الآثار الجيوسياسية للتفجير النووي الكوري   
الأربعاء 10/6/1430 هـ - الموافق 3/6/2009 م (آخر تحديث) الساعة 16:45 (مكة المكرمة)، 13:45 (غرينتش)

الزحف الكوري التدريجي
درع السلاح التقليدي
التخوف الكوري الشمالي
اختلال ميزان القوى
رد الفعل الأميركي
كوريا وإيران

يعتبر تطوير السلاح النووي لدى أي دولة دليلا على تقدم قدراتها العلمية والتقنية ذلك لما تتطلبه المسألة من جهود علمية وبحثية مكثفة ومتشعبة، ومن أدوات تقنية معقدة يدخل في تركيبها مواد يصعب تصنيعها.

وهو يتطلب رقيا في المعارف الفيزيائية التي ما زال أغلبها طي الكتمان، خاصة إذا كانت الدولة معتمدة على ذاتها فقط دون مساعدة خارجية، وتطور برنامجها سرا تحت طائلة التهديد القادم من دول نووية.

ربما لا يكون تطوير السلاح النووي مدعاة للفخار، لكن التقدم العلمي المصاحب لتطوير السلاح النووي يضع الدولة المعنية في مقدمة الدول ذات الطاقات والقدرات العلمية المتميزة.

الدخول في عالم الطاقة النووية بحد ذاته عبارة عن ولوج في عالم المستقبل الذي يمكن أن يكون بدون مصادر تقليدية للطاقة، ويستند بصورة أساسية على الطاقة النووية ومصادر الطاقة المتجددة.

الدول التي تحرص على مستقبل أجيالها لا بد أن تخطط للمستقبل حتى لا تتوقف عجلة الإنتاج لديها، وتتحول حياة جمهورها إلى جحيم. ولهذا يصعب على الدول الطامعة في السيطرة على العالم أن تتقبل تطوير مثل هذه القدرات لأنها بذلك تفقد العنصر الأساسي في إركاع الدول والشعوب، أو تطويع إرادتها.

أما الدول ذات الأنفة والإصرار على البقاء عزيزة فتوظف الكثير من إمكانياتها من أجل استقلالها في الطاقة. يتطلب هذا أيضا قدرات علمية وتقنية كبيرة، وهو يعتبر مقدمة لحيازة السلاح النووي.

دخلت كوريا الشمالية منذ العام 2006 النادي النووي بصورة خجولة عندما قامت بتفجير نووي متواضع، لكن تفجيرها للعام 2009 قد أدخلها بقوة إلى نادي الدول التي تملك أسلحة نووية.

فاجأت كوريا الشمالية العالم الغربي بالذات، فاشرأبت الأعناق، وخرجت التصريحات المتوعدة من عقالها على اعتبار أن التحدي قد خرج عن الخطوط الحمراء، وأصبح حقيقة واقعة بعد أن كان مجرد تخوف.

"
ربما استفادت كوريا من التجربة العراقية، وأدركت أن تطوير قدرات نووية عسكرية ليس بالأمر الهزل، ومن المهم اتقاء عواقب ردود فعل الغرب
"
الزحف الكوري التدريجي

قدرت القيادة الكورية منذ البدء بأن أي برنامج نووي سري لا يمكن أن يبقى سرا في هذا العالم الذي تطورت فيه وسائل الرصد والتجسس، وعليه كان لا بد أن تلعب لعبة القط والفأر مع العالم الغربي حتى لا تعرض نفسها لضربات استباقية تدمر مشروعها النووي.

لقد أقامت مشروعا سريا وعملت على المحافظة على سريته قدر الإمكان، ولم يكن الغرب غائبا عن هذه السرية بصورة تامة، لكنه لم يكن يدري بكل التفاصيل، ولم يكن قادرا على تقييم تقدمها النووي بدقة. وقد عملت كوريا على أن تظهر بمظهر التائه في كثير من الأحيان كجزء من سياسة التقية والتورية، ومن أجل كسب الوقت.

من الواضح أن السياسة الإيرانية في هذا المجال تتشابه مع السياسة الكورية، لكن السياسة العراقية في عهد الرئيس صدام حسين كانت مختلفة مما عجل بضرب المفاعل النووي العراقي. ربما استفادت كوريا من التجربة العراقية، وأدركت أن تطوير قدرات نووية عسكرية ليس بالأمر الهزل، ومن المهم اتقاء عواقب ردود فعل الغرب.

ولهذا بقيت كوريا تسير على حد السيف بطريقة تستمر فيها بمشروعها ودون أن تثير هجوما مبكرا على منشآتها.

درع السلاح التقليدي
بالإضافة إلى التكتم على برنامجها النووي، عملت كوريا الشمالية على تطوير قوة تقليدية ذات قدرة على الردع بحيث تحسب كل من كوريا الجنوبية والولايات المتحدة النتائج التي من الممكن أن تترتب على هجوم عسكري على المنشآت النووية.

طورت الشمالية جيشا مليونيا عقائديا منضبطا، مسلحا بآلاف الدبابات والمدافع، وبأعداد كبيرة من راجمات الصواريخ والصواريخ قصيرة ومتوسطة المدى.

تمتلك كوريا الشمالية قدرة نارية هائلة بحيث أنها تشكل خطرا كبيرا على القوات الأميركية المتواجدة في كوريا الجنوبية وعلى منشآتها، وتهديدا كبيرا للعاصمة سول التي يصفها بعضهم بالعاصمة الملتهبة، نسبة إلى ما يمكن أن يحدث لها لو نشبت الحرب.

طورت كوريا الشمالية قدرات صاروخية تصل إلى حوالي ألفي كيلومتر، وقادرة على تهديد اليابان، والسفن والمواقع العسكرية الأميركية المتواجدة في المنطقة وفي الجزء الشرقي من المحيط الهادي.

بمعنى أنها بنت قدرات عسكرية تجبر الولايات المتحدة وحلفاءها في المنطقة على التفكير مرارا قبل القيام بعمل عسكري. هذا الاحتياط في البناء العسكري عزز من قدرة كوريا الشمالية على المناورة والاستمرار في التفاوض في الوقت الذي استمر فيه البناء النووي.

 لكن نأخذ بعين الاعتبار أن نوعية السلاح الذي تملكه الولايات المتحدة والجنوبية متطور جدا ومتفوق بصورة كبيرة على سلاح الشمالية. إنما لدى الشمالية ميزة في قواتها الخاصة التي يصل تعدادها إلى حوالي خمسين ألف جندي.

التخوف الكوري الشمالي
استطاعت كوريا الشمالية الاستمرار في الوجود بفضل الدعم الصيني والروسي، ومن المعروف أن الدعم الصيني في بداية خمسينات القرن الماضي قد أنقذها من الاحتلال الأميركي. تنفست الولايات المتحدة الصعداء بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، ولم يبق أمامها عقبة غير الصين، ظنا منها بأن كوريا الشمالية لا تستطيع أن تتحمل الضغط الناجم عن غياب الاتحاد السوفياتي، وأرخت السبيل لأسطولها السابع المقيم في المحيط الهادي ليجوب البحار دون تحديات كبيرة. لكن يبدو أن القيادة الكورية الشمالية قد فضلت الجوع على الاستسلام، وركزت جهودها على تطوير برنامج التسليح النووي.

"
كانت كوريا الشمالية تتغطى بالاتحاد السوفياتي الذي لم يعد قائما، وهي الآن لا تثق بأن الدعم الصيني يمكن أن يصل إلى حدّ تهديد أميركا, وبالتالي كان قرارها الاعتماد على الذات على الرغم من المخاطر المتوقعة
"
ترى كوريا الشمالية أنها محاطة بالأعداء، وأن مستقبلها في خطر إن لم تمتلك قوة ردع تحول دون مهاجمتها. فهي تنظر إلى كوريا الجنوبية على أنها مستعمرة أميركية، وتأتمر بأوامر الإدارة الأميركية، هذا ناهيك عن عشرات آلاف الجنود الأميركيين المنتشرين في أكثر من ثمانين موقعا في كوريا الجنوبية، وأولئك الموجودين على الأرض اليابانية.

هذا فضلا عن القطع البحرية الأميركية العديدة المنتشرة في بحر اليابان وقبالة الشواطئ الكورية، والتي تشكل تهديدا مستمرا للنظام الشيوعي القائم. وترى أيضا أن اليابان تناصبها العداء وتعمل على إضعافها بشتى السبل، وتشارك دائما في الحصار المضروب والعقوبات المفروضة.

كوريا واليابان عبارة عن عدوين تقليديين ذلك لأن اليابان كانت دولة مستعمرة، ومتهمة من قبل الكوريين بأنها كانت قاسية واستغلت كوريا واستنزفت الشعب الكوري، وسببت لهم الكثير من المعاناة والأحزان.

كوريا الشمالية مصنفة من قبل الأميركيين مع العراق سابقا وإيران على أنها من محور الشر، ومعنى ذلك أنه يجب القضاء على النظام القائم فيها واستبداله بنظام تصنفه أميركا أنه من محور الخير. أميركا هاجمت العراق واحتلته، وأقصت النظام السياسي الذي كان قائما، وهي ما زالت تعمل على إضعاف إيران وتفرض عليها العقوبات.

والعبرة هنا ليست صعبة الاستخلاص، فما دامت أميركا مستمرة في جهودها لتغيير أنظمة الحكم في الدول التي تعارضها، فإن النظام الكوري يبقى تحت المجهر ويمكن أن يتعرض للهجوم تحت ظروف ترى أميركا أنها مناسبة.

كانت كوريا الشمالية تتغطى سابقا بالاتحاد السوفياتي الذي لم يعد قائما، وهي الآن لا تثق بأن الدعم الصيني يمكن أن يصل إلى حدّ تهديد أميركا بخاصة أن الصين لا تملك القدرات النووية الكافية لتتوازن مع القدرات الأميركية، وبالتالي كان قراراها الاعتماد على الذات على الرغم من المخاطر المتوقعة.

اختلال ميزان القوى
لا شك بأن التفجير النووي الكوري قد أحدث اختلالا في ميزان القوى في شرق آسيا، ويمكن أن يلقي بظلاله على الساحة الدولية من حيث دولة نووية جديدة قد برزت. كوريا الشمالية تملك الآن قوة الردع النووية على مستوى المنطقة، وربما ضمن نصف قطر يساوي ألفي كيلومتر، وهذا يعني أن قرار الهجوم عليها من قبل اليابان أو أميركا عبر كوريا الجنوبية يصطدم الآن بحقائق جديدة.

كان هناك تخوف مستمر من قبل أميركا وكوريا الجنوبية من مهاجمة كوريا الشمالية بسبب الدمار الذي يمكن أن تخلفه الحرب، وبسبب التوتر الذي يمكن أن ينشأ مع الصين والذي قد يؤدي إلى هجوم الصين على تايوان وضمها إلى الوطن الأم. حتى إن التخوف من هجوم كوريا الشمالية على الجنوبية قد ساد عبر سنوات، وبقيت القوات الأميركية والجنوبية متحفزة للرد على الهجوم المتوقع.

في ظل الوضع الجديد، عوامل كبح الهجوم الأميركي ازدادت وأصبحت أكثر تعقيدا، وعوامل التخوف من هجوم شمالي على الجنوبية قد ارتفعت. على الرغم من أنه من المستبعد استعمال القنبلة النووية، لكن وجودها يعطي ثقة لمن يملكها، ويرفع من تخوف من لا يملكها. تستطيع الآن كوريا الشمالية أن تتحدث بثقة أكبر، وهي تعي أنها تملك ما يمكن أن يشكل الخيار الأخير في مواجهة الأعداء.

شرق آسيا أصبح الآن في حالة بالغة التعقيد بسبب هذا التطور العسكري، وتتواجد فيه أربع قوى نووية: أميركا والتي توفر غطاء لكوريا الجنوبية واليابان وتايوان، والصين التي ما زالت تبني المزيد من الترسانة النووية والصواريخ العابرة للقارات، وروسيا التي يمكن أن تتغاضى بعض الشيء عن أعمال كوريا الشمالية، وكوريا الشمالية. إذا أزحنا روسيا، نستطيع القول بأن المنطقة تشهد ازدحاما في السلاح النووي مع مشاعر عداء مستحكمة. هذا وسيصبح هذا الشرق أكثر تعقيدا وخطورة إذا طورت الشمالية صواريخ عابرة للقارات قادرة على حمل رؤوس نووية.

رد الفعل الأميركي
لجأت أميركا فور إعلان كوريا عن تجربتها النووية إلى مجلس الأمن لتشديد العقوبات المفروضة منذ فترة، علما أن العقوبات لم تؤد إلى النتائج المرجوة، ولم تحل دون حصول كوريا على ما تحتاجه من مواد. اصطدمت أميركا بالموقفين الروسي والصيني اللذين فضلا التريث مع نية واضحة بعدم الذهاب بالأمور إلى التوتير الذي تسعى إليه أميركا.

"
ستصعد أميركا من لهجتها، وستشدد العقوبات على كوريا الشمالية، وستحاول إقناع روسيا والصين بضرورة عزل كوريا وتصعيد العقوبات ضدها، لكن كل هذا لا يرتقي إلى حد تجريد كوريا من قدراتها الجديدة
"
أطلقت أميركا العنان لتصريحاتها وكان من أشدها أنها لا تقبل بكوريا نووية. لكن ما الذي يمكن أن تفعله أميركا تحت الظروف الحالية؟ أميركا تواجه مشاكل داخلية وخارجية كثيرة على رأسها الأزمة المالية وأفغانستان والعراق، وهي ليست بحاجة إلى المزيد من الحروب ونزف الدماء.

الهجوم على كوريا الشمالية ممكن لكنه مكلف وغير متوقع النتائج، وهو عبارة عن مغامرة كبيرة ستكلف كوريا الجنوبية الكثير من القتل والدمار، وستكلف أميركا العديد من الجنود، ومن المحتمل أن يطال اليابان شيء من الدمار.

والسؤال الذي يبقى في الأذهان هو: هل ستستعمل كوريا الشمالية النووي لو تعرضت لهجوم وشعرت أنها على أبواب هزيمة؟ حتى الآن، لم يستخدم النووي إلا مرة واحدة في التاريخ، وربما يستعمل مرة ثانية، أيضا في شرق آسيا.

ستصعد أميركا من لهجتها، وستشدد العقوبات على كوريا الشمالية، وستحاول إقناع روسيا والصين بضرورة عزل كوريا وتصعيد العقوبات ضدها، لكن كل هذا لا يرتقي إلى حد تجريد كوريا من قدراتها الجديدة.

كوريا وإيران
ستستفيد إيران من التطور النووي الكوري، هذا إن لم تكن شريكا في التجربة النووية الأخيرة. صحيح أن النظام الشيوعي القائم في كوريا لا ينسجم مع الفكرة الإسلامية، لكن إيران دولة عملية ولن تعطل التعاون لأسباب أيديولوجية.

كوريا تستطيع مضايقة الولايات المتحدة بالتعاون مع دول غير مقبولة أميركيا، وبإمكانها أن تبيع بعض أسرار السلاح النووي نظرا لحاجتها الماسة للمال. إيران مستعدة لتبادل الخبرات، ولن تمانع في تقديم المال.

المعنى أن آثار التفجير النووي الكوري ستمتد إلى المنطقة العربية الإسلامية، مما سيضع إسرائيل وأميركا أمام تحديات جديدة. وإذا كان هناك من يتوقع انعكاسات عالمية لهذا التفجير فإن توقعه ليس بعيدا عن الصواب.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة