نتائج استفتاء الليكود.. دلالات وتداعيات   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

بقلم/ صالح محمد النعامي

- الليكود تحت سيطرة اليمين الديني المتطرف
- تقليص فك الارتباط
- مناورة محدودة لبوش في مواجهة شارون
- دلالات الاستفتاء

بتصويت أغلبيته ضدها في الاستفتاء الذي أجري الأحد الماضي، أحبط منتسبو حزب الليكود الإسرائيلي الحاكم خطة "فك الارتباط"، التي بلورها زعيم الحزب رئيس الوزراء أرييل شارون.

وفي مفارقة تشي بمستقبل التسويات مع الدولة العبرية، فإن طرفا إسرائيليا هو الذي أفشل خطة "فك الارتباط"، التي وضعها شارون عقابا للفلسطينيين، ومن أجل تسهيل سلخ الضفة الغربية وضم معظمها إلى إسرائيل. مع العلم بأنه على أساس هذه الخطة برر الرئيس الأميركي جورج بوش دعمه لموقف شارون الرافض لممارسة حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وأيد ضم التجمعات الاستيطانية لدولة إسرائيل، وأقر بحق إسرائيل بعدم الانسحاب إلى حدود الرابع من يونيو/ حزيران 1967.

فإن كانت استطلاعات الرأي العام في إسرائيل تؤكد أن أغلبية ساحقة من الإسرائيليين تؤيد الانسحاب من قطاع غزة، فلماذا رفض منتسبو الحزب الأكبر في الدولة العبرية، خطة "فك الارتباط"، المتواضعة من ناحية "التنازلات" التي تضمنتها. وما تداعيات نتيجة الاستفتاء على مستقبل العلاقة بين إسرائيل والشعب الفلسطيني، وما مستقبل التسويات السياسية في أعقاب الاستفتاء، فضلا عن تأثير نتيجة الاستفتاء على العلاقة الأميركية الإسرائيلية.

الليكود تحت سيطرة اليمين الديني المتطرف

شجعت حركات اليمين الديني المتطرف التي تنشط في المستوطنات آلاف المستوطنين على الانضمام إلى حزب الليكود بهدف تمكين جماعات اليمين الديني المتطرف من التأثير على مجريات الأمور في الليكود
منذ تولى السلطة لأول مرة حرص حزب الليكود على تقديم نفسه للجمهور الإسرائيلي من ناحية أيديولوجية كحزب يمين وسط وكحزب علماني، من حيث تصوره للعلاقة بين الدين والدولة، وقد ساعده ذلك في استقطاب مصوتين من مختلف شرائح المجتمع الإسرائيلي.

وقد عرف قادة الليكود كيف يظهرون الفوارق الأيديولوجية بينهم وبين الأحزاب اليمينية والدينية المتطرفة، لكن منذ أربعة أعوام حدث تطور بالغ الأهمية لم يلفت اهتمام إلا قلة من المهتمين بالشؤون الحزبية في الدولة العبرية.

فلدى تسجيل المنتسبين لحزب الليكود قبل أربع سنوات، استغلت حركات اليمين الديني المتطرف التي تنشط في المستوطنات بشكل خاص هذه الفرصة، وقامت بتشجيع آلاف المستوطنين على الانضمام إلى "الليكود"، وقد تولت هذه الحركات دفع رسوم العضوية للمنتسبين الجدد.

كان الهدف من وراء هذه الخطوة واضحا تماما، وهو تمكين جماعات اليمين الديني المتطرف من التأثير على مجريات الأمور في "الليكود".

عندما انضم آلاف المستوطنين بشكل جماعي لليكود كان الحزب يملك 19 مقعدا في البرلمان، ولم يتوقع هؤلاء في حينه أن يصبح الليكود ليس فقط الحزب الأكبر بل حزب السلطة.

لعب موشيه فايغلين زعيم حركة "هذه أرضنا" -أكثر حركات اليمين الديني تطرفا ورفضا للتسويات مع الفلسطينيين- دورا رياديا في عملية تجنيد المستوطنين لليكود.

وبالفعل فقد تحقق رهان فايغلين وزملائه، فقد حسم آلاف المستوطنين الذين تسللوا إلى الليكود مصير خطة "فك الارتباط"، التي كانت تنص على تفكيك مستوطنات قطاع غزة وبعض المستوطنات النائية في شمال الضفة الغربية.

كل من يعرف طبيعة التركيبة الأيديولوجية لمنتسبي حزب الليكود لم يكن ليفاجأ بالنتيجة التي أسفر عنها الاستفتاء، لدرجة أن حاييم رامون، أحد قادة حزب العمل اعتبر أن فايغلين هو الزعيم الحقيقي لحزب الليكود وليس شارون، في إشارة إلى التأثير الكبير لأنصار فايغلين على مجريات الأمور في الحزب.

من هنا فإن بعض الوزراء المقربين من شارون الذين يعون ذلك نصحوه بعدم المخاطرة وربط مصير خطة "فك الارتباط"، باستفتاء منتسبي الليكود.

تقليص فك الارتباط

فرص نجاح شارون في تمرير خطة مقلصة محدودة، فنتائج الاستفتاء تلزم شارون بعدم "تحريك حاوية قمامة" في أي مستوطنة من مكانها، فما بالك بتفكيك عدد من المستوطنات مهما كان صغيرا

منذ تولى شارون مقاليد الحكم لأول مرة في العام 2001، حرص على الزعم بأنه السياسي الإسرائيلي الوحيد القادر على قيادة إسرائيل إلى تسوية سياسية تاريخية مع الفلسطينيين وبقية الأطراف العربية.

النخب الثقافية الإسرائيلية لم تتبن تسويق شعار شارون هذا فحسب، بل استندت إلى ما اعتبرته "قاعدة ذهبية"، تقول إن حكومة بقيادة اليمين فقط بإمكانها أن تقود الإسرائيليين إلى تسوية سياسية.

لكن نتائج الاستفتاء تثبت بطلان هذه القاعدة، فشارون فشل داخل ملعبه البيتي في تمرير خطة "فك الارتباط" التي تحظى بتأييد معظم الإسرائيليين كما تؤكد ذلك جميع استطلاعات الرأي العام.

فقد خرج شارون بعد الاستفتاء مهزوما صاغرا مهانا، وتوفع الكثيرون أن يستخلص العبر اللازمة ويعلن استقالته كما يفرض ذلك المنطق السليم.

شارون الذي كان يوصف بأنه أقوى رئيس وزراء إسرائيلي بعد رئيس الوزراء الإسرائيلي الأول ديفد بن غوريون أصبح بعد الاستفتاء دون خيارات توفر له هامش مناورة سياسية حقيقيا.

وكما قال نجله النائب عومري شارون فقد كان شارون يريد أن يكون تنفيذ خطة "فك الارتباط" البداية لتجسيد رؤيته لحل الصراع مع الشعب الفلسطيني.

إلا أن نتائج الاستفتاء أثبتت أنه لا يمكن الوثوق بشارون حتى بعد أن تجند القطب الأوحد في العالم من أجل مساعدته على إمضاء خطة صيغت خصيصا لإملاء تصور اليمين الإسرائيلي لحل الصراع.

وبخلاف كل السيناريوهات التي رسمت بعيد الإعلان عن النتائج فشارون لا يرغب في خوض غمار معركة انتخابية جديدة لإعادة رسم الخريطة الحزبية الإسرائيلية بشكل يسمح له بتطبيق خطة "فك الارتباط".

فهو يعي بعد نتائج الاستفتاء الحرج الشديد الذي أصاب الإدارة الأميركية والرئيس بوش شخصيا الذي طالب العالم بتقديم الشكر لشارون على خطته المثيرة للجدل.

فقد كان المتوقع -أميركيا- من شارون على الأقل أن ينفذ خطة "فك الارتباط"، التي على أساسها قدم بوش رسالة الضمانات غير المسبوقة لشارون، التي تضمن لإسرائيل حسم الكثير من قضايا الحل الدائم في أي تسوية مستقبلية مع الجانب الفلسطيني من جانب واحد.

يدرك شارون أيضا أن عليه أن يقدم إجابات لبوش بصدد تداعيات استفتاء الليكود، وذلك في اللقاء الذي سيجمعهما في السادس عشر من الشهر الجاري.

وفي خطوة احترازية أكد المقربون من شارون أنه سيطرح على بوش تقديم خطة بديلة تقوم على "فك ارتباط مقلص"، فبدلا من تفكيك جميع مستوطنات قطاع غزة، سيطرح شارون إمكانية تفكيك المستوطنات الثلاث النائية في القطاع، وهي: "نيتساريم"، و"كفار داروم"، و"موراج"، وفي شمال الضفة الغربية يتم إخلاء عدد مماثل من المستوطنات.

لكن فرص نجاح شارون في تمرير حتى هذه الخطة المقلصة محدودة، فمعارضو خطة "فك الارتباط" في حزب الليكود يقولون إن نتائج الاستفتاء تلزم شارون بعدم "تحريك حاوية قمامة" في أي مستوطنة من مكانها، فما بالك بتفكيك عدد من المستوطنات مهما كان صغيرا.

مناورة محدودة لبوش في مواجهة شارون

إن كان الرئيس بوش قد حاول تسويق شارون بوصفه رجل سلام فإنه لن يتردد في تسويق أي خطة بديلة عن خطة فك الارتباط
رغم أن اثنين لا يختلفان على حجم الضرر الكبير الذي مس بمصداقية الرئيس بوش، في أعقاب رفض الليكود خطة "فك الارتباط"، فإن بوش لن يمارس ضغطا جديا على شارون لتجاهل نتائج الاستفتاء.

ففي غضون ستة أشهر ستجرى الانتخابات الرئاسية الأميركية، وبوش لازال يتذكر الدرس الذي تعلمه من والده عندما حاول الضغط على إسرائيل بعد انتهاء حرب الخليج الأولى، فما كان من جماعات الضغط اليهودية إلا أن عملت على إسقاطه والقضاء نهائيا على فرص فوزه بولاية ثانية.

وفي منتصف الشهر الجاري ستعقد منظمة "إيباك"، وهي أقوى منظمات الضغط اليهودية العاملة في الولايات المتحدة اجتماعها السنوي، وهذه مناسبة لكي يعبر المتنافسون على الرئاسة عن التزامهم تجاه إسرائيل، وبوش يؤمن بأنه ليس من الحكمة المجازفة بممارسة أي نوع من الضغط على شارون.

في نفس الوقت فإن قادة اليمين المسيحي الذين يعتبر الجمهور التقليدي للحزب الجمهوري الذي يتزعمه بوش، يذكرونه دوما أن عليه ألا يمارس أي ضغط على إسرائيل لإجبارها على القيام بأي خطوة تشكل تهديدا على وجودها، مع العلم بأن ممثلي اليمين المسيحي يتجاوزون متطرفي حزب الليكود من حيث مواقفهم المعادية للعرب والفلسطينيين.

من هنا فإن شارون وبوش سيجدان مخرجا في تقديم خطة "فك ارتباط مقلص". وإن كان الرئيس بوش قد حاول تسويق شارون بوصفه "رجل سلام"، فإنه لن يتردد في تسويق أي خطة بديلة عن خطة "فك الارتباط".

دلالات الاستفتاء

قيام الليكود بإسقاط خطة فك الارتباط يؤكد أنه لا يوجد شريك إسرائيلي قادر على تنفيذ خطة حتى لو كان الغرض منها معاقبة الفلسطينيين
إلى جانب إعلان شارون أنه معني بتطبيق خطة "فك الارتباط"، كـ"عقاب" للفلسطينيين، فضلا عن نيته توظيف الخطة لفرض الحل الذي يضمن تحقيق مصالح إسرائيل الإستراتيجية كما يراها هو، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي استغل الزخم الذي حظيت به خطته، لتبرير تصعيد القمع غير المسبوق ضد الشعب الفلسطيني وحركاته المقاومة، التي بلغت ذروتها في اغتيال مؤسس وزعيم حركة حماس الشيخ أحمد ياسين وخلفه الدكتور عبد العزيز الرنتيسي.

وقد برر مقربون من شارون هذا التصعيد بالقول إن إسرائيل لا يمكنها أن تنسحب من قطاع غزة دون أن توجه ضربة قاصمة لحركات المقاومة، سيما حركة حماس، وذلك حتى لا يعتقد الفلسطينيون أن إسرائيل تنسحب تحت ضربات المقاومة.

هذه المسوغات حظيت بدعم جميع ألوان الطيف السياسي في إسرائيل، وضمن ذلك حزب العمل المعارض، إلى جانب تأييد الولايات المتحدة لهذا التصعيد ودفاعها عنه.

لكن الآن وبعد أن أسقط الليكود هذه الخطة، فإن على الفلسطينيين سلطة وحركات مقاومة أن تستغل نتائج الاستفتاء لعزل إسرائيل دوليا، وتعرية الموقف الأميركي المساند لإسرائيل دون تحفظ.

فعلى الفلسطينيين أن يشرعوا في حملة دولية شاملة للفت أنظار العالم إلى أن إسرائيل هي المسؤولة عن الفشل في التوصل لتسوية سياسية.

فقبل شهرين من إجراء الاستفتاء لم تحدث عملية كبيرة للمقاومة داخل إسرائيل يمكن أن تفسر هذا الميل الجارف للتطرف داخل جمهور الحزب الأكبر في الدولة العبرية، الذي من المفترض أن يمثل التيار الأكبر في المجتمع الإسرائيلي.

إن نتيجة هذا الاستفتاء لا تدع مجالا للشك بأنه في حال ترك المجال للإسرائيليين أن يقرروا وحدهم شكل التسوية السياسية مع الفلسطينيين والعرب، لا يمكن التوصل لأي تسوية يمكن أن تقنع حتى أكثر الفلسطينيين والعرب مرونة واستعدادا لتقديم تنازلات من أجل التسوية.

وطالما ادعى شارون أنه لجأ إلى خطة "فك الارتباط"، بشكل أحادي الجانب لعدم وجود شريك فلسطيني جدي.

إن قيام الليكود بإسقاط خطة فك الارتباط يؤكد أنه لا يوجد شريك إسرائيلي قادر على تنفيذ خطة حتى لو كان الغرض منها معاقبة الفلسطينيين.

إن أهم دلالات الاستفتاء بالنسبة للعرب والفلسطينيين تتمثل بأهمية وجود أوراق ضغط حقيقية وفاعلة تتمثل في مواصلة المقاومة.

إن تواصل المقاومة الفلسطينية كفيل بتكريس الاستقطاب داخل إسرائيل، وبزعزعة ثقة الإسرائيليين بمواقف شارون وائتلافه اليميني الحاكم، بعد أن سقطت خطة "فك الارتباط".

فشارون الذي لا يملك خطة سياسية جدية لا يمكنه حشد الإسرائيليين خلف سياسة التصعيد الأمني ضد الفلسطينيين.
ــــــــــــــــــ
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة