أسباب الاقتتال الفلسطيني   
الخميس 1428/5/15 هـ - الموافق 31/5/2007 م (آخر تحديث) الساعة 15:03 (مكة المكرمة)، 12:03 (غرينتش)


عبد الستار قاسم

- خلفية تاريخية
- اتفاق أوسلو يؤسس للاقتتال
- التركيبة الفصائلية
- الأجهزة الأمنية الفلسطينية

أسئلة كثيرة مستهجنة تُطرح حول الاقتتال الفلسطيني، في محاولة من قبل السائلين استجلاء الحيرة، خاصة أن شعب فلسطين لم يعد إلى وطنه، والاحتلال لا يزال جاثما، والدولة الفلسطينية المستقلة لا تزال بعيدة المنال، لا توجد غنائم توجب الاقتتال ولا يوجد فلسطيني داخل فلسطين لا يقع تحت طائلة الاحتلال.

يتفاءل الناس كثيرا مع كل إعلان لوقف إطلاق النار بين فتح وحماس، ويظن المراقبون أن الاقتتال في غزة قد ولى إلى غير رجعة فتفاجئهم الأحداث ويتبينون أن حساباتهم كانت غير دقيقة.

تهدأ غزة حينا وترتاح قليلا، ثم تندلع الاشتباكات من جديد. يخرج علينا قادة الفصيلين الكبيرين في وسائل الإعلام بتصريحات حول اتفاق بسحب المسلحين من الشوارع، وما ينهون مؤتمرهم أو تصريحاتهم حتى ينطلق الرصاص من جديد. لماذا الاقتتال؟ ولماذا هناك توقعات باندلاعه من جديد؟

"
تم التحذير كثيرا من أن الاتفاقات تبذر الاقتتال الداخلي، وحاول بعض المثقفين تبيان أن الوفاق الداخلي الفلسطيني أهم بكثير من أي اتفاق يمكن أن يوقع مع إسرائيل، لكن الآذان لم تكن مفتوحة
"
خلفية تاريخية
اقتتال عام 2007 ليس الاقتتال الوحيد بين الفلسطينيين، بل هو تكرار لاقتتال سابق امتد على فترة طويلة من الزمن، حصل اقتتال بين الفصائل الفلسطينية أثناء وجود المقاومة الفلسطينية في الأردن، خاصة بين فتح والجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بسبب التنافس الذي كان قائما بينهما.

واحتدم التنافس بعد عام 1967 بين فتح "الوطنية" والجبهة الشعبية "القومية" على قيادة المقاومة الفلسطينية التي كانت آخذة في الازدهار عقب هزيمة يونيو/حزيران.

تربعت فتح على عرش منظمة التحرير عام 1968 على اعتبار أنها الفصيلة الفلسطينية المقاومة الكبيرة التي تخوض معركة التحرير، بينما كانت الجبهة الشعبية في طور التكوين بعد أن تركت فلسفتها الوحدوية القومية في سبات دون التخلي عنها. كان التنافس قائما بين فلسطنة القضية الفلسطينية وبين البحث عن البعد العربي لها.

واصل الفلسطينيون اقتتالهم أثناء وجود المقاومة في لبنان، فاقتتلت حركة فتح تقريبا مع الجميع، واقتتلت أيضا مع فئات لبنانية. حصلت بعض المعارك بين فصائل فلسطينية، لكن لوحظ أن حركة فتح كانت في الغالب الطرف الآخر.

أدت الانشقاقات التي كانت تحصل في الفصائل الفلسطينية إلى معارك بين التنظيم الأم والمنشقين. اشتبك مؤيدو الجبهة الشعبية مع الذين خرجوا عن الجبهة ليشكلوا الجبهة الديمقراطية، واقتتل أنصار فتح مع أنصار فتح المجلس الثوري.

وأشد هذه الاشتباكات كانت عام 1983 بين حركة فتح بقيادة عرفات وحركة فتح الانتفاضة بقيادة أبي موسى والتي انتهت بخروج عرفات ومؤيديه من منطقة طرابلس الشام.

في الضفة الغربية وقطاع غزة، كانت تحصل بعض الاحتكاكات بين مناصري الفصائل، كانت تصل أحيانا إلى حد الاشتباك بالأيدي. حصلت مثل هذه الاشتباكات بين مناصري فتح ومناصري الحركة الإسلامية (قبل حماس) في عدد من المواقع، وبين مناصري فتح وفصائل أخرى عقب اتفاق عمان لعام 1984، وبيان نبذ الإرهاب الصادر عن عرفات عام 1985؛ وقامت أطراف بمهاجمة بيوت من أيدوا حركة فتح الانتفاضة بالحجارة.

بعد اتفاق أوسلو حصل توتر كبير بين مناصري الفصائل المختلفة، ولكن الاشتباكات بقيت في حيز فردي، وضمن الأيدي التي لا تقبض على السلاح.

ولكن حصلت اشتباكات بين الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية. اشتبك الأمن الوقائي مع المخابرات، والمخابرات مع الاستخبارات، والاستخبارات مع الأمن الرئاسي.. إلخ.

يبدو أن هذه الاشتباكات كانت تدور بسبب منافسات شخصية بين قيادات في الأجهزة لا لأسباب أيديولوجية أو سياسية أو فكرية.

اتفاق أوسلو يؤسس للاقتتال
كان من المتوقع منذ اليوم الأول لتوقيع اتفاق أوسلو أن يحصل اقتتال فلسطيني، بل إن رسالة عرفات إلى رابين التي أرسلت قبل توقيع الاتفاق بعدة أيام تؤسس للاقتتال لأنها تعهدت بمقاومة الإرهاب.

نصت الرسالة ".. وعليه فإن المنظمة تشجب استخدام الإرهاب وأعمال العنف الأخرى وستتولى المسؤولية على جميع عناصر المنظمة وموظفيها لضمان امتثالهم ومنع خرق هذا التعهد ومعاقبة خارقيه." لم تتحدث الرسالة عن الإرهاب الفلسطيني، لكنه لا يوجد أحد ظن أن الرسالة تتحدث عن الإرهاب في أميركا اللاتينية أو أفريقيا.

أما اتفاق أوسلو فنص على: "وسيتم تنفيذ تدريجي للمزيد من إعادة التموضع في مواقع محددة بالتناسب مع تولي المسؤولية عن النظام العام والأمن الداخلي من قبل قوة الشرطة الفلسطينية وفقا للمادة 8 أعلاه". المادة 8 تتحدث عن الأمن والأمن الإجمالي الذي تتولاه السلطة الفلسطينية وإسرائيل.

كانت اتفاقية طابا أكثر وضوحا وصراحة عندما تعهدت السلطة الفلسطينية بملاحقة الإرهاب والإرهابيين، وبعدم ملاحقة المتعاونين مع إسرائيل وعدم مساءلتهم.

هذه اتفاقات وتعهدات تضع الفلسطيني ضد الفلسطيني، وتحرض وتولد الكراهية والبغضاء بين الفلسطينيين، وقد حصل عمليا أن قامت السلطة الفلسطينية باعتقال مئات الفلسطينيين وزجت بهم في السجون بلا سبب واضح ودون تقديمهم لمحاكمة.

من شأن الاتفاقيات أن تزرع بذور الاقتتال في النهاية. صبرت حماس والجهاد الإسلامي كثيرا على الاعتقالات التي تمت ضد عناصرهما، لكن لم يكن من المتوقع أن يطول هذا الصبر، خاصة بعد أن تتم مراكمة قوة كافية قادرة على مواجهة أجهزة الأمن الفلسطينية.

تم التحذير كثيرا من خطورة المسألة، والآلام المنتظرة مستقبلا نتيجة الاحتكاكات المباشرة وغير المباشرة. وقد حاول بعض المثقفين، كنت من بينهم، القول بأن الوفاق الداخلي الفلسطيني أهم بكثير من أي اتفاق يمكن أن يوقع مع إسرائيل، لكن الآذان لم تكن مفتوحة.

"
لم يكن من المتوقع أن تعين القيادة الفلسطينية في قيادة الأجهزة الأمنية أناسا يلتزمون بالمقاومة، ولم يكن لإسرائيل أن توافق إلا على تعيين من تراهم مناسبين لأمنها. ولهذا فإن الأجهزة الأمنية ليست موجودة حقيقة للدفاع عن الأمن الفلسطيني وإنما عن الأمن الإسرائيلي
"
التركيبة الفصائلية
بنية الفصائل الفلسطينية تؤسس للاقتتال لأنها لا تقيم تنظيمات حديثة قادرة على استيعاب الآخر وتركز جهودها على تحقيق الهدف من خلال الإنجاز.

الفصائل الفلسطينية ليست فصائل مقاومة تماما، وهي أقرب إلى القبائل منها إلى التنظيم السياسي. وتتميز بعقلية منغلقة، وبشعور بالتفوق على الآخرين، وبظن كل فصيلة من هذه الفصائل أنها تملك الحقيقة المطلقة.

يتم تشريب أفراد كل فصيلة ثقافيا بعقلية عنصرية تمجد الذات وتحط من قيمة الفصائل الأخرى وتربي في داخلهم الحقد والبغضاء تجاه الآخرين. تربية الفصائل تقوم على التشنج ضد الآخرين وعدم قبولهم والتعامل معهم بحذر شديد.

ومثل هذه التربية لا يمكن أن تؤدي إلى سلم أهلي أو إلى تعاون بين الفصائل، ومن شأنها أن تلحق الوطن بالفصيلة فتصبح القيم الوطنية تابعة للقيم الفصائلية وتُعرف وفقها.

كل فصيلة من الفصائل تعرف المصلحة الوطنية بالطريقة التي تراها متناسبة تماما مع رؤيتها ومصالحها الخاصة. تركز الفصائل الفلسطينية كثيرا على الإسقاط على حساب الإنجاز. تبحث كل فصيلة وبالذات فتح وحماس عن أخطاء الفصيلة الأخرى لتبهرها وتضخمها وتعظمها وتصورها على أنها كارثة مرعبة ستلحق بالشعب الفلسطيني الدمار. حيث لسان الحال يقول: خطأ الفصيلة الأخرى كبير مهما كان صغيرا، وخطأ فصيلتنا صغير مهما كان كبيرا.

بيانات التشهير المتبادلة لا تحصى، والاتهامات والاتهامات المضادة في وسائل الإعلام لا تنتهي، وبث الكراهية والبغضاء في صفوف الشباب عبارة عن سياسة ثابتة.

أحزاب العالم تحاول أن تكسب شعبية من خلال الإنجاز الذي يمثل صدق الحزب في الأقوال والأعمال. صحيح أن الأحزاب تشن هجوما متبادلا في مختلف دول العالم، لكن لا تكون تعليقاتها ذات مبالغات، ولا مجرد اتهامات بدون أرضية.

في فلسطين الاتهامات تتم ليل نهار، وبسبب وبدون سبب، وعبر وسائل وأساليب متعددة. ومن شأن هذا أن يزرع بذور الفتنة والصدام.

الأجهزة الأمنية الفلسطينية
الأجهزة الأمنية الفلسطينية منبثقة عن الاتفاقيات مع إسرائيل، وهي مسؤولة عن ملاحقة الإرهاب والإرهابيين، أي المقاومة الفلسطينية والمقاومين.

وقد سبق للأجهزة الأمنية أن أعلنت عن إحباط عمليات استشهادية، وتفكيك معامل لصناعة المتفجرات، وسبق لها أن سلمت مجاهدين مثل خلية صوريف التابعة لحماس لإسرائيل، ونقلت كما هائلا من المعلومات لأجهزة الأمن الإسرائيلية. ولهذا كانت القيادة الفلسطينية حريصة على تنصيب أشخاص لديهم إرادة تطبيق الاتفاقيات على رأس هذه الأجهزة.

لم يكن من المتوقع أن تعين القيادة الفلسطينية في قيادة الأجهزة الأمنية أناسا يلتزمون بالمقاومة، ولم يكن لإسرائيل أن توافق إلا على تعيين من تراهم مناسبين لأمنها. ولهذا فإن الأجهزة الأمنية ليست موجودة حقيقة للدفاع عن الأمن الفلسطيني وإنما عن الأمن الإسرائيلي.

تضارب الأمن الفلسطيني باستمرار مع الأمن الإسرائيلي، ووجدت الأجهزة الأمنية نفسها في مواقع جدلية دفاعية شبيهة بجدلية الأنظمة العربية التي تقول بأن الاتفاق مع إسرائيل يخدم الأمن العربي.

صحيح أن غياب المقاومة الفلسطينية يجنب الفلسطينيين عمليات الانتقام الإسرائيلية، لكن بدون مقاومة تضيع الحقوق. هنا تعددت تعريفات المصلحة الوطنية، وتبعا لها ازدادت حدة الاتهامات التخوينية في الساحة الفلسطينية.

"
لم تدرك حماس أن القوة المسلحة الداخلية عند شعب تحت الاحتلال ترتد ضده، لأن الاحتلال يحاول دائما إشعال النار، فارتكبت نفس الخطأ الذي ارتكبته فتح عندما أنشأت الأجهزة الأمنية
"
وبهذا فتحت منذ عام 1994 الأبواب تماما أمام المخابرات الصهيونية لترسل الأسلحة والذخائر إلى سوق الضفة الغربية وغزة، إلى أن وصل الحد إلى بيع الأسلحة على بسط الباعة في الأماكن العامة.

وقد سارع الجهال والأشقياء (الزعران) في الساحة الفلسطينية إلى شراء هذه الأسلحة، وكان من الواضح أن الشعب الفلسطيني مقبل على مأساة حقيقية تتعلق بالسلم الأهلي.

أطلق العديد من الناس الصرخات من أجل أن يقوم عرفات بوقف هذا الأمر ولكن بدون جدوى. وقد حصل مرارا أن أطلق هؤلاء الزعران النار على الناس وقتلوا وجرحوا، ولم يتعرضوا لعقاب من قبل السلطة الفلسطينية، ومنهم من حصل على ترقية وحظوة.

إلا أنه لا يمكن لرئيس السلطة الفلسطينية المؤيد لاتفاق أوسلو أن يتعاون أمنيا مع أي وزير داخلية فلسطيني يريد إقامة سلم أمني بمعزل عن اتفاق أوسلو. وإذا كان سيفعل فإن عليه أولا إقالة قادة الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وفتح المجال أمام قادة جدد يؤمنون بضرورة تصحيح الأوضاع الأمنية الفلسطينية.

في هذه الفترة بالتحديد، رئيس السلطة الفلسطينية لا يستطيع إقالة أي قائد أمني لأن جميع قادة الأجهزة الأمنية أكثر قوة ونفوذا منه، وهو يعلم أنه يغامر بنفسه إذا كان سيقدم على مثل هذه الخطوة.

إضافة إلى ذلك فإن إسرائيل وأميركا تحرضان على الاقتتال الفلسطيني، ونحن نعلم أن أميركا تمد أطرافا فلسطينية بالمال والسلاح، ولم تخف إسرائيل الأمر إذ قالت مرارا بأنها تسلم عباس وبعض الفلسطينيين أسلحة جديدة، ولم يخف بوش مساعداته المالية لبعض الفلسطينيين.

وقد أخطأت حماس عندما قامت بتشكيل الحكومة التي كان من الصواب تسليمها للمستقلين، وأخطأت عندما أنشأت القوة التنفيذية، لأن حماس ظنت أنها تستطيع أن تحقق الهدوء واستتباب المؤسسات بعد فوزها بالانتخابات من خلال إنشاء قوة ردع.

لم تدرك حماس أن القوة المسلحة الداخلية لشعب تحت الاحتلال ترتد ضده، وذلك بسبب وجود الاحتلال الذي يحاول دائما إشعال النار. ارتكبت حماس نفس الخطأ الذي ارتكبته فتح عندما أنشأت الأجهزة الأمنية.

وحتى يكون بالإمكان وقف الاقتتال الفلسطيني فإنه لا مفر من القضاء على الأسباب. أما العلاج التلفزيوني أو البروتوكولي فلا قيمة له، وتجربتنا مع اتفاق مكة الذي عالج مسألة إطلاق النار وترك أرضية اللهيب بدون بحث واضحة وباءت بالفشل.

المعنى أن المشوار طويل، ولا تشير الأوضاع إلى أن قادة الفصائل يملكون الاتزان المطلوب لتحقيق الهدوء والتعاون.
__________________
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة