نتائج الانتخابات التركية.. تداعيات وتوقعات   
الأحد 18/8/1425 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

بقلم: نوزات صواش*

-الخريطة السياسية الجديدة
-دلالات نتائج الانتخابات
-حساسيات النظام العلماني
-حساسيات مطالب الاتحاد الأوروبي
-رئيس الوزراء المقبل.. حساسيات أخرى

الحقيقة التي أجمعت عليها استطلاعات الرأي قبل انتخابات الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني 2002 أن حزب العدالة والتنمية سيحصل على غالبية المقاعد في البرلمان، ولكن لم يكن كثيرون يتوقعون أن ينفرد الحزب بالسلطة. كانت النتيجة مفاجئة عندما بدأت عملية فتح صناديق الاقتراع وظهور النتائج شيئا فشيئا. أصاب الأحزاب السبعة عشر الأخرى التي خاضت الانتخابات شيء من الذهول، لأن المؤشرات كانت تؤكد حصول حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب أردوغان على 34% من الأصوات، وهي نسبة تمكنه من إحراز 363 مقعدا في البرلمان، وهو العدد الذي يفتح له المجال لتشكيل حكومة قوية بمفرده، علما بأن استطلاعات الرأي كانت ترجح أن يخرج من الصندوق حكومة ائتلافية بين حزب العدالة والتنمية وحزب الشعب الجمهوري.

الخريطة السياسية الجديدة


دخلت تركيا مرحلة جديدة في حياتها السياسية تتميز بحساسيات عديدة، فلأول مرة في تاريخ تركيا ينفرد حزب ذو توجه إسلامي بالسلطة، وهو اختبار صعب دون شك.. اختبار للإسلاميين، واختبار لسلطات الدولة، واختبار للديمقراطية في أوروبا وأميركا
لقد كانت صدمة بالنسبة لسائر الأحزاب، حتى إن حزب الشعب الجمهوري بقيادة دنيز بايكال لم يشعر بالبهجة رغم أنه كان الحزب الوحيد الذي نجح في الحصول على 19% من الأصوات أي 178 نائبا في البرلمان. فقد طلب من الناخبين أن يسلموه السلطة بمفرده فسلموه المعارضة بمفرده.

أما أحزاب الائتلاف الحاكم فكانت تعيش هزيمة فادحة إذ لم يحصل حزب اليسار الديمقراطي الذي يتزعمه بولنت أجاويد إلا على 1.2% من الأصوات رغم أنه كان المنتصر في انتخابات 1999 أي قبل ثلاث سنوات حيث حصل على 22.1% من الأصوات ودخل البرلمان في المركز الأول آنذاك.

لقد كان سقوط حزب رئيس الوزراء أجاويد رهيبا. ولم يكن وحيدا في هزيمته، فقد كان حزب العمل القومي بزعامة دولت بهجلي يهوي إلى الحضيض كذلك، في حين كان نجم الموسم في انتخابات 1999 عندما حصل على 17.9% من الأصوات. أما اليوم فقد فشل حتى في اجتياز الحاجز الانتخابي وكسب 8.3% فقط.

وماذا عن هزيمة حزب الوطن الأم بزعامة مسعود يلماظ؟ كانت مأساة بكل معنى الكلمة، لأن حزب الوطن الأم كان قد فاز في انتخابات 1983 و1987 بالحكم بمفرده، وشارك في الحكومات الائتلافية المتعاقبة عدة مرات.. ولكنه في هذه المرة انخفض إلى نسبة لم يكن ليتخيلها أحد وهي 5.1%.

هذا بالنسبة لأحزاب الائتلاف الحاكم. أما بالنسبة لحزب الطريق القويم فقد شارف على تجاوز نسبة 10% لكنه بقي بشكل تراجيدي تحت الحاجز حاصلا على 9.5%. كما انخفضت نسبة حزب السعادة بزعامة رجائي قوطان إلى 2.5%.

وتمخضت هذه النتائج عن استقالة كل من زعيم حزب العمل القومي دولت بهجلي وزعيمة حزب الطريق القويم تانسو تشيلر وزعيم حزب الوطن الأم مسعود يلماظ، وكان بولنت أجاويد قد صرح في وقت سابق بأنه سيعتزل السياسة بعد الانتخابات.

دلالات نتائج الانتخابات

لا شك في أن لهذه الصورة دلالات عديدة سوف يتحدث عنها المحللون بكثرة، وبإمكاننا أن نلخصها على النحو التالي:

  • تصفية شعبية
    لقد قال الشعب كلمته الحاسمة، واستعاد السلطة التي أعطاها للأحزاب التقليدية قبل ثلاث سنوات إذ رأى أنها هي السبب في الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالبلاد وأنها فقدت القدرة على حل مشاكل المجتمع، وأتى عوضا عنها بأحزاب جديدة ووجوه جديدة أيقن أنها جديرة بحمل تركيا إلى الأمام أو على الأقل اعتقد أنه لا بد من إعطاء فرصة لتتم تجربتها أيضا.. ومن ثم تعتبر هذه الانتخابات عملية تصفية عامة من قبل الشعب.. فقد أكد الشعب أنه يريد تغييرا جذريا في السياسية والاقتصاد والديمقراطية وكافة مجالات الحياة.
  • رجب طيب أردوغان
    إدانة المحاكم وتزكية الجمهور
    لم يتمكن رجب طيب أردوغان من الترشح لعضوية البرلمان بسبب الحظر السياسي المفروض عليه، فقد اعتبرته المحاكم التركية مجرما وغير صالح لدخول البرلمان.. وكانت هذه الانتخابات بمثابة محكمة استئنافية راجع فيها الشعب القضية مرة أخرى، ولم يكتف بتخطئة المحاكم بل حكم ببراءة أردوغان وكافأه بتسليمه مقاليد السلطة لوحده بأغلبية ساحقة.. وهي دعوة واضحة ودرس بليغ من الشعب إلى الجهاز القضائي لمراجعة نفسه وإجرائه بعض التغييرات والتعديلات في طريقة معالجته لبعض القضايا.
  • القيادة الكارزمية
    أما دلالات الشعبية الواسعة التي يتمتع بها أردوغان، فمن أهمها على ما يبدو حاجة الشعب التركي إلى شخصية كارزمية قوية تخلصه من الويلات التي يعيش فيها.
    فقد عجزت الحكومات السابقة في مكافحة عمليات الفساد واتخاذ قرارات قوية في تغيير النظام الاقتصادي وإجراء التعديلات اللازمة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي في الوقت المناسب وتوسيع دائرة الحريات، كل ذلك كان بسبب الحكومات الائتلافية التي تباطأت في كثير من الأحيان في اتخاذ مواقف حاسمة نتيجة المناقشات التي نبعت من اختلاف وجهات نظر الأحزاب المشاركة ومعارضتها في كثير من المواقف.
    ومن ثم وجد الشعب التركي المخلص المرتقب في شخصية أردوغان القوية والكارزمية.. فهو جديد وشاب يدعو إلى التجديد والتغيير، وقد أثبت جدارته بالحكم عندما كان رئيسا لبلدية إسطنبول، كما أنه شخصية معتدلة ومتواضعة، أضف إلى ذلك أنه رجل نظيف لم تتلطخ سمعته بعمليات الفساد، في حين كان الزعماء الآخرون مثل مسعود يلماظ وتانسو تشيلر قد رفعت بحقهم دعاوى فساد عدة مرات ونجوا منها بسبب درع الحصانة ومساومات سرية تمت فيما بينهم على أساس المصالح المتبادلة.
  • دنيز بايكال
    انتصار حرية التعبير
    لقد سئم الشعب أساليب الضغط والخوف والإدانة بسبب القيود المفروضة على حرية التعبير، وأعرب في هذه الانتخابات عن أنه يريد بلدا أكثر حرية وديمقراطية يتمكن فيه من ممارسة حريته الفكرية والدينية في أوسع حدودها دون خوف من القانون، وذلك بانتخاب حزب يتزعمه رجل لقي ما لقي بسبب شعر تلاه في إحدى خطبه السياسية واعتبرته المحاكم التركية تحريضا على الحقد والكراهية الدينية. وتكتسب الفكرة وضوحا أكثر بفوز حزب الشعب الديمقراطي الذي يمثل الأكراد في معظم المحافظات الشرقية بالمركز الأول، لكنه لم يحظ بدخول البرلمان بسبب بقائه تحت الحاجز الانتخابي المطلوب 10%.
    كما عبر الناخب عن مطالبته بتوسيع دائرة الحريات عن طريق تأييده لقضية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي الذي يراه الكثيرون الطريقة الوحيدة للخلاص من الأوضاع السيئة التي يعيشون فيها.
    والجدير بالذكر أن الإسلاميين في تركيا كانوا سابقا من أشد المعارضين لانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي نظرا للفوارق الدينية بين الجانبين، لكنهم باتوا اليوم من أشد أنصار الانضمام إلى الاتحاد لأن الاعتقاد السائد لديهم هو أن الحريات الدينية ستكون أكثر سعة داخل الاتحاد حيث ستتمكن المتحجبات من دخول المؤسسات التعليمية والرسمية بكل حرية، كما ستجد المؤسسات الخيرية مجالا أوسع للانتشار والحركة.
    وكذلك المواطنون الأكراد يعتبرون الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي الفرصة الوحيدة لممارسة حرياتهم الثقافية في الإعلام والتعليم وسائر مجالات الحياة الاجتماعية. وعلى ما يبدو من النتائج فإن كافة الناخبين الأتراك متفقون على هذه القضية، فقد سئم الجميع مشاهدة المتحجبات يمنعن من ممارسة حق التعليم في حين يدان آخرون بسبب أشعار تلوها أو مقالات كتبوها.
  • حالة الاقتصاد حددت النتائج
    لا شك في أن الاقتصاد المتردي لعب دورا رئيسيا في تشكل خريطة النتائج الحالية، لأن الشعب اعتبر الائتلاف الحاكم هو المسؤول عن الأزمة الاقتصادية التي اندلعت في فبراير/ شباط 2001 وكانت زلزالا عنيفا فاقت أضراره وتأثيراته الزلزال الذي تعرض له تركيا عام 1999، فقد فقدت الليرة التركية 50% من قيمتها أمام الدولار، وارتفع التضخم بشكل هائل، واضطر الناس إلى إغلاق مصانعهم ومعاملهم وزاد الفقر والجوع والبطالة في البلد إلى أقصى حد.
    لقد هزت الأزمة المواطن التركي هزا عنيفا أحس به بكل كيانه، وكانت انتخابات فبراير/ شباط فرصة ذهبية لمعاقبة من اعتقد أنهم المسؤولون بالدرجة الأولى عن الوضع السيئ.. فلم يكتف بطرد أحزاب الائتلاف الحاكم، بل وأضاف إليهم الأحزاب التقليدية الأخرى التي تمارس العمل السياسي في البلاد منذ خمسة عشر عاما.
  • اليمين.. التراجع والمراجعة
    لا شك في أن الهزيمة التي منيت بها أحزاب اليمين ستدفعهم إلى مراجعة مواقفهم مرة أخرى، وسيلجؤون إلى تشكيل أنفسهم وبنيتهم من جديد تحت ضوء مطالب الشعب ودون الوقوع في الأخطاء التي سقطوا فيها سابقا.
    أي أن هذه الانتخابات شكلت بداية جديدة لكثير من الأحزاب لكي تحدد معالم وجهتها في المستقبل ولكي تقوم بتغييرات جذرية في سياساتها وكوادرها وطريقة معالجاتها لمشاكل البلاد.. وسوف تشهد الساحة السياسية شخصيات جديدة في الأشهر المقبلة وتنسى القيادات التي ألفت رؤيتها.

حساسيات النظام العلماني

هناك تساؤلات عن موقف الجيش والسلطات التركية حيال حكومة حزب العدالة والتنمية، وهل يمكن أن يؤدي ذلك إلى تدخل عسكري أيا كانت صورته؟

لا شك في أن الظروف التي تمر بها تركيا ظروف حرجة جدا بالنسبة لحزب أردوغان، وعليه أن يكون ذكيا ومعتدلا في كل تصريحاته وتصرفاته حتى لا يثير حفيظة الجيش. ولم ينس هو ولا أحد في تركيا ما حدث في عهد رئاسة نجم الدين أربكان، إذ لم تتحمل سلطات الدولة رؤية رجل إسلامي يحتل منصب رئيس الوزراء ويقوم بتصرفات تنافي المبادئ التي قام عليها النظام التركي، فأصدرت قيادات الجيش في مجلس الأمن الوطني الذي تم عقده في 28 فبراير/ شباط 1997 قرارات نصت على ضرورة تنفيذ مجموعة من الإجراءات التي تهدف إلى قلع جذور "التيارات الرجعية في تركيا".

وتلا ذلك سقوط حكومة أربكان وحظر حزب الرفاه الإسلامي ومنع أربكان من كافة نشاطاته السياسية وحظره من الترشح لعضوية البرلمان.. كما تم إغلاق مئات من مدارس الأئمة والخطباء وألوف من مدارس تعليم القرآن الكريم والمؤسسات الخيرية بدعوى أنها تشكل بؤرة تنظيمية لقلب النظام العلماني وإقامة نظام رجعي. ولا تزال هذه القرارات سارية المفعول وإن خفت حدتها.

ولم تترك المحاكم التركية مطاردة أحزاب الإسلاميين في تركيا حيث أغلقت حزب الفضيلة الذي شكله أعضاء حزب الرفاه الإسلامي فتمخض الفضيلة عن حزبين أحدها حزب العدالة والتنمية والآخر حزب السعادة.

وفي هذه الفترة أدين رجب طيب أردوغان بسبب قصيدة تلاها في أحد خطبه السياسية واعتبر ذلك تحريضا على الكراهية الدينية ودخل أردوغان السجن مدة أربعة أشهر، كما منع من الترشح لعضوية البرلمان في هذه الانتخابات بسبب الحظر السياسي.

لقد عاشت البلاد هذه التجارب وبكل قسوة.. والآن تخوض مرحلة تحمل في طياتها هذه المخاطر وإن فكر الكثيرون أنها مستحيلة الوقوع مرة أخرى.. هل يدرك حزب العدالة والتنمية هذا؟ نعم وبكل كيانه.. ومن ثم حرص قبل الانتخابات وبعد فوزه بها على القول بأنه ليس حزبا إسلاميا وأنه سينفذ ما ينص عليه الدستور التركي بشأن علمانية الدولة.

الرئيس التركي أحمد نجدت سيزر ورئيس الوزراء التركي المنصرف بولنت أجاويد
وقد سأل الصحفيون أردوغان مرارا: كيف تسمون أنفسكم؟ فرد عليهم بإصرار "البعض يسموننا حزبا إسلاميا، والبعض الآخر إسلاميا معتدلا.. ولكننا لا هذا ولا ذلك، نحن حزب محافظ ديمقراطي ولسنا حزبا دينيا، وعلى الجميع أن يعرف هذا". أردوغان يدرك حساسية الموقف تماما، ويزن كل كلمة تخرج على لسانه ويحاول ألا يثير قلقا واضطرابا في الأوساط الحساسة. أي أنه حتى الآن لم يقع في الأخطاء التي وقع فيها أربكان في الماضي. فهو يؤكد أن حزبه ما هو إلا حزب النظام الجمهوري العلماني ولن يقع في نقاشات مع أجهزة الدولة بل سيعمل معها ضمن تفاهم متبادل.

وقد حرص على استخدام قول أتاتورك في أول مؤتمر صحفي عقده بعد فوزه في الانتخابات فقال نقلا عن أتاتورك "الحاكمية للشعب دون قيد أو شرط"، وأكد أن كل مواطن حر في معيشته الشخصية ولن تتدخل حكومته في مثل هذه الأمور، ولن يدان أحد بسبب أفكاره أو طريقة معيشته لأن هناك اعتقادا يسود الأوساط العلمانية بأن الحزب سيقوم بسياسات راديكالية لتغيير نمط الحياة وإقامة نمط إسلامي مكانه، لكن أردوغان أكد أنه لن يلجأ إلى مثل هذه التصرفات، ولم يسلمه الشعب التركي السلطة إلا ليصلح الاقتصاد التركي ويقضي على التضخم والفقر وينقل البلاد إلى عضوية الاتحاد الأوروبي ويوسع دائرة الحريات في البلاد.

وفي المقابل أوضحت كافة الأوساط السياسية والعسكرية أن نتيجة الانتخابات نتيجة ديمقراطية يجب أن يحترمها الجميع، ولكن لم تخل تصريحاتهم من تلميحات وتساؤلات عن إجراءات حزب العدالة والتنمية المستقبلية، فرغم التصريحات التي عاد فأكدها أردوغان مرات عديدة إزاء تمسكه بالنظام العلماني فإن بولنت أجاويد أعرب عن عدم ثقته به وأنه لا يزال يشكل خطرا على النظام وأنه يبطن نوايا خفية تحت بياناته المعتدلة.

لا شك في أن التساؤلات ستبقى مدة طويلة وستضع قوات الجيش إجراءات الحكومة الجديدة تحت المراقبة وتتابع كل خطوة تخطوها وكل تصريح تدلي به عن كثب، وستنتهج في الوقت الراهن سياسة "انتظر وراقب"، فإذا رأت شيئا يناقض النظام العلماني فلن تعجز عن إيجاد طريقة جديدة مبررة لا تثير حفيظة الشعب لتعديل ذلك، أي ستعالج القضية بطراز جديد كما فعلت في 28 فبراير/ شباط 1997 حيال رئاسة أربكان.

حساسيات مطالب الاتحاد الأوروبي


أكدت سلطات الجيش ودول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أنها تحترم قرار الشعب الديمقراطي، ولكنها ستراقب إجراءات الحكومة الجديدة عن كثب، وبالتأكيد لن يلجأ حزب العدالة إلى أي تصرف يثير القلق والاضطراب في البلاد
هنا يتبادر إلى الذهن سؤال آخر: ما هو دور مناقشات الانضمام إلى عضوية الاتحاد الأوروبي للتأثير في تحديد مواقف الجيش والحكومة الجديدة؟

الجيش أكد مرارا أنه يؤيد انضمام البلاد إلى الاتحاد، ولكن ذلك يقلص من تأثير القوات المسلحة نظرا لمعايير الاتحاد المطلوبة، ولا وبالتأكيد فإن ورقة الانضمام إلى الاتحاد ورقة هامة بالنسبة للطرفين لكسب المعركة، وسوف يستغل الجانبان هذه الورقة في مناوراتهما، والجميع يعرف أن بعض أعضاء دول الاتحاد لا يريد انضمام تركيا بسبب الفوارق الدينية والثقافية، ويرون في تسلم حزب إسلامي السلطة خطرا على أوروبا.. وإذا تدخل الجيش فسيجدون ذريعة أخرى لمنع تركيا من الانضمام وهو أن النظام الحاكم ليس نظاما ديمقراطيا، في حين لن يرضى الأعضاء المؤيدون قبول تركيا دون إثبات جدارتها وإخلاصها للاتحاد بنقل الإصلاحات الدستورية التي قامت بها الصيف الماضي إلى حيز التنفيذ، وذلك يحتاج إلى ثمن باهظ، لأن ذلك له علاقة مباشرة بالحريات الثقافية والدينية وأمور أخرى، وهي التي قد تضع حزب العدالة والتنمية في مواجهة القوات المسلحة التي تعتبر نفسها صاحبة النظام العلماني. معادلة صعبة لا شك في ذلك، وسوف تضطر حكومة حزب العدالة والتنمية إلى الحذر بحيث تمشي في طريق مليئة بالأشواك.

نعم أكدت سلطات الجيش ودول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة أنها تحترم قرار الشعب الديمقراطي، ولكنها ستراقب إجراءات الحكومة الجديدة عن كثب، وبالتأكيد لن يلجأ حزب العدالة إلى أي تصرف يثير القلق والاضطراب في البلاد.

أما بشأن موقف حزب العدالة والتنمية من الضربة العراقية، فمن المؤكد أن سياسته لن تختلف عن سياسة الحكومة السابقة، ولا تملك الحكومة سلطة تحديد الخطة بمفردها في هذا الشأن، إنما لرئيس الجمهورية والقوات المسلحة دور كبير أيضا، علما بأن سياسة الدولة معروفة في هذه القضية وهي أن تركيا تعارض أية عملية عسكرية على العراق خوفا من تأثير ذلك في اقتصادها المضطرب، إلى جانب احتمال تشكل دولة كردية في شمال العراق.

ستحاول حكومة حزب العدالة والتنمية كسب ثقة جميع الأطراف الداخلية والخارجية في المدى القريب.. فعلى صعيد الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي سيقوم الحزب عاجلا بإرسال الوفود إلى عواصم الاتحاد دون انتظار تشكيل الحكومة لأن تشكيلها يتطلب أسبوعين على الأقل، وسيقوم أردوغان بأول زيارة له إلى إيطاليا واليونان وسائر دول الاتحاد الأوروبي. فهناك اجتماع قمة دول الاتحاد في 12 ديسمبر/ كانون الأول بكوبنهاغن، وتنوي حكومة أردوغان أن تستخرج أفضل قرار بالنسبة لتركيا في هذه القمة.. وإذا تمكنت من أخذ موعد محدد لبدء مباحثات العضوية فسيشكل ذلك نصرا كبيرا للحكومة الجديدة ويساعدها على كسب مزيد من الثقة، كما أعلن أردوغان أن الحكومة الجديدة ستواصل خطة الإصلاح الاقتصادي التي يشرف عليها صندوق النقد الدولي وستعمل مع الصندوق في جو من التفاهم.. ووعد أردوغان الشعب التركي بأنه سيرى في غضون سنة مؤشرات التنفس والارتياح من الأزمة الاقتصادية.

رئيس الوزراء.. حساسيات أخرى

القضية الأخيرة التي لا تزال غامضة حتى الآن هي من سيكون رئيس الوزراء، فالدستور التركي نص على ضرورة أن يكون رئيس الوزراء عضوا في البرلمان، في حين لم يتمكن أردوغان من الترشح للعضوية بسبب الحظر السياسي، وقد حرص أردوغان على ألا يبدي أية إشارة في هذا الشأن حتى اللحظة وأحال الموضوع إلى قيادات حزبه.

الحقيقة أن هناك بعض السيناريوهات التي يمكن اللجوء إليها لتمكين أردوغان من منصب رئيس الوزراء، منها مثلا:

التعديل الدستوري
تغيير مادة الدستور التي تنص على ضرورة العضوية لرئيس الوزراء.. ولكن لا أحد يتوقع أن يلجأ أردوغان إلى مثل هذا الحل، وهو بالذات يعتبره حلا غير أخلاقي.

الانتخابات الجزئية
وسيناريو آخر هو أن يدخل أردوغان البرلمان عبر انتخابات استثنائية يتوجب إجراؤها قانونيا إذا خلا 28 مقعدا في البرلمان. فقد يستقيل هذا العدد من الأعضاء من حزب العدالة والتنمية لتتم الانتخابات الاستثنائية. ولكن هذا لن يكون كافيا، فالدستور لا يسمح بإجراء مثل هذه الانتخابات إلا بعد 30 شهرا من الانتخابات الحالية، أي بعد سنتين ونصف، وهي بالتأكيد مدة طويلة. ولن يلجأ أردوغان إلى مثل هذا السيناريو لئلا يفقد اعتباره.

تعيين رئيس جديد للحزب
الطريقة الأخرى هي أن يستقيل أردوغان من منصب رئاسة الحزب تاركا مكانه لأحد زملائه، وفي هذه الحالة يبدو عبد الله غول هو المرشح الأول لهذا المنصب، فقد كان غول وزيرا فعليا للخارجية في حكومة أربكان وقائد الجناح التجديدي داخل حزب الفضيلة، وهو يتولى حاليا منصب وكيل زعيم الحزب والرئيس الثاني.


من المؤكد أن موقف حزب العدالة والتنمية من الضربة العراقية لن يختلف عن سياسة الحكومة السابقة، ولا تملك الحكومة سلطة تحديد الخطة بمفردها في هذا الشأن، وإنما لرئيس الجمهورية والقوات المسلحة دور كبير أيضا
ترشيح شخصية من داخل الحزب

هناك طريقة ثالثة قد تحدث في تركيا لأول مرة على يد حزب العدالة والتنمية، علما بأنها تنفذ في بعض الدول الأوروبية حاليا، وهو أن يبقى أردوغان زعيما للحزب ويرشح شخصا آخر إلى منصب رئيس الوزراء، والمؤشرات تشير إلى أن الحزب سيختار هذه الطريقة حتى لا تحدث ازدواجية في الحكم داخل الحكومة. فهل تنتهي الازدواجية بهذا الحل؟ ربما انخفضت إلى أدنى مستوياتها إذا تم التفاهم بين الشخصيتين، أي أردوغان ومرشح رئيس الوزراء. ولا بد أن يتم ذلك لأن البلاد لا تتحمل أزمات سياسية أخرى، والجميع يعرف ذلك، والحزب يعرف ذلك، كما أن حزب العدالة لم يتول السلطة لإحداث أزمات سياسية جديدة، بل أتى ليحل المشاكل. ويكفيه المسؤولية الحرجة التي تحملها وسط توازنات داخلية وخارجية لا بد من رعايتها حتى لا تحدث كارثة تاريخية لا يمكن إصلاحها أبدا.

ولكي لا تنشب ازدواجية في الحكم فعلى حزب العدالة والتنمية وفي المقدمة أردوغان ألا يلجأ إلى ترشيح شخصية ضعيفة لمنصب رئيس الوزراء، لأن البلاد سئمت رؤية الشخصيات التي تحمل مناصب الدولة كأمانة حتى يأتي أصحابها الحقيقيون. وسوف يفقد أردوغان اعتباره إذا لجأ إلى هذه الخطة، لكننا نعتقد أنه لن يفعل ذلك. وسيتم تعيين رجل قوي مثله، ويتولى هو بنفسه نشاطات الحزب ويتم اتخاذ القرارات ضمن جو من التفاهم.

مهما كان الحل فلن يخلو من مصاعب، فقد دخلت تركيا مرحلة جديدة في حياتها السياسية، مرحلة تتميز بحساسيات عديدة. لأول مرة في تاريخ تركيا ينفرد حزب ذو توجه إسلامي بالسلطة، فهو اختبار صعب لا شك في ذلك. اختبار للإسلاميين، واختبار لسلطات الدولة، واختبار للديمقراطية في أوربا وأميركيا.

_______________
*كاتب صحفي ومحلل سياسي تركي

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة