تفكيك حركة تحرر وطني.. فتح نموذجا   
الأحد 1430/8/3 هـ - الموافق 26/7/2009 م (آخر تحديث) الساعة 16:23 (مكة المكرمة)، 13:23 (غرينتش)
ماجد كيالي


لم تبدأ أزمة حركة فتح مع تصريحات أبو اللطف، ولا مع قرار عقد المؤتمر العام السادس لهذه الحركة في الأرض المحتلة، ولا مع تفرد محمود عباس بالموارد والقرارات، من موقعه كرئيس للسلطة والمنظمة وكقائد لفتح، كما أن هذه الأزمة ليست فقط نتاج تحول فتح نحو التسوية، ولا نتاج عقدها اتفاقات أوسلو وإقامة سلطة من دون إنجاز مرحلة التحرر الوطني فحسب.

"
الأرجح، برغم الادعاءات السياسية، أن الخلاف بين أعضاء قيادة فتح هو حول المكانة والدور، بشأن تقاسم كعكة السلطة والقيادة في فتح والساحة الفلسطينية
"
ما نقصده هنا هو أن أزمة حركة فتح، إضافة إلى كل ما تقدم، هي أزمة عضوية تطال بني هذه الحركة وعلاقاتها الداخلية وأشكال عملها، وقد بينا في مقالات سابقة كل ذلك (راجع مادتنا في الجزيرة نت 22/6).

هكذا، فإن التساؤلات حول واقع هذه الحركة وضعف أهلية قيادتها لا تقتصر على ما طرحه أبو اللطف، وإنما هي أكبر وأعمق وأشمل بكثير، وهذه التساؤلات تضع قيادة الحركة كلها في موقع التساؤل، وبدون استثناء (أي بما في ذلك أبو اللطف نفسه) لأنها هي التي ظلت تتحكم في إدارة الساحة الفلسطينية، وتتصرف بمواردها، وهي التي حددت مساراتها وتوجهاتها، وهي المسؤولة عن وصول فتح إلى هذه الحالة من التردي وتراجع المكانة وضعف الدور.

ومثلا، فمن المسؤول عن تهميش وتغييب منظمة التحرير الفلسطينية؟ ومن المسؤول عن هذا الضعف المزمن في المنظمات الشعبية والمؤسسات القيادية الفلسطينية؟ ومن المسؤول عن عقد اتفاق أوسلو وفرضه (من خلف الإطارات الشرعية) بكل الإجحاف المتضمن فيه (لا سيما بترحيل القضايا الأساسية مثل قضايا الاستيطان والقدس واللاجئين والحدود) لمجرد إقامة سلطة وظيفية؟.

ومن المسؤول عن ضعف كيان السلطة وتحولها إلى مجرد جهاز خدماتي وأمني؟ ومن المسؤول عن تحويل القضية الفلسطينية إلى مجرد قضية تنازع على أراض بين "حقين" و"شعبين" وتحويلها في الأغلب إلى مجرد قضية إنسانية وحواجز وقضية جلب أموال من الدول المانحة؟.

وبالنسبة لحركة فتح، فمن المسؤول عن حال التسيب والجمود و"الانفلاش" في هذه الحركة؟ ومن المسؤول عن صوغ حركة فتح على شكل بنية هلامية غير واضحة المعالم؟ ومن المسؤول عن غياب العلاقات الديمقراطية والمؤسسية والتعددية والروح الكفاحية في حركة فتح؟.

ثم من هو المسؤول عن خسارة فتح للانتخابات التشريعية 2006؟ ومن هو المسؤول عن انهيار وضعها في قطاع غزة 2007؟ ولماذا لم تتم محاسبة المسؤولين عن هذا وذاك؟.

ثم أين ذهبت أموال حركة فتح وكيف سيطر محمد رشيد (خالد سلام) على جزء كبير منها وما زال ولماذا؟ وكيف بات محمد دحلان يتحكم في تقرير مستقبل الحركة وبأي حق؟ ولماذا لا يتم الكشف عن عوامل المساندة التي تمكنه من ذلك؟ وكيف تم السكوت عن مساءلته عن ما بدر منه من مواقف وما قام به من أعمال إبان وجود الرئيس الراحل ياسر عرفات وبعده؟.

طبعا، لا نقصد من هذا الكلام حصر معضلات الساحة الفلسطينية في هذه المشكلات، فهذه الساحة لم تشهد مرة في تاريخها مراجعة جادة ومسؤولة، لتجاربها المريرة وإخفاقاتها المزمنة من الأردن إلى لبنان، ومن تجربة الكفاح المسلح إلى تجربة الانتفاضة، إلى التجربتين الكيانيتين المتمثلتين بالمنظمة والسلطة. كما لم تجر مراجعة لأوضاعها وبناها وعلاقاتها الداخلية وأشكال عملها، وطرق نضالها. ولم تتم ولا مرة محاسبة أحد عن أي موقف أو قرار أضر بالعمل الفلسطيني.

ولعل غياب المساءلة والمكاشفة، وغياب التفكير النقدي، هو الذي أسهم في وصول الساحة الفلسطينية (وضمنها فتح) إلى هذه الحالة من التردي، وهي التي تسهم في إشاعة الإحباط بين الفلسطينيين، على ما يعانونه من ويلات الاحتلال ومشكلات اللجوء والشتات.

عموما، فإننا ونحن نضع كل هذه الأسئلة برسم حركة فتح وقيادتها ننطلق في ذلك من موقعها القيادي الذي تبوأته في الساحة الفلسطينية، على امتداد العقود الأربعة الماضية، بمعنى أن مسؤولية حركة فتح هي تماما بقدر موقعها القيادي، مع تقديرنا للدور الكبير الذي اضطلعت به من أجل إبراز القضية الفلسطينية وتأكيد حضور الشعب الفلسطيني وصوغ هويته الوطنية.

"
ما فاقم من الالتباس بين مشروعي السلطة والثورة، ومن الفوضى السياسية والتنظيمية في حركة فتح هو طريقة عمل ياسر عرفات الأبوية والمزاجية، وتغييب المؤسسات القيادية
"
كذلك فإننا هنا نميز بين التضحيات والبطولات التي قدمها الشعب الفلسطيني ومناضلو فتح (بما في ذلك قيادتها التي استشهد غالبيتها) وبين طريقة قيادة هذه الحركة في العمل. كما نميز بين الظروف الموضوعية الصعبة التي أحاطت بعمل هذه الحركة وبين عوامل القصور الذاتية فيها.

والمؤسف أن الخلاف الظاهر بين قيادة فتح ليس له علاقة بالتوجهات السياسية التي تعتمدها هذه الحركة (برغم التباين الظاهر بين أعضائها)، ولا علاقة له بكيفية إدارة هذه الحركة للعمل الفلسطيني على صعيدي السلطة والمنظمة، والمقاومة والمفاوضة، كما ليس للأمر علاقة بتطوير هذه الحركة، أو إصلاح أوضاعها، لتمكينها من الإجابة على الأسئلة الجديدة التي بات يطرحها الواقع الفلسطيني، بتغيراته وتحولاته.

فهذه القيادة لم تفعل شيئا على كل هذه الأصعدة. والأرجح، وبرغم الادعاءات السياسية فإن الخلاف بين أعضاء هذه القيادة هو حول المكانة والدور، بشأن تقاسم كعكة السلطة والقيادة في فتح والساحة الفلسطينية.

الآن وبمعزل عن هذه التساؤلات التي دفع الفلسطينيون ثمنها باهظا من معاناتهم ودمهم وعمرهم، فإن ما يجري في الساحة الفلسطينية، وخصوصا في فتح، هو بمثابة إعلان عن الانتهاء من حالة والتحول إلى حالة أخرى.

المعنى هنا هو أن حركة التحرر الفلسطينية انتهت عمليا بعد عقد اتفاق أوسلو 1993 كما أسلفنا، ولكن هذا التحول لم يجر الاعتراف به علنا، وكان الرئيس ياسر عرفات بشخصيته وطريقته الرمزية في العمل أخر هذا الإعلان، فبقيت الساحة الفلسطينية في حالة التباس بين حركة التحرر الوطني وحركة الاستقلال، وبين التسوية والمقاومة، وبين المفاوضة والانتفاضة.

فيما بعد فإن غياب ياسر عرفات، وصعود أبو مازن، بفهمه وبما يمثله، عجل من مسار الانتهاء من الحالة السابقة للانتقال إلى الحالة الجديدة.

وبكلمة أخرى فإن أبو مازن إنما يكمل مسيرة بدأت في عهد الرئيس الراحل ياسر عرفات، وهي مسيرة تتأسس على انزياح وتآكل النظام الفصائلي، أو نظام حركة التحرر الوطني، بعد أن ضعفت شرعيته "الثورية" لتعذر استمرار الوظيفة النضالية التحررية التي تأسست عليها، وأيضا، بحكم انحسار الشرعية التمثيلية لمثل هذا النظام، كما بينت الانتخابات التشريعية 2006.

فلم يعد من الممكن الاستمرار بادعاء المقاومة وممارسة السلطة تحت الاحتلال، ولم يعد بالإمكان طرح الشعارات الكبيرة والجلوس على طاولة المفاوضات، ولم تعد بالإمكان مصارعة إسرائيل والسعي للتنسيق معها في ما يتعلق بشؤون السلطة والشؤون الحياتية للفلسطينيين.

وباختصار فقد أدى اتفاق أوسلو إلى تداعيات نوعية كثيرة، فثمة اليوم أجهزة أمنية مهمتها الحفاظ على الأمن بالتنسيق مع إسرائيل، وثمة علاقات وظيفية وعلاقات اعتمادية كبيرة بين السلطة والسلطات الإسرائيلية.

على أية حال فما يعنينا هنا هو مراقبة التحولات التي ستطرأ على حركة فتح، التي انتقلت في مرحلة سابقة من حركة تحرر وطني إلى حركة تسعى للاستقلال على جزء من التراب الوطني، ومن حركة تتوسل بالكفاح المسلح لتحرير الأرض واستعادة الحقوق، إلى حركة تتوسل بالتسوية والمفاوضات لتحقيق ذلك، ومن حركة تعتمد على الجماهير في فرض شرعيتها، إلى حركة تعتمد على السلطة لتثبيت هذه الشرعية.

وتفيد هذه التحولات أن فتح يمكن أن تنقلب على ذاتها (بوعي أو من دونه)، لضعف مرتكزاتها المؤسسية والتمثيلية، وافتقادها لعلاقات ديمقراطية وحياة داخلية حقيقية، وارتكازها في تعزيز شرعيتها على عوامل الهيمنة والسلطة (العسكرية والسياسية والمالية) أكثر من عوامل الإقناع والمشاركة السياسية.

ومن الجدير ذكره أن التحول الذي شهدته حركة فتح ليس حالة استثنائية وإنما هو تأكيد لمسارات تجارب حركات تحرر وطني أخرى في العالم الثالث (الجزائر واليمن الديمقراطي والأحزاب التي استلمت السلطة في عديد من البلدان العربية وصولا إلى بلدان المنظومة الشيوعية سابقا).

فالحركات والأحزاب التي كانت تتوسل بالجماهير للوصول إلى الشرعية وحيازة القوة والسلطة ارتدت على هذه الجماهير، والشعارات التي أشهرتها وضعت على الرفّ، بل وجرى التحول نحو عكسها. أما النظام السياسي الذي تم بناؤه فهو كناية عن سلطة (بغض النظر عن شكلها)، لا تخضع في معظم الأحوال لا لقانون ولا لمراقبة ولا لمحاسبة.

"
من المفارقة أن حركة فتح التي دشنت الوطنية الفلسطينية المعاصرة هي ذاتها التي تمهد لتدشين مرحلة جديدة لا يعرف أحد طبيعتها أو تداعياتها على شعب فلسطين وقضيته وحركته الوطنية
"
وقد ولجت حركة فتح هذا المسار بتحولها إلى حزب للسلطة، بعد اتفاق أوسلو، وتخليها عن طبيعتها كحركة تحرر وطني (قبل إنجاز هدف إنهاء الاحتلال) أي في ظل قيادة الرئيس الراحل ياسر عرفات الذي فرض نفسه حينها رئيسا وقائدا وزعيما للمنظمة والسلطة وفتح والشعب في الوقت ذاته (من دون التبصر بعواقب ذلك) على القضية وعلى حركة التحرر الفلسطينية بما فيها حركته فتح، ما أدى إلى حصول هذا الالتباس بين مشروعي السلطة والثورة، وبين طبيعتي ووظيفتي حركة التحرر والحزب الحاكم.

وما فاقم من هذه الإشكالية الفوضى السياسية والتنظيمية في حركة فتح ذاتها، طريقة عمل ياسر عرفات الأبوية والمزاجية، وتغييب المؤسسات القيادية، وتعظيم الشللية ومراكز القوى، وتفشي علاقات الفساد والمحسوبية والزبائنية في العمل الفلسطيني.

هكذا، فإن ياسر عرفات برغم كل ما له، يتحمل مسؤولية التحول في بنية فتح والمنظمة وتهميشهما لصالح السلطة، كما يتحمل مسؤولية بناء النظام الفلسطيني -وضمنه كيان السلطة- على قواعد نبذ الروح المؤسسية والنقد والمراجعة والمحاسبة، لصالح واقع التسيب والترهل والفساد ومراكز القوى (في فتح والسلطة)، وما يقوم به أبو مازن ليس إلا استمرارا لهذا المسار وتقنينا له فحسب.

ويستنتج من كل ما تقدم أن الساحة الفلسطينية بعد اتفاق أوسلو وقيام السلطة عام 1993، وبعد التداعيات الناجمة عن تعثر عملية التسوية واندلاع الانتفاضة والمواجهات المسلحة منذ عام 2001، وأيضا بعد صعود حركة حماس وانقسام الكيان الفلسطيني 2007، باتت مادة سهلة بل وقابلة لإعادة التفكيك.

والمشكلة أن إعادة التفكيك هذه تجري بفعل قوى داخلية وحوامل خارجية، وهي تختلف عن عملية المراجعة وإعادة الصياغة التي تضطلع فيها القوى الداخلية بالدور الرئيس، ويكون موضوعها المراجعة النقدية وإعادة البناء والتطوير.

الآن، ربما ثمة سؤال يطرح نفسه عن قدرة أبو مازن على السير في هذا المشروع، بغض النظر عن تقييمه سلبا أو إيجابا. وفي هذا المجال يمكن القول بأن أبو مازن يمتلك كل أوراق القوة الداخلية والخارجية للمضي في تنفيذ قراراته وتوجهاته في فتح والسلطة، خصوصا أنه هو والاتجاه المؤيد له من يسيطر على الأرض ويتحكم في معظم موارد النظام الفلسطيني المالية والأمنية والسياسية، من موقعه كرئيس للمنظمة والسلطة وكقائد لفتح، فضلا عن عوامل الإسناد الخارجي.

وما يعزز من قوة أبو مازن ومن معه أن القوى المنافسة له في فتح ضعيفة ولا تمتلك شرعية، وليس لديها مشروع سياسي البتة، في حين أن القوى السياسية الأخرى تعاني من ضعف الإمكانيات وتراجع الشعبية والشرعية.

بناء عليه فإن الساحة الفلسطينية، ربما -في المرحلة المقبلة- تنقسم على الأرجح بين مشروعين سياسيين، مشروع أبو مازن ومشروع حركة حماس إلى حين تبلور منبر فلسطيني جديد أو بديل آخر، وهما مشروعان مأزومان ومشوهان، لأنهما يتأسسان على السلطة في واقع لا سلطة فيه فوق الاحتلال.

من المفارقة أن حركة فتح التي دشنت الوطنية الفلسطينية المعاصرة هي ذاتها التي تمهد لتدشين مرحلة جديدة لا يعرف أحد طبيعتها أو تداعياتها على شعب فلسطين وقضيته وحركته الوطنية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة