حكومة بنكيران.. القشة والبعير   
الثلاثاء 1437/7/20 هـ - الموافق 26/4/2016 م (آخر تحديث) الساعة 15:47 (مكة المكرمة)، 12:47 (غرينتش)
يحيى اليحياوي


لو توقفنا عند ظروف وسياقات ما يناهز خمس سنوات من عمل حكومة عبد الإله بنكيران في المغرب، فلن نتردد في القول إن الأزمة كانت ولا تزال لازمتها وخيطها الناظم منذ تنصيبها بداية العام 2012، وإلى حين كتابة هذه السطور، حيث تشارف "عهدتها" على الانتهاء في أفق انتخابات أكتوبر/تشرين أول من العام الحالي.

(1)

ثمة خمس محطات كبرى وضعت حكومة بنكيران (حكومة "العدالة والتنمية" بمنطوق غرمائه السياسيين) على المحك، لدرجة خلنا معها أن كل واحدة منها ستكون القشة التي ستقصم ظهر البعير لا محالة:

- جاءت المحطة الأولى مباشرة بعد تنصيب الحكومة "الجديدة"، وتمثلت في دفاتر التحملات التي أعدها وزيرها في الاتصال، بغرض إصلاح قطاعٍ (قطاع المسموع والمرئي) كان عصيا على الإصلاح منذ استقلال المغرب، وإلى حين وصول حكومة بنكيران إلى "سدة الحكم".

ثمة خمس محطات كبرى وضعت حكومة بنكيران على المحك، لدرجة نخال معها أن الواحدة منها ستكون القشة التي ستقصم ظهر البعير، وقد جاءت المحطة الأولى مباشرة بعد تنصيب الحكومة، وتمثلت في دفاتر التحملات التي أعدها وزيرها في الاتصال، بغرض إصلاح قطاع ظل عصيا على الإصلاح

وعلى الرغم من أن الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري (الهيئة المكلفة دستوريا بتقنين ومراقبة القطاع) قد أجازت الدفاتر جملة وتفصيلا بمجرد التوصل بها، فإن مديري مؤسسات التلفزيون الرسمية تصدوا لها بقوة واعتبروها محاولة من الحكومة "لأخونة" المجال، ومدخلا من لدنها من مداخل الهيمنة عليه في الشكل وفي المضمون، فرفضوا وأعلنوا بالتالي علانية عدم التزامهم بها، ولا الأخذ بمضامينها وتوجيهاتها في سياساتهم التحريرية. ولما بلغت الأزمة ذروتها تدخل الملك ليكلف وزيرا آخر بالحكومة بمراجعة الدفاتر، بعدما أقال من ثوى خلف إجازتها من أعضاء الهيئة، وتعويضهم بآخرين على المقاس.

وعلى الرغم من تهديد وزير الاتصال بأنه سيستقيل إن لم تعتمد "دفاتره" وتدخل حيز التنفيذ كما صاغها، فإن الأزمة قد تم تجاوزها، لكن بعدما قضمت من مصداقية وزير وشرعية حكومة. المفارقة هنا هو أنه من حينه، وعمليات المد والجزر (وشد الحبل أيضا) قائمة بين الحكومة وقنوات الإعلام العمومي، بل إن القنوات إياها باتت تمعن في بث مواد وبرامج تستفز و"تنغص" عنوة على رئيس الحكومة ووزيره في الاتصال، وكأن لسان حالها يقول: ها نحن قاعدين هنا، فأرونا ما أنتما قادرين على فعله.

- المحطة الثانية، وتكمن في انسحاب حزب الاستقلال من الحكومة، شهورا فقط بعد تنصيبها، وهو الذي كان ثاويا خلف توازنها العددي، تاركا رئيس الحكومة بين خيارات لا يمكن ركوب ناصية المر ضمنها إلا لملاقاة ما هو أمر. فكان "تحالفه" الاضطراري مع حزبٍ (حزب التجمع الوطني للأحرار) كان منذ البدء في صف الأحزاب المعارضة للحكومة، وكان بينه وبين حزب رئيس الحكومة تقاذف بالألفاظ والشتائم والاتهامات المتبادلة، خيل إلينا في حينه أن الحزبين خطان متوازيان لا يلتقيان، فإذا بهما ينسيان حزازات الماضي ويتآلفان.

ومع أن التجمع الوطني للأحرار قد اقتص لنفسه مناصب معتبرة بالحكومة، فإنه بقي مشدودا إلى الخاصية "الإدارية" التي طبعته وجعلته يحن إلى دوره القديم، عوض التكيف مع الوضع الجديد، فتحايل وزيراه في المالية والفلاحة على القانون لاستصدار قرار سحب صندوق الفلاحة ذي الخمسين مليارا من تحت أقدام رئيس الحكومة، ثم بدأ الحزب إياه بعد ذلك، في كيل الاتهامات بـ"التحكم والهيمنة" لحزب رئيس الحكومة، وبدأ يزايد على هذا الأخير في ملف الأساتذة المتدربين المعلق، بل ويلمح وزيره في المالية إلى أن معضلة الملف هي من تعصب رئيس الحكومة لرأيه، ورفضه الأخذ بمسالك حل ملف بات مصدر احتقان اجتماعي بامتياز.

بهذه المحطة أيضا، خيل إلينا أن القشة التي ستقصم ظهر البعير قد أينعت، فإذا بثمارها تذبل قبل الأوان، بعدما انحنى البعير للموجة راضخا.

- المحطة الثالثة وتتمثل في عصيان وزير التربية والتعليم لتوجيهات رئيس الحكومة، بفرضه لإلزامية اللغة الفرنسية في بعض شعب التعليم الأساسي والثانوي، خلافا لـ"النزوع العروبي" لرئيس الحكومة. وعلى الرغم من توبيخ هذا الأخير لوزيره أثناء نقل مباشر لإحدى مداولات البرلمان، فإن وزير التربية الوطنية انتصر لرأيه وأصدر مراسيم تطبيق مشروعه في الفرنسة، ودخل بعد ذلك في حملة مقاطعة لم نعهدها في حكومات "المغرب المستقل" المتعاقبة.

رغم أن دستور العام 2011، قد ارتقى بمرتبة رئيس الحكومة ومنحها صلاحيات أوسع بكثير مما كانت لديها في ظل الدساتير السابقة، فإن الممارسة لا تزال تؤشر على أن آليات النسق السياسي تبقى محكومة وبقوة، بتداخل الصلاحيات والأدوار وكثرة الفاعلين المباشرين وغير المباشرين، وتضارب المواقف بين الولاء للحزب أو للحكومة أو لغيرهما

زعمنا في حينه، أن الأمور ستتطور إلى ما لا تحمد عقباه، لا سيما في ملف حساس كملف لغة التدريس، فإذا برئيس الحكومة يذعن ويتغاضى عن الأمر بعدما انتصر المجلس الأعلى للتعليم (أعلى هيئة لتحديد الإستراتيجية في الميدان) وانحاز لمنحى الوزير وتبنى اختياره بالجملة والتفصيل.

- المحطة الرابعة وتكمن في تحامل رئيس الحكومة على "وزيره" في الداخلية، جراء ما أسماه الأول "العنف المفرط" الذي مارسته قوى الأمن في حق الأساتذة المتدربين أثناء تظاهراتهم المتعددة أمام البرلمان، وتعبيره عن عدم استساغته لهذا الأسلوب، ليأتي الوزير إياه ويعترف أمام "نواب الأمة" بأن الأمر قد تم بعلم مسبق، بل وبتنسيق مع رئيس الحكومة.

كنا نتصور -هنا أيضا- أن البعد الأخلاقي سيؤثر على موقف رئيس الحكومة، لكنه تمادى في التصريح بأن لا علم له بالعنف الممارس، وكأن قرار التعنيف غير صادر عن عضو بحكومة قائمة.

- أما المحطة الخامسة فتتمثل في توالي الفضائح التي ثوى خلفها أكثر من وزير بالحكومة، من قبيل اقتناء وزير لأكياس من الشوكولاتة من مالية وزارته للاحتفاء بذكرى ميلاد أحد أقاربه، أو فيضانات ملعب العاصمة الرباط التي نتجت عن غش بائن في صفقة التعشيب، أو العلاقة الحميمية التي جمعت عضوين في الحكومة كانا على علاقة ما؛ وهما متزوجان ولديهما أبناء..الخ.

كنا نزعم كلما انفجرت نازلة من هذا العيار، أن أزمة ما ستقع، فإذا برئيس الحكومة يتجاوز عنها بغض الطرف تارة وبالتسويغ تارات أخرى، كما كان الحال مع مقولة "عفا الله عما سلف" أو قصص "العفاريت والتماسيح" وقس على ذلك.

(2)

ثمة العديد من القراءات التي بالإمكان إعمالها لفهم كيف أن لا قشة مما سبق قد استطاعت حقا قصم ظهر البعير حقا؛ بيد أنه بالإمكان تجميعها حول معطيات موضوعية وأخرى ذات طبيعة ذاتية صرفة.

أما المعطيات الموضوعية، فهي من ثلاثة مكونات أساسية:

- المكون الأول: على الرغم من أن دستور العام 2011، قد ارتقى بمرتبة رئيس الحكومة ومنحها صلاحيات أوسع بكثير مما كانت لديها في ظل الدساتير السابقة، فإن الممارسة لا تزال تؤشر على أن آليات النسق السياسي تبقى محكومة وبقوة، بتداخل الصلاحيات والأدوار وكثرة الفاعلين، المباشرين وغير المباشرين، وتضارب المواقف بين الولاء للحزب أو للحكومة أو لمستويات أخرى خارجية عنهما، اعتيد في المغرب على تسميتها بـ"المخزن العميق" أو حكومة الظل أو "الدولة العميقة" بمنطوق أدبيات "الربيع العربي".

لا يقتصر الأمر هنا فقط على استمرار احتكار المؤسسة الملكية للقرارات والتعيينات الإستراتيجية الكبرى، والتي منحته إياها مقتضيات الدستور بكل الأحوال، بل يتعداه إلى تشظي المشهد الحزبي وتراجع المبادئ والمرجعيات من بين ظهرانيه، لفائدة المصالح الفئوية الضيقة والحسابات السياسية التي تطبعها النفعية والرؤى القصيرة المدى.

لا تكمن قوة حزب الأصالة في خاصية معينة ما، حتى وإن كان مؤسسه هو مستشار الملك المقرب، بقدر ما تكمن في قدرته على استمالة أحزاب مشاركة في الحكومة، كانت إلى عهد قريب، أي قبل انطلاق انتفاضة 20 فبراير حليفته ومناصرته من أجل التصدي لحزب العدالة والتنمية

- المكون الثاني ومرده ما يسميه البعض بعيب التقطيع الانتخابي ونمط الاقتراع المعتمدين، حيث "لا يسمحان بإفراز حزب يحصل على أغلبية عددية كبيرة تمكنه من التحكم في تكوين حكومته والأحزاب المكونة لها، وهو من الآليات المعتمدة من طرف الملكية لتوجيه اللعبة السياسية والحفاظ على توازناتها الماكرو سياسية".

ولهذا السبب (ضمن أسباب أخرى دون شك) يبقى الحزب الفائز (الحاصل على أكبر عدد من المقاعد بالبرلمان) تحت رحمة تحالفات هجينة وهشة وغير منسجمة، نقطة قوتها أنها صمام أمان لاستمرارية الحكومة، حتى وإن كان عدد مقاعدها متواضعا.

- المكون الثالث ومؤداه تواجد حزب "نافذ" (حزب الأصالة والمعاصرة) لا أحد يختلف حول طبيعته وسياق نشأته وطموحه الجامح، وقدرته على خلط الأوراق من بين ظهراني الحكومة، وفي محيطها المباشر أيضا.. إنه الغريم الأقوى لحزب رئيس الحكومة، بل ولحكومته أيضا.

لا تكمن قوة هذا الحزب في خاصية معينة ما، حتى وإن كان مؤسسه هو مستشار الملك المقرب، بقدر ما تكمن في قدرته على استمالة أحزاب مشاركة في الحكومة، كانت إلى عهد قريب، أي قبل انطلاق انتفاضة 20 فبراير (الصيغة المغربية لانتفاضات "الربيع العربي") حليفته ومناصرته من أجل التصدي لحزب العدالة والتنمية الذي كان يقاسمها العداء "الإيديولوجي"، بل وحرمها من فرصة الوصول إلى السلطة وكانت قاب قوسين أو أدنى من بلوغها.

هذه المكونات الجوهرية هي التي دفعت رئيس الحكومة لأن يتغاضى عن الأزمات المتتالية، ويجاري الثاوين خلفها وكأن لسان حاله يقول: إما الالتفاف على الأمواج العاتية بأقل قدر من التكاليف، وإما أنها لن تتوانى في ابتزازه وتجريفه واقتلاعه من الجذور.

أما المكونات الذاتية، فتبدو لنا من شقين:

- الأول ويتمثل في ركوب رئيس الحكومة لناصية البراغماتية (حتى وإن قرأ فيها البعض شكلا من أشكال الانبطاح) والتكتيك للتجاوز على أزمات، يدرك جيدا أنها لن تكون لصالح إبقاء الحد الأدنى من اللحمة الحكومية للاعتبارات التي سقناها بمدخل هذه الورقة.

- الثاني ويكمن في توظيف بعض عناصر الأزمات المذكورة، للظهور بمظهر الضحية في الانتخابات المقبلة، وركوب ناصية المظلومية لاستدرار أصوات الناخبين. وهذا مصدر غنيمة معنوي ومادي لا يستهان به.

ومع أن هذين المكونين لا يخلوان كثيرا من وجاهة، فإن الدفع بهما في الحملة الانتخابية لصيف هذا العام، سيكون ثابتا، لكنه لن يكون كافيا بالمرة لا لتبرير حصيلة حكومة ولا لتسويغ سلوك وزراء.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة