مذبحة في أفريقيا   
الخميس 1436/6/20 هـ - الموافق 9/4/2015 م (آخر تحديث) الساعة 17:50 (مكة المكرمة)، 14:50 (غرينتش)
غوردون براون


تُرى لماذا أصبحت المدارس وتلاميذ المدارس أهدافا بارزة للمتشددين الإسلاميين القَتَلة؟ كان الطلاب الـ147 الذين قُتِلوا في هجوم شنته جماعة الشباب المتطرفة على كلية قريبة من الحدود الكينية مع الصومال، أحدث الضحايا في سلسلة من الاعتداءات التي استهدفت المؤسسات التعليمية بالهجوم.

في ديسمبر/كانون الأول الماضي في بيشاور بباكستان، اقتحم سبعة رجال مسلحين من طالبان فصلا تلو الآخر في مدرسة الجيش العامة، فأعدموا 145 طفلا ومعلما. وفي وقت أقرب إلى الحاضر، وبينما كان أكثر من ثمانين تلميذا في جنوب السودان يجلسون لأداء الامتحانات السنوية، اجتاح مقاتلون مدرستهم واختطفوهم تحت تهديد السلاح، وكان مصيرهم الانضمام إلى نحو 12 ألف طالب تم تجنيدهم في مليشيات الأطفال في الحرب الأهلية المتصاعدة في البلاد.

وفي كل يوم، تُقصَف مدرسة سورية كانت ذات يوم نابضة بالحياة أو تحول إلى ثكنة عسكرية، في حين بلغ الآن عدد الأطفال في مخيمات اللاجئين أو المنفيين إلى خيام أو أكواخ بدائية، مليوني طفل.

ويوافق الأسبوع المقبل الذكرى السنوية الأولى لاختطاف الجماعة المتطرفة بوكو حرام 220 من تلميذات المدارس ليلا من مهاجعهن في تشيبوك في ولاية بورنو بشمال نيجيريا.

في كل يوم تُقصَف مدرسة سورية كانت ذات يوم نابضة بالحياة، أو تحول إلى ثكنة عسكرية، في حين بلغ الآن عدد الأطفال في مخيمات اللاجئين أو المنفيين إلى خيام أو أكواخ بدائية، مليوني طفل

ومع استمرار الاعتداءات على المدارس المحلية، صعدت جماعة بوكو حرام حربها ضد التعليم، مما جعل العامين الأخيرين الأسوأ على الإطلاق في تاريخ نيجيريا من حيث انتهاك حقوق الأطفال.

في السنوات الخمس الماضية، وقع ما يقرب من عشرة آلاف هجوم على المدارس والمنشآت التعليمية. ولكن لماذا أصبحت المدارس -التي ينبغي أن يعترف بها ملاذا آمنا- أدوات للحرب؟ ولماذا تحول أطفال المدارس إلى بيادق على مخططات المتطرفين الإستراتيجية؟ ولماذا كان التعامل مع مثل هذه الهجمات عَرَضيا إلى هذا الحد -لم تتسبب عملية الاختطاف في فبراير/شباط في جنوب السودان في إثارة أي قدر يُذكَر من التعليق الدولي- في حين أنها تشكل في واقع الأمر جرائم ضد الإنسانية؟

في عقول الإرهابيين الفاسدة المنحرفة، يحمل كل هجوم منطقه البسيط، فكان إطلاق النار الأخير -على سبيل المثال- عملية انتقامية شنتها جماعة الشباب بسبب تدخل كينيا في الحرب الأهلية الدائرة في الصومال، ولكن كل الهجمات الأخيرة تشترك في تكتيك جديد خلق حالة من الصدمة، بتجاوز ما كان يعتبره في السابق حتى العديد من أكثر الإرهابيين تشددا وقسوة، حدودا لا يجوز تجاوزها. لقد أصبحوا حريصين على تغذية شهرتهم بالغضب الشعبي إزاء أساليبهم، وحتى بنقل صور لجرائمهم في مختلف أنحاء العالم.

ولكن هناك تفسير أكثر قوة لهذه السلسلة من الهجمات على الأطفال. فالزعم المتطرف الذي بات شائعا الآن هو أن التعليم يعمل على إدماج الأطفال الأفارقة والآسيويين وتثقيفهم على الأساليب الغربية في التفكير، (تعبير "بوكو حرام" يعني في لغة الهوسا المحلية "التعليم الغربي حرام"). وعلاوة على ذلك، ترى الجماعات المتطرفة من أمثال بوكو حرام والشباب أنها قادرة على مهاجمة المدارس والإفلات من العقاب.

الواقع أن المستشفيات تميل إلى كونها أكثر أمانا، لأن اتفاقيات جنيف تعطيها حماية خاصة كملاذ آمن، وهي الحقيقة التي تدركها غالبا حتى أكثر الجماعات الإرهابية فتكا ووحشية. وحتى وقت قريب، كنا نبذل أقل القليل من الجهد لحماية المدارس ومنع تحوليها إلى ثكنات عسكرية خلال أوقات النزاع. ولكن تماما كما لا يجوز أبدا أن تشن الحروب باستهداف المستشفيات، فلا ينبغي للمتقاتلين أن ينتهكوا المدارس أبدا.

عندما ينهار القانون والنظام، لا يحتاج الناس إلى المساعدة المادية فحسب -الغذاء والمأوى والرعاية الصحية- بل  يحتاجون أيضا الأمل. ولن نجد وسيلة أكثر قوة لدعم رؤية لمستقبل خال من الصراع، من الإبقاء على المدارس مفتوحة وقادرة على استقبال الأطفال

الآن يتحرك العالم بعد أن كانت استجابته بطيئة في السابق. فقد وقعت ثلاثون دولة مؤخرا على اتفاق لوسنس أو المبادئ التوجيهية للمدارس الآمنة، والذي يوجه القوات العسكرية لهذه البلدان بشأن كيفية منع استخدام المدارس أدوات للحرب.

وتوصي ليلى زروقي، الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لشؤون الأطفال والنزاعات المسلحة، باعتبار اختطاف الأطفال من المدارس "انتهاكا متهورا" في تسمية المنظمات الإرهابية في التقرير السنوي الذي يرفعه الأمين العام إلى مجلس الأمن.

وبفضل صندوق الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، والتحالف العالمي لحماية التعليم من الهجمات، والتحالف التجاري العالمي للتعليم، ووزيرة المالية النيجيرية السابقة نجوزي أوكونجو إيوبالا؛ أصبحت نيجيريا الآن رائدة مفهوم المدارس الآمنة. وكان هذا يعني تمويل حراس المدارس، وتحصين المدارس، ومعدات المراقبة لطمأنة الآباء والتلاميذ إلى أن كل الجهود الممكنة تبذل لضمان تأمين المدارس لحضور التلاميذ. والآن، تتبنى باكستان بقيادة رئيس الوزراء محمد نواز شريف خطة المدارس الآمنة.

خلال عام، إذ أصبحت الصراعات المحلية أكثر من أي وقت مضى، وأصبح الأطفال بين أول الضحايا (المنسيين)، فإن من الأهمية بمكان أن نسارع إلى جعل وقف الهجمات على المدارس على رأس الأولويات. في الأوقات العصيبة، ينظر الأطفال والآباء إلى مدارسهم باعتبارها ملاذا آمنا، ومكانا للحياة الطبيعية والسلامة.

وعندما ينهار القانون والنظام، لا يحتاج الناس إلى المساعدة المادية فحسب -الغذاء والمأوى والرعاية الصحية- بل يحتاجون أيضا الأمل. ولن نجد وسيلة أكثر قوة لدعم رؤية لمستقبل خال من الصراع، من الإبقاء على المدارس مفتوحة وقادرة على استقبال الأطفال.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة