هل باتت معركة بغداد على الأبواب؟   
الجمعة 1427/9/7 هـ - الموافق 29/9/2006 م (آخر تحديث) الساعة 23:52 (مكة المكرمة)، 20:52 (غرينتش)
فاضل الربيعي


بعد أيام قليلة فقط من قول الرئيس بوش في آخر خطاب له، إن المعركة على الإرهاب سوف تحسم في شوارع بغداد، راجت شائعات صحفية عن خندق عملاق سوف يحيط العاصمة العراقية لمنع الغرباء من التسلل.

ومع أن إمكانية إنشاء مثل هذا الحزام الأمني تتطلب في أكثر التقديرات تفاؤلا بضع سنوات من العمل الشاق والمتقن نظرا لانهيار شبكة الخدمات والبنى الأساسية في العاصمة، فإن الشكوك سرعان ما انصرفت إلى ما هو أبعد من مجرد التساؤل عن جدوى الحل الأمني، وأبعد بكثير من حسابات المهندسين لخطوط الطول والعرض في مخطط الخندق العملاق.

"
طبيعة الاستعدادات تشير إلى نمط جديد وغير مألوف من القتال، سوف يضع قواعد الاشتباك الحربي التقليدية برمتها داخل إطار مختلف ومغاير
"

ثم إن الأميركيين عززوا من هذه الشائعات بصورة غير متوقعة حين سحبوا جنودهم من محافظة الأنبار لأجل إعادة نشرهم في محيط العاصمة العراقية.

وسواء أكان الأميركيون بصدد حفر خندق عملاق، أو إنشاء حزام عسكري من الجنود والآليات، فإن الأمر برمته بات يتعلق بمخاوف جدية من سقوط العاصمة العراقية في "أيدي الغرباء والمتسللين"؟ وهذا بكل تأكيد تطور نوعي في تصور قوات الاحتلال لطبيعة ومجرى الصراع الدائر في العراق.

أكثر من ذلك يشير خطاب الرئيس بوش، ثم الشائعات التي أعقبته حول الطوق الأمني، إلى تحول مثير ومماثل في تصور الإدارة والمحافظين الجدد، لطبيعة وحدود المخرج الحقيقي من المأزق العسكري والسياسي والأمني الراهن.

إذا كان هذا التحول عكسته بشكل خاص ومفاجئ، إشارة الرئيس بوش إلى "معركة في شوارع بغداد" قادمة لا محالة، فإن مستقبل الاحتلال وحكومته في هذه الحالة، باتا أكثر ارتباطا بنتيجة المعركة الفاصلة الوشيكة، فهل نحن اليوم حقا، في قلب الرجات الأولى للمعركة التي طال انتظارها؟

المعلومات المؤكدة من بغداد تشير إلى أن المعركة باتت على الأبواب بالفعل، وأنها ستضع قواعد جديدة لفض الاشتباك العسكري والسياسي بين الأميركيين والعراقيين.

لقد تبدلت قواعد اللعبة جذريا، ولم يعد الأمر يتعلق بمتسللين من خارج الحدود، من سوريا مثلا، حسب المزاعم المثيرة للضجر التي لا يكف عن إطلاقها مستشار الأمن القومي العراقي، لأن الطوق الأمني الأميركي يحدد مصدر التهديد الوشيك للعاصمة بوجود قوى خارجها، ولا يتحدث عن المدن الحدودية البعيدة.

كما أن طبيعة الاستعدادات تشير إلى نمط جديد وغير مألوف من القتال، سوف يضع قواعد الاشتباك الحربي التقليدية برمتها داخل إطار مختلف ومغاير، فجيش أعظم قوة في العالم سيكون لأول مرة بعد ثلاث سنوات من خداع النفس والتضليل، وجها لوجه مع مقاتلين من دم ولحم وليسوا أشباحا هائمة في البرية، أو "مهاجمين ومتمردين" طالما تخيلهم في صورة "غرباء ومتسللين". وهذا هو جوهر التغير المذهل في قواعد الاشتباك.

منذ الآن سيجد جيش أعظم قوة في العالم، نفسه مضطرا للاختباء داخل سلسلة خنادق مترابطة، أو في قلب خندق عملاق يفصل العاصمة عن سائر أرجاء البلاد، بينما يتهيأ أفراده للقاء مصيري مع جماعات، لم تعد ولا بأي شكل من الأشكال، مجرد "جماعات متمردة" أو "مجرد فلول وأزلام"، إنهم الآن جيش منظم يزحف نحو العاصمة.

في هذا السياق، يقال إن المقاومين يجرون "تدريبات" مكثفة للاستيلاء على أحياء مختلفة من العاصمة وضواحيها، وهذه دلت عليها كما يقول بعض المراقبين، سلسلة من العمليات الصغيرة الناجحة التي جرت في مناسبات مختلفة، وأمكن فيها لوقت قصير وضع مناطق بأكملها تحت "سلطة المقاومة". شارع حيفا في قلب بغداد مثلا، غالبا ما يصبح تحت سيطرة المقاومين لأيام.

ومما يدل على احتمال وقوع المعركة خلال الأشهر القليلة القادمة، أن الأميركيين أقدموا على خطوات غير مسبوقة، فبعد تسليم قيادة الأركان للعراقيين، بادروا بسحب جنودهم من الأنبار، وهذه خطوة نصح بها قبل حوالي شهر تقرير للجنة خاصة شكلها الكونغرس، أكد فيه معدوه "أن علينا الاعتراف بأننا هزمنا هناك... الأنبار هزمتنا... علينا الخروج".

"
من المعلومات المتداولة وحتى الشائعات، أن حوارا جديا ربما يكون جرى خلال الأشهر المنصرمة بين الأميركيين وبعض كبار ضباط الجيش العراقي السابق، وتناول بالتفصيل سيناريو الانقلاب وشكل وطبيعة النظام السياسي في عراق ما بعد الاحتلال
"

في هذه الأثناء عادت للرواج في العاصمة العراقية من جديد شائعات عن انقلاب عسكري وشيك من منظور التصور الأميركي لمعركة بغداد المتوقعة.

فستشهد العاصمة في المرحلة الأولى وقوع "انقلاب عسكري" يقوده ضباط كبار من الجيش العراقي السابق، للتخلص من قادة العراق الجدد الذين ضاق الأميركيون بهم ذرعا جراء تفاقم الفساد وسوء الإدارة وتراكم الأخطاء، وهم باتوا أكثر ميلا لرؤية قوة عسكرية محلية تطيح بحكومة المالكي وتستبدلها "بحكومة إنقاذ وطني" تضع حدا للفوضى.

كما يشير السيناريو إلى أن الانقلابيين، فور سقوط بغداد في قبضتهم، سيشكلون مجلسا عسكريا (على غرار النموذج التركي) تكون من بين أولى مهامه، وضع قواعد جديدة للحل تقوم على أساسين.

الأول: فض اشتباك عسكري عراقي- أميركي، يتولى تأمين ظروف وإمكانيات انسحاب هادئ لقوات الاحتلال من العراق، بعد توقيع سلسلة من المعاهدات والاتفاقيات الخاصة بالجلاء، ربما تشمل تحديد طبيعة أي عملية لإعادة الانتشار خارج الكثافات السكانية في المدن.

الثاني: فض اشتباك سياسي عراقي مع الأميركيين، يؤدي إلى تخلي هؤلاء عن "حلفائهم" في المنطقة الخضراء، وإلى فتح الملفات الضخمة للفساد المالي والإداري وأعمال القتل والجريمة المنظمة (وتشمل التفاوض على اعتقال رموز بارزة في النظام الحالي وتقديمها للمحاكمة).

كما يجب أن يؤدي فض الاشتباك السياسي هذا، إلى تخلي الأميركيين فعليا عن كل وأي من المسؤوليات السياسية غير المباشرة التي كان يتولاها مستشارون ومتعاقدون أمنيون، لصالح حكومة إنقاذ وطني تتولى إدارة البلاد لفترة مؤقتة (سنة ونصف مثلا).

ويبدو من المعلومات المتداولة وحتى الشائعات، أن حوارا جديا ربما يكون جرى، بالفعل خلال الأشهر المنصرمة بين الأميركيين وبعض كبار ضباط الجيش العراقي السابق، وتناول بالتفصيل سيناريو الانقلاب، وشكل وطبيعة النظام السياسي في عراق ما بعد الاحتلال.

ثمة أقاويل على الهامش تشير إلى دور أردني ما، يعززها كلام منسوب للملك عبد الله الثاني عن تشكيل فرقة عسكرية، بقيادة شيوخ من أهل السنة غالبيتهم من آل أبو ريشة في الرمادي.

والمشهور عن هؤلاء تورطهم في أعمال سلب ونهب وتعاون مع الأميركيين، حتى أن المقاومة اضطرت إلى تصفية ما يزيد عن أربعين لصا ومجرما ينتسبون إلى هذه القبيلة.

ومؤخرا، وبالتزامن أيضا مع أنباء حفر الخنادق من حول بغداد، قال الشيخ الريشاوي أحد قادة هذه الفرقة العسكرية، إنه وأنصاره سوف يطردون من الأنبار كل الإرهابيين أو "من يدعون أنهم مجاهدين".

الانخراط المفاجئ لشيوخ العشائر المدعومين من عمان، في النضال ضد الإرهابيين ودخولهم على خط الصراع الدامي، وبعد أيام فقط من انسحاب الأميركيين من المدينة، يتخطى في دلالاته كل الدوافع والأهداف المعلنة.

والكثير من المراقبين السياسيين يرون فيه غطاء لتمرير مشروع "الفدرالية السنية"، وذلك من خلال دعم جماعات عشائرية مسلحة بأسلحة أردنية والدفع بها إلى قلب مناطق السنة تحت ستار كثيف من المزاعم عن حرب مقدسة ضد الإرهابيين.

إن تغيير المعادلة السياسية والعسكرية في المدينة هدف سياسي مشترك بين الأردن الصغير، الحالم بدولة سنيَة كبيرة تمتد من الأنبار إلى رام الله، وبين الأميركيين الحالمين بعراق فدرالي.

هذا هو مغزى فرض قوة عشائرية-سنية مسلحة في مدينة انسحب منها المحتلون، وتركوها متجهين صوب العاصمة.

"
تسليح العشائر بحجة مكافحة الإرهاب وتحويلها إلى ما يشبه جيشا نظاميا، ليس له من غرض سوى تمكين الأردن من الدخول على خط الصراع في العراق لفرض الفدرالية السنية، والتحول إلى "أردن كبير" يدخل في كونفدرالية مع إسرائيل
"

ومن المؤكد أن تسليح العشائر بحجة مكافحة الإرهاب، وتحويلها إلى ما يشبه جيشا نظاميا، ليس له من غرض أو هدف، سوى تمكين الأردن بشكل غير مباشر، من الدخول على خط الصراع في العراق، والتنازع بالقوة مع قوى أخرى، أي ضد المقاومة الوطنية، لفرض الفدرالية السنية، والتحول إلى "أردن كبير" يدخل في كونفدرالية مع إسرائيل.

وفي هذه الحالة فإن دخول العشائر المسلحة أردنيا، سيخلق وضعا مماثلا وشبيها بالوضع في الجنوب، حيث تتصارع قوى متنوعة بعضها ضد الفدرالية وبعضها معها.

ما هو رد فعل الأحزاب والمليشيات الشيعية على الانقلاب إذا ما وقع؟ على الأرجح سوف يبادر المجلس الأعلى (جماعة عبد العزيز الحكيم) إلى إعلان فدرالية الأمر الواقع في جنوب العراق، وسيأمر أنصاره بالقتال لوقت محدود في العاصمة وضواحيها ثم الانسحاب جنوبا.

وذلك ما يفسر لنا السبب الحقيقي لتزامن طرح مشروع الفدرالية على مجلس النواب (البرلمان) من جانب جماعة الحكيم، ثم اضطراره إلى سحب المشروع مؤقتا، بعد معارضة قوية قادها "تحالف برلماني" مفاجئ شيعي-سني (الصدر وجبهة التوافق) ناقم على المجلس الأعلى ومليشياته.

على أن هذا "التحالف البرلماني" الهش يمكن أن يتفجر مع أولى طلقات الانقلاب، ومن المحتمل أن كتلة كبيرة داخل تيار الصدر سوف تنفصل لتقاوم بشكل شرس، ربما لحسابها الخاص وحفاظا على مكاسبها، بينما من المحتمل أن تتفاعل كتل أخرى داخل التيار نفسه، مع أجواء التأييد الشعبي العارم الذي سوف يحظى به الانقلاب.

في الوقت ذاته سوف تنشب معارك طاحنة في الجنوب بين الصدريين الرافضين للفدرالية وحلفائهم (مثلا حزب الفضيلة) وبين جماعة الحكيم، بينما يبادر الأكراد إلى الانسحاب من اللعبة ليتجهوا شمالا من أجل تعزيز "فدراليتهم" لأنه لا شيء يدفعهم إلى القتال من أجله في العاصمة.

وإذا ما حظي الانقلاب بتأييد شعبي عارم، فإن ذلك سيكون نتيجة طبيعية لتأجج مشاعر الغضب والشعور باليأس من الأوضاع الأمنية المريعة، ونتيجة تلقائية للرغبة في رؤية أي حل حقيقي يضع حدا لمناظر الموت والقتل على الهوية ولانهيار شبكة الخدمات الحياتية.

وفي ذاكرة العراقيين فإن الجيش وحده هو الذي يجلب الاستقرار بعد الفوضى، وهو القوة التي تجلب الانضباط والنظام العام بعد الانفلات وغياب القانون.

ما يثير الانتباه في الانسحاب الأميركي من الأنبار، بالتزامن مع حديث الرئيس بوش عن "معركة في شوارع بغداد" وبالتلازم مع شائعات الخندق العملاق وأنباء الانقلاب، أن "العاصمة السنية" حسب التعبير المضلل لوسائل الإعلام، ستكون والحال هذه، جاهزة بحكم الأمر الواقع، للتحول إلى "فدرالية سنية".

إن جزءا مهما من فكرة إخلاء الأنبار من القوات الأميركية، وبالتالي من أي قوات حكومية، قد لا يكون نتيجة لتزايد الخسائر في صفوفهم، أو اعترافا بهزيمتهم العسكرية أمام البدو وحسب، فهذا أمر لا يبدو كافيا لتبرير خطوة دراماتيكية من هذا النوع، بل هي تطبيق عملي لمخطط تقسيم العراق بالقوة أو الخداع إلى فدراليات.

ولشد ما تبدو المفارقة ساخرة، حين يصبح الانسحاب من الأنبار "فخا" أمام أهل السنة لحملهم على ترتيب أوضاعهم داخل فدرالية خاصة بهم، تكون رديفا ومعادلا موضوعيا لفدرالية الشيعة في الجنوب والأكراد في الشمال.

"
معركة بغداد المتوقعة سوف تفتح الأبواب أمام قتال بطولي ومجيد، قد يستمر حتى عشرين عاما، من أجل استرداد العراق الموحد الذي مزقه الاحتلال
"

الانقلاب على الأرجح، لن يوقف الصراع من أجل عراق فدرالي لا في الجنوب ولا في الغرب (الأنبار)، بيد أن خصوصية الوضع في الأنبار بخلاف الوضع في الجنوب، بوجود مقاومة منظمة وتحظى بدعم شعبي هائل، سوف تفرض واقعا مغايرا، لأن المقاومة سوف تتمكن بسهولة من تفكيك "الجيش الأردني" المتنكر بهيئة رجال عشائر سنية، بل ستدفع به إلى الفرار نحو الأردن الصغير.

ولكن.. واقعيا لن يحصل العراقيون حتى بعد الانسحاب الأميركي من بلادهم، على "عراق موحد" طالما دافعوا عنه حتى الموت.

وربما لن يتمكنوا من استرداد "عراق ما قبل 9 أبريل/نيسان" كاملا غير منقوص من أيدي محتلين وغزاة غاصوا في أوحاله، إلا بعد وقت طويل من العمل والقتال وسنوات من الأحلام.

بيد أنهم مع ذلك سيواصلون القتال بأشكال لا حصر لها. وكما حدث مرارا وتكرارا في التاريخ، فإنهم لن يكفوا مهما كان الثمن، عن النضال من أجل استعادة "عراقهم التاريخي". وهم يعرفون جيدا عدوهم.

لقد ترك كوريا مقسمة في الخمسينات بعد الانسحاب منها، كما ترك فيتنام ممزقة، وفي ألمانيا فعل الشيء نفسه، والعراق قد لا يبدو استثناء من القاعدة، وهو مثل كوريا وفيتنام وألمانيا لن يكف عن القتال من أجل استرداد وحدته بعد التحرير.

معركة بغداد المتوقعة سوف تفتح الأبواب أمام قتال بطولي ومجيد، قد يستمر حتى عشرين عاما، من أجل استرداد العراق الموحد الذي مزقه الاحتلال.

إنها معركة "خندق" أخرى يستعيد العراقيون عبرها تقاليدهم الوطنية، في الوحدة والتعايش التاريخي بين المذاهب والثقافات المحلية.

ليست هذه معركة خيالية، أو استلهاما لصراع دار ذات يوم بين مسلمين محاصرين ومشركين مهاجمين وحسب، بل هي معركة حقيقية وشيكة الوقوع، كما لو أنها الحل الوحيد المتبقي في جعبة المحتلين للخروج من مأزقهم القاتل.

ولكنها بالنسبة لشعب يتطلع إلى الحرية والاستقرار ستكون معركة لا فرار منها طال الوقت أم قصر، وبانقلاب عسكري أو من دونه لن يكف العراقيون عن مقاومة تمزيق بلادهم.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة