهاء الفترة الانتقالية. لكن رباني أصر على الاستمرار في السلطة بعد انتهاء المدة، ولم يكن القادة الآخرون –خصوصا حكمتيار- على قدر من اتساع النفس يمكنهم من التحري واستنفاد الجهد في البحث عن حلول سلمية للمشكلة، فأعلنوها حربا مدمرة على رباني ومسعود ومن والاهما.

ومن الواضح أن رباني يتحمل القسط الأكبر من المسؤولية عما حل بأفغانستان من ويلات الحرب الأهلية، إذ هو الذي أخل بالعهد الذي بينه وبين صحبه تشبثا بالكرسي، وهو الذي برهن على نزعة قبلية ومطامح سياسية لا حدود لها منذ انشقاقه عن الحركة الإسلامية في السبعينيات، لكن ذلك لا يعفي القادة الآخرين من المسؤولية.


من أخطاء المجاهدين الأفغان أنهم طمحوا إلى دور "الفاعل" وهم الذين وضعوا أنفسهم في دور "المفعول به" من أول يوم. فالمعروف أن الجهاد الأفغاني اجتذب الدعم من مصادر كثيرة بلغت حد التناقض، من الهند إلى باكستان ومن أميركا إلى إيران

وربما كان من أخطاء المجاهدين الأفغان أنهم طمحوا إلى دور "الفاعل" وهم الذين وضعوا أنفسهم في دور "المفعول به" من أول يوم. فالمعروف أن الجهاد الأفغاني اجتذب الدعم من مصادر كثيرة بلغت حد التناقض، من الهند إلى باكستان ومن أميركا إلى إيران.. واتخذ كل طرف إقليمي أو دولي له "زبائن" من القوى السياسية والعسكرية الأفغانية، ولم يضع المجاهدون حدا لما يأخذون ويذرون، فكان لابد أن ينفجر هذا التركيب الغريب ويفجر أفغانستان معه.

وهكذا تخلت باكستان عن حكمتيار منتصف التسعينيات، واتخذتْ طالبان زبونها الجديد، وبنفس الطريقة تخلت روسيا عن رباني في الفترة الأخيرة مقابل "تفاهمات" مع الأميركيين بشأن ديونها ونفوذها في طاجيكستان وأوزبكستان، كما تخلت عنه أميركا نفسها بعد أن استخدمته خلال شهرين من الحرب ضد طالبان.

واليوم رحل مسعود إلى مثواه بعد أن تجرع الكأس التي طالما جرعها خصومه السياسيين، وجلس حكمتيار عاجزا يراقب الوضع من إيران وليس له من الأمر شيء، وهو الذي كان لا يرضى بأقل من منصب رئيس الدولة الأفغانية، وأصبح رباني شخصية رمزية يتخذ منها العلمانيون الطاجيك طلاء إسلاميا لتشكيلاتهم السياسية في شعب متدين لا يستغني القادة فيه عن بعض المظاهر الإسلامية، وبقي سياف على الهامش حائرا لا يدري هل يقبل حكومة من النوع الذي قضى حياته في رفضه، أم ينطوي على نفسه وينسحب من المشهد.


وجود الدولة أهم من شرعيتها، وتجربة المجاهدين في الاقتتال وتجربة طالبان في شراء العداوات تتناقضان مع وجود الدولة، لذلك لا غرابة إذا قبل الشعب أي بديل يضمن وجود الدولة الأفغانية
ولن يكون أحسن عزاء للمجاهدين السابقين ما نصت عليه وثيقة مؤتمر "بون" من أن قواتهم يجب أن تخضع للسلطة الأفغانية الجديدة، ويعاد تنظيمها في إطار الجيش والأمن الأفغاني الجديد.

إن وجود الدولة أهم من شرعيتها، لكن تجربة المجاهدين في الاقتتال وتجربة طالبان في شراء العداوات تتناقضان مع وجود الدولة ذاته. لذلك لا غرابة إذا قبل الشعب الأفغاني أي بديل من شأنه أن يضمن وجود الدولة الأفغانية.

لقد انتهى المطاف بتصفية الإسلاميين الأفغان جميعا، من طالبان ومن مجاهدين، وفتح الباب لسيطرة العلمانيين الأفغان من البشتون والطاجيك تحت المظلة الأميركية، والكل يقول بلسان حاله: أكلت يوم أكل الثور الأبيض!!

أميركا.. كسب المعركة مقابل خسارة الحرب

تشير كل الدلائل إلى أن أميركا كسبت معركة أفغانستان عسكريا وسياسيا:

  • أما عسكريا فقد فككت سلطة طالبان وتنظيم القاعدة.
  • وأما سياسيا فقد ضمنت لنفسها تأثيرا على مستقبل أفغانستان في المدى المنظور، رغم أن المعركة السياسية أشد تعقيدا من المعركة العسكرية هنا.

وقد ذهب كثيرون بعد سيطرة التحالف الشمالي على كابل إلى أن الثلاثي الروسي الهندي الإيراني هو الذي حقق أهدافه السياسية في أفغانستان، لكن هؤلاء غفلوا عن الصلة الخاصة التي تربط أميركا بالعناصر المتنفذة في التحالف الشمالي أمثال "يونس قانوني" و"عبد الله عبد الله" و"محمد فهيم" وغيرهم، كما تجاهلوا التأثير الأميركي على الدول المحيطة بأفغانستان.

والذي يتأمل الوثيقة الصادرة عن مؤتمر "بون" للمصالحة الأفغانية يدرك بسهولة أن اليد الأميركية لم تكن بعيدة عن صياغتها، رغم مظلة الأمم المتحدة التي استظل بها المؤتمر، أو ربما بسبب تلك المظلة:


  • اجتمع في كرزاي من "الخصال" التي تريدها أميركا ما لم يجتمع في غيره: فهو يحمل ثأرا شخصيا ضد طالبان الذين يتهمهم بقتل والده، ويكره باكستان ويعتبرها قوة مستعمرة، ويحقد على العرب الذين شاركوا في الجهاد الأفغاني، ويحمل فكرا علمانيا لا يمت بصلة إلى تراث الأحزاب الإسلامية الأفغانية، وينتمي إلى الأغلبية البشتونية
    فقد كان نصيب الرئيس رباني في الوثيقة هو الشكر على "استعداده" للتخلي عن السلطة، رغم إدراك الجميع أن الرجل "مكرَه لا بطل" وليس هو من النوع الذي يتخلى عن الكرسي باختياره، وقد جر الكوارث على شعبه بسبب ذلك.
  • وتضمنت الوثيقة إرسال "قوة دولية" إلى أفغانستان، وهو ما يعني أن السلطة الجديدة الموالية لأميركا ستكون لها مليشياتها "الدولية" تحتمي بها من المليشيات المحلية التي لا يمكن الجزم بولائها وارتباطها بدول الجوار أرسخ من ارتباطها بأميركا.
  • بل تجاوزت الوثيقة ذلك، فألزمت الحكومة الأفغانية المؤقتة أن تستعين بالأمم المتحدة في "تشكيل لجنة صياغة دستور" و"إعادة بناء النظام القضائي"، وهو ما يعني عمليا أن أميركا سيكون لها دور في رسم صورة المستقبل السياسي والدستوري لأفغانستان.
  • وألزمت الوثيقة السلطة الأفغانية المؤقتة بالتعاون مع "المجتمع الدولي" -الاسم الدبلوماسي لأميركا- في محاربة الإرهاب، وهو ما يضمن لواشنطن عونا داخليا في تصفية أي جيوب باقية من طالبان أو القاعدة.
  • وأخيرا تضمنت الوثيقة إشارة إلى أن "المجتمع الدولي" سيساعد أفغانستان في تدريب وتنظيم قواها المسلحة وأمنها، وهو ما قد يعين أميركا على إيجاد ذريعة لبناء قواعد عسكرية في أفغانستان.
  • أضف إلى ذلك أن رئيس الحكومة المؤقتة حامد كرزاي اجتمع فيه من "الخصال" التي تريدها أميركا ما لم يجتمع في غيره: فهو يحمل ثأرا شخصيا ضد طالبان الذين يتهمهم بقتل والده، ويكره باكستان ويعتبرها قوة مستعمرة، ويحقد على العرب الذين شاركوا في الجهاد الأفغاني، ويحمل فكرا علمانيا لا يمت بصلة إلى تراث الأحزاب الإسلامية الأفغانية، وينتمي إلى الأغلبية البشتونية.

لكن.. هل يعني كسب أميركا للمعركة الأفغانية أنها ربحت الحرب؟ كلا! إلا إذا قصرنا نظرنا على اللحظة الحاضرة. أما إذا مددنا النظر قليلا في الزمان، فإن النصر الأميركي على المدى القريب يحمل بين جنبيه بذور خسارة الحرب على المدى البعيد.


مشكلة أميركا تكمن في أنها آخر الإمبراطوريات في وقت لم يعد الاستعمار السياسي فيه بضاعة رابحة، لذلك فإن الانتصار الأميركي السريع في معركة أفغانستان لن يكون أكثر من بذرة لمآزق سياسية وعسكرية جديدة
إن أحداث 11 سبتمبر/ أيلول لم تنشأ في يوم، ولكنها قذيفة انطلقت منذ عشرة أعوام، أيام حرب الخليج وما تلاها. وبينما كان الأميركيون يحتفلون بالنصر "الباهر" على العراق ويرسخون أقدامهم في منابع النفط، كانت تلك القذيفة المدمرة في طريقها إليهم، وقد راح ضحيتها أكثر من عشرة أضعاف القتلى الأميركيين في حرب الخليج.
واليوم يمكن للأميركيين أن يحتفلوا مرة أخرى، فقد تخلصوا من القاعدة وطالبان ووضعوا أفغانستان تحت الانتداب، وطوقوا إيران وجلبوا قوتهم العسكرية إلى حدود العمالقة الثلاثة: الصين والهند وروسيا، واقتربوا من نفط بحر قزوين، وأصبحوا قادرين على مراقبة القوة النووية الباكستانية عن كثب.. أليست هذه مكاسب تستحق المغامرة؟

ربما.. لكن الأميركيين جلبوا قواتهم إلى أرض لا تريدها وشعوب لا ترضى بالتبعية، وزادوا مظالمهم في فلسطين بدلا من تخفيفها، وهي من أهم الدوافع وراء هجمات 11 سبتمبر/ أيلول أصلا، وفتحوا الباب لثارات جديدة بقصف المدنيين الأفغان وإبادة الأسرى العرب، وابتزوا العديد من الأنظمة "الصديقة" فوضعوها على حافة الهاوية.. إنه كسب المعركة مقابل خسارة الحرب.

إن مشكلة أميركا تكمن في أنها آخر الإمبراطوريات في وقت لم يعد الاستعمار السياسي فيه بضاعة رابحة، لذلك فإن الانتصار الأميركي السريع في معركة أفغانستان لن يكون أكثر من بذرة لمآزق سياسية وعسكرية جديدة.

ولابد أن الأميركيين سيدركون في النهاية أن اليابانيين والصينيين يشترون النفط بنفس الثمن دون زبائن سياسيين أو قواعد عسكرية في المنطقة، وأن تحقيق المصالح الإستراتيجية والاقتصادية بالتراضي ورفع الظلم عن الشعوب، أضمن لأمن مستقبلي لا تشوبه حروب الإرهاب والانتقام.. وإنما السؤال الآن: متى سيدرك الأميركيون ذلك؟ وبأي ثمن؟

_______________
* كاتب موريتاني مقيم بالولايات المتحدة الأميركية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة