الأزمة السورية والترويكا الرباعية   
الاثنين 1433/11/23 هـ - الموافق 8/10/2012 م (آخر تحديث) الساعة 10:52 (مكة المكرمة)، 7:52 (غرينتش)
محمد عباس ناجي

خلاف على دور إيران
طموحات صعبة
مصر وإيران: تباين لم تحتوه الزيارة

دخلت الأزمة السورية شهرها التاسع عشر دون ظهور بوادر في الأفق توحي بقرب انتهائها، وهو ما يعود إلى اعتبارين: الأول، أن مساحة الخلافات بين طرفي الأزمة -نظام الرئيس السوري بشار الأسد والمعارضة- واسعة لدرجة تحولت معها الأزمة إلى "لعبة صفرية" تفرض حدودا ضيقة للحركة.

فالنظام السوري ما زال متماسكاً حتى الآن رغم كل الضربات التي واجهها في الفترة الأخيرة، ويحاول تكثيف استخدام أدواته العسكرية لاستعادة المناطق التي سيطرت عليها المعارضة. والأخيرة ترى أنها تحقق انتصارات قوية على الأرض سوف تنتهي بانهيار النظام، خصوصا مع إعلان الجيش السوري الحر، وهو أبرز فصائل المعارضة، نقل قيادته من تركيا إلى داخل سوريا وإعداد خطة لاقتحام دمشق.

والثاني، أن الأزمة لم تعد "سورية" فقط، بل هي أزمة إقليمية بامتياز بسبب تقاطع مصالح العديد من القوى الإقليمية، والدولية، المعنية بالأزمة، وهو ما يعني أن أية جهود سوف تبذل لتسويتها لن يكتب لها النجاح إذا لم تأخذ البعد الإقليمي في الاعتبار، خصوصاً أن هذه القوى سوف تسعى لإجهاض أية محاولات تجري في هذا السياق إذا لم تراعِ مصالحها في إطار أي تسوية محتملة للأزمة.
 
من هذا المنطلق، طرح الرئيس المصري الدكتور محمد مرسي، خلال مشاركته في قمة "التضامن الإسلامي" التي عقدت بمكة المكرمة يومي 15 و16 أغسطس/آب الماضي، مبادرة بتشكيل مجموعة اتصال دولية لمناقشة سبل التوصل إلى تسوية للأزمة السورية تضم كلا من مصر وإيران والسعودية وتركيا.

وقد اعتمدت هذه المبادرة على أن القوى الأربعة لها مصلحة، لأسباب خاصة بكل منها، في تسوية الأزمة السورية، بما يحفظ سوريا من خطر التفكك إلى دويلات متعددة، وهو الاحتمال الذي يمكن أن يفرض تداعيات سلبية خطيرة على مصالح هذه القوى وأمنها القومي.

مبادرة مرسي قوبلت بترحيب ملحوظ من جانب إيران تحديدا، التي قالت إنها مع أية جهود لتسوية الأزمة السورية بما يحفظ وحدة سوريا ويحول دون التدخل الخارجي. وبالطبع، فإن دعم إيران للمبادرة، على عكس قوى عديدة أخرى، كان منطقيا إلى حد كبير، حيث تسعى من خلال ذلك إلى تحقيق أهداف ثلاثة: أولها، استثمار المبادرة من أجل كسب مزيد من الوقت، وبالتالي منح النظام السوري فرصة جديدة لالتقاط الأنفاس بعد حالة الإنهاك التي تبدو عليها القوات النظامية.

سعت إيران إلى فرض قوى أخرى داخل مبادرة مرسي بالدعوة لإدخال العراق وفنزويلا، حيث اعتبرت أنها لا تتسم بالتوازن، بشكل لن يتيح التوصل إلى حل وسط للأزمة

وثانيها، استغلال الفرصة لتأكيد عدم تعرضها لعزلة دولية وإقليمية كما تزعم الولايات المتحدة الأميركية والدول الغربية، سواء بسبب أزمة ملفها النووي أو بسبب دعمها اللامحدود للنظام السوري. وثالثها، استمزاج اعتراف إقليمي ودولي بدورها في الأزمة السورية، لا سيما من جانب السعودية وتركيا، اللتين تقفان على خط مناقض لموقفها في الأزمة، بما يحول دون تهميشها في أية جهود لتسويتها.
 
لكن إيران سعت إلى فرض قوى أخرى داخل المبادرة، حيث اعتبرت أنها لا تتسم بالتوازن، بشكل لن يتيح التوصل إلى حل وسط للأزمة، إذ تدعم كل من السعودية وتركيا المعارضة السورية، فيما تقترب مصر إلى حد كبير من رؤية الرياض وأنقرة، وهو ما بدا جليا خلال قمة عدم الانحياز التي عقدت في إيران يومي 30 و31 أغسطس/آب الماضي، وشارك فيها الرئيس محمد مرسي، حيث وجه انتقادات حادة إلى النظام السوري، واصفا إياه بـ"النظام الظالم الذي فقد شرعيته"، مشدداً على أن "سوريا تشهد ثورة على غرار ثورة مصر"، وهو ما دفع الوفد السوري إلى الانسحاب من الجلسة، واتضح بشكل أكبر خلال كلمة مرسي التي ألقاها في الأمم المتحدة في 26 سبتمبر/أيلول الماضي حيث أكد حتمية زوال النظام السوري، مشيراً إلى أن "الأزمة في سوريا مأساة العصر ويجب على العالم العمل على إنهائها".

ومن هنا دعت إيران إلى إشراك دول أخرى مثل العراق بوصفها رئيسة الدورة الحالية للجامعة العربية، وفنزويلا باعتبارها جزءًا من المنظومة الثلاثية لحركة عدم الانحياز، وذلك بهدف موازنة قوة السعودية وتركيا، على ضوء الدعم الذي تقدمه كل من العراق وفنزويلا للنظام السوري، خصوصا الأولى، لا سيما بعد تزايد التقارير التي تتحدث عن تغاضي العراق عن قيام إيران بنقل المساعدات التسليحية للنظام السوري، عبر طائرات مدنية تعبر الأجواء العراقية، بعد أن تجنبت إيران نقلها عبر تركيا، التي نجحت في الكشف عن أكثر من شحنة في فترات سابقة بشكل عرض إيران لانتقادات دولية قوية، لجهة أن ذلك يتعارض مع العقوبات الدولية المفروضة عليها من قبل مجلس الأمن، وخصوصا القرار 1929 الصادر في يونيو/حزيران 2010.

ورغم أن بغداد رفضت في البداية تلك التلميحات، إلا أنها أكدت أنها يمكن أن تخضع الطائرات القادمة من إيران لتفتيش عشوائي، وليس تفتيش كل الرحلات، لأن ذلك، في رؤيتها، غير ممكن من الناحية العملية.

خلاف على دور إيران
لكن رغم طموح مصر في إمكانية نجاح المبادرة في الوصول إلى حل وسط للأزمة السورية، إلا أن عقبات عديدة تقف حائلا دون تحقيق ذلك. إذ إن ثمة اتفاقا نسبيا من جانب قوى عديدة على ضرورة إبعاد إيران عن أية جهود لتسوية الأزمة باعتبار أنها "جزء من المشكلة" و"ليس من الحل"، على خلفية الدعم القوي الذي تقدمه للنظام السوري والذي ساعد الأخير على مواجهة الضغوط والعقوبات التي يتعرض لها بسبب قمعه للاحتجاجات.

وقد تبنت الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا هذا الاتجاه، لكن الموقف الفرنسي الرافض إشراك إيران في جهود حل الأزمة السورية كان متميزا لجهة أنه ربط ذلك بملفات خلافية بين إيران والغرب على رأسها أزمة الملف النووي الإيراني، وانتهاكات حقوق الإنسان في إيران، وهو ما يفرض صعوبات عديدة على فكرة تقبل الغرب لأية تسوية للأزمة السورية تمثل فيها إيران رقما مهما.

وقد كان الرفض الدولي لإشراك إيران في جهود تسوية الأزمة السورية سببا في فشل مهمة كوفي أنان المبعوث الدولي والعربي السابق إلى سوريا، الذي اعتبر أن إيران جزء من الحل، بل إنه قام بزيارة الأخيرة في إطار جهوده لتقريب وجهات النظر بين الأطراف المعنية بالأزمة.

طموحات صعبة
فضلاً عن ذلك، افتقدت المبادرة للخطوات الإجرائية التي يمكن من خلالها التوصل إلى حلول للأزمة، إذ اكتفت بالأفكار العامة التي تبنتها المبادرات السابقة، مثل وقف إطلاق النار، والحفاظ على وحدة سوريا، ورفض التدخل العسكري الخارجي، وتدشين عملية سياسية تجسد رغبة السوريين في التغيير، ودعم أي جهود دولية تسعى لتذليل العقبات أمام الوصول إلى تسوية للأزمة.

بدأت إيران في توجيه رسائل عديدة بأنها المستهدف الأساسي مما يحدث في سوريا، وأنها لن تسمح بانهيار النظام السوري مهما كان الثمن

ورغم أن المجموعة عقدت ثلاثة اجتماعات حتى الآن، فإنها لم تتطرق إلى أية إجراءات نوعية تنقلها من مربعها الأول. وكانت إيران هي صاحبة الاقتراح الوحيد الذي طرح خلال المناقشات، والخاص بإرسال بعثة مراقبين من الدول الأربع إلى سوريا لوقف العنف هناك.

لكن هذا الاقتراح كان هدفه الأساسي هو "تقطيع الوقت" لتمكين النظام السوري من امتصاص الضغوط التي يتعرض لها، كما أنه لا يتسامح في الوقت ذاته مع المعطيات الموجودة على الأرض التي تؤكد صعوبة حدوث ذلك، لا سيما أن البعثات السابقة للمراقبين العرب والأجانب فشلت في الوصول إلى وقف لإطلاق النار بين الطرفين.

كما أن التباينات بين أطراف المجموعة ليست هامشية ولا يمكن احتواؤها بسهولة، ففضلا عن أن تركيا تمثل "رأس حربة" للضغوط الدولية والإقليمية المفروضة على النظام السوري، ومركز قيادة المعارضة المسلحة السورية التي تدير المواجهات مع هذا النظام، فإنها تبدي حماساً لفكرة إنشاء ممرات آمنة داخل الأراضي السورية، بحماية دولية، لفرض مزيد من الضغوط على النظام السوري، والتعامل بفعالية مع قضية اللاجئين السوريين التي تخطت حاجز قدراتها.

كما تقدم السعودية مساعدات مالية وتسليحية للمعارضة السورية. وبدون شك، فإن الخلاف المتصاعد بين السعودية وإيران تحديدا -سواء بسبب تباين المواقف إزاء الأزمة السورية أو بسبب الاستياء السعودي من التدخل الإيراني في أزمة الاحتجاجات البحرينية- يفرض صعوبات إضافية على إمكانية تجسير فجوة الخلافات بين الطرفين، بل إن تغيب السعودية، للمرة الثانية، عن الاجتماعات التي عقدتها المجموعة، يؤشر إلى أن السعودية حتى الآن لا تبدو مطمئنة إلى إمكانية نجاح المبادرة في التوصل إلى تسوية للأزمة السورية.

أما إيران، فلم تتوانَ منذ بدء الثورة في سوريا عن دعم النظام السوري، مالياً وتسليحياً، وهو ما دفع الدول الأعضاء في مجلس الأمن، في 21 سبتمبر/الماضي، إلى توجيه اتهامات لها بانتهاك قرارات مجلس الأمن التي تفرض عليها عقوبات خاصة بتصدير السلاح إلى الخارج، خصوصا القرار 1929 الصادر في يونيو/حزيران 2010.

كما بدأت إيران في توجيه رسائل عديدة بأنها المستهدف الأساسي مما يحدث في سوريا، وأنها لن تسمح بانهيار النظام السوري مهما كان الثمن، وأن الحرب على سوريا هي حرب على إيران، في إشارة إلى اتفاقية الدفاع المشترك التي وقعتها إيران وسوريا عام 2006.

وقد عكس قائد الحرس الثوري الإيراني الجنرال محمد علي جعفري هذا الموقف الإيراني، بقوله إن "إيران ستغير سياستها وتقدم الدعم العسكري للأسد في حالة تعرض سوريا لهجوم"، مشيرا إلى "وجود عدد من أعضاء قوة القدس التابعة للحرس الثوري موجودين في سوريا، لكن هذا لا يمثل وجودا عسكريا".

مصر وإيران: تباين لم تحتوه الزيارة
إلى جانب ذلك، فإن حدود التطور في العلاقات بين مصر وإيران، لا توفر هامشا واسعا للمناورة أمام القاهرة لإقناع طهران بضرورة تقديم تنازلات للتوصل إلى تسوية للأزمة السورية.

حدود التطور في العلاقات بين مصر وإيران لا توفر هامشا واسعا للمناورة أمام القاهرة لإقناع طهران بضرورة تقديم تنازلات للتوصل إلى تسوية للأزمة السورية

وقد تواردت معلومات تفيد بأن القاهرة ربما تعرض على طهران التوقف عن دعم النظام السوري مقابل تخفيف العزلة التي تتعرض لها وعودة العلاقات بين الدولتين، إلا أن هذه المعلومات لا تستند إلى مؤشرات قوية، خصوصاً أن القاهرة ربما ليست في وارد إبرام هذه المقايضة مع إيران، لاعتبارات تمس علاقاتها "الحساسة" مع دول مجلس التعاون الخليجي، وحرصها على عدم التصعيد في الموقف مع الولايات المتحدة وإسرائيل، إلى جانب ظروفها الداخلية المعقدة، حيث تبدي بعض القوى السياسية المصرية، مثل التيار السلفي، رفضا صريحا للتقارب مع إيران.

كذلك، فإن إيران لن تتخلى بسهولة عن النظام السوري، ليس فقط لجهة أنه يمثل حليفها الرئيسي في المنطقة ونقطة التواصل مع الحلفاء الآخرين من الفاعلين من غير الدول، على غرار حزب الله اللبناني وحركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية، بشكل يوفر لها موطئ قدم بالقرب من إسرائيل، بل أيضا لأن سقوط النظام في سوريا يبدو -في رؤية إيران- مقدمة لفرض مزيد من الضغوط عليها، وربما توجيه ضربة عسكرية للقضاء على ما تسميه إسرائيل والغرب بـ"الخطر" الذي تمثله طموحاتها النووية.

اعتبارات متداخلة تفرض مزيدا من الغموض والتعقيد على المشهد السياسي السوري، بعد دخول الاحتجاجات شهرها التاسع عشر، لكنها توحي في مجملها بأن مبادرة "الترويكا" التي طرحها الرئيس المصري محمد مرسي للوصول إلى حل لهذه الأزمة تواجه اختبارات صعبة ومنحنيات خطيرة، ربما يكون أقلها المواجهة "الصفرية" بين النظام السوري والمعارضة المسلحة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة