11 سبتمبر وأخواتها.. دروس من وراء الجراح   
الأربعاء 1425/9/14 هـ - الموافق 27/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 15:53 (مكة المكرمة)، 12:53 (غرينتش)

بقلم/ محمد بن المختار الشنقيطي

- كيف أضحك والناس يموتون في فلسطين؟
- تنظيم القاعدة من الحركة إلى الفكرة
- "غزو العراق.. هدية أعياد الميلاد لأسامة"
- ما الذي بقي من تنظيم القاعدة اليوم؟
- ويبقى أمل في الأحرار من الأميركيين

ثلاث سنوات خلت، ولا تزال هجمات 11 سبتمبر/ أيلول طرية في الذاكرة، ترسم العديد من أحداث العالم ومجريات سياساته. وفي كل يوم يتسع مدى تلك الهجمات، وتظهر لها أخوات وتفريعات جديدة، ابتداء من غزو أفغانستان، مرورا بتفجيرات بالي، ثم غزو العراق وتفجيرات مدريد.. وتكبر الأسئلة حول معنى ذلك اليوم الدامي الذي هز العالم بأسره.

لكن من تجرعوا مرارة ذلك اليوم من الأميركيين لا يزالون حتى الآن أقل الناس إدراكا لمدلوله ولما يحمله من مغزى في حاضرهم ومستقبلهم.

كان الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو يقول "إن النخبة تعرف الحقيقة ولا تريدها، أما الجمهور فيريد الحقيقة ولا يعرفها". ويصدق هذا القول على الأميركيين اليوم في نظرتهم إلى هجمات 11 سبتمبر/ أيلول أكثر مما يصدق على أي شعب آخر، فنخبتهم تدرك تماما بواعث تلك الهجمات والأسباب العميقة التي أدت إلى القضاء على 3000 أميركي في ساعات. لكن تلك النخبة لا تجرؤ على الجهر بتشخيص الداء، أو بتوصيف الدواء.

كيف أضحك والناس يموتون في فلسطين؟

تتكفل وسائل الإعلام وهي ملك للنخبة السياسية والمالية المتحكمة بتقديم "الحقائق" إلى الجمهور الأميركي على شاشات التلفزيون وصفحات الصحف وهي حقائق مشوبة دائما بمطامع النخبة ومطامحها
ومن المشاهد المثيرة التي وردت في التقرير الصادر منذ أقل من شهرين عن لجنة الكونغرس المكلفة بالتحقيق في أحداث 11 سبتمبر/ أيلول، ما ورد عن مروان الشحي أحد الطيارين اللذين ضربا مركز التجارة العالمي، فقد ورد في التقرير أن صديقا للشحي سأله وهو لا يزال طالبا في ألمانيا "لماذا لا أراك مبتسما أبدا، لا أنت ولا محمد عطا؟" فأجابه مروان: "كيف أضحك والناس يموتون في فلسطين؟" (ص 162 من التقرير).

لكن القادة الأميركيين لا يريدون قراءة هذه الرسالة، لأن فك رموزها يستلزم ربطا بين الأسباب والنتائج، والاعتراف بالثمن الفادح الذي دفعه الشعب الأميركي والشعوب الإسلامية جراء سياساتهم، إنهم يريدون معالجة الأعراض دون الأمراض، ويرفضون التفسير بذريعة أنه تبرير، ويؤثرون راحة الجهل على قلق العلم.

أما الجمهور الأميركي فتتكفل وسائل الإعلام –وهي ملك للنخبة السياسية والمالية المتحكمة– بتقديم "الحقائق" إليه على شاشات التلفزيون وصفحات الصحف، وهي "حقائق" مشوبة دائما بمطامع النخبة ومطامحها.

ورغم أن قصة الشحي وصديقه لا تترك مجالا للتخمين حول البواعث العميقة وراء تلك المصيبة التي حلت بالشعب الأميركي يوم 11 سبتمبر/ أيلول 2001، فإن ما تم تلقينه للجمهور الأميركي خلال ثلاثة أعوام، في إعلامه وعلى ألسنة قادته، هو أنه لا علاقة مطلقا لتلك الهجمات بالسياسة الأميركية في المنطقة، وأن المهاجمين إنما فعلوا فعلتهم لأنهم "يكرهون الحرية"، أو "يمقتون المسيحية"، أو "يحقدون على العالم المتحضر"!!

تنظيم القاعدة من الحركة إلى الفكرة
وقد أدى تجاهل القادة الأميركيين لأسباب هجمات 11 سبتمبر/ أيلول، وجهل الجمهور الأميركي بتلك الأسباب إلى التعاطي معها بتخبط، فبينما كان الهدف الأميركي هو محاصرة تنظيم القاعدة، وفصله عن محيطه الاجتماعي في الدول الإسلامية، أملا في القضاء عليه، توشك السياسة الأميركية أن تحول هذا التنظيم من حركة معزولة إلى ظاهرة شعبية، من كتيبة صغيرة تتألف من عدد محدود من الشباب الباحثين عن الموت في مظانه، دون خبرة سياسية أو امتداد شعبي، إلى تيار أيديولوجي وسياسي واسع يحرك ملايين المسلمين عبر العالم، ويعبؤهم ضد السياسات الأميركية.

وتلك إحدى المفارقات التي أسفرت عنها السنوات الثلاث المنصرمة، فقد أصبحت أميركا في عزلة دولية، ولم تصبح القاعدة في عزلة شعبية كما أراد الأميركيون. وقد عبر عن ذلك السيناتور الأميركي جوزيف بادن بالأمس (9 سبتمبر/ أيلول 2004) فقال "لم نكن في تاريخنا أكثر عزلة مما نحن فيه اليوم".

لقد أصيب تنظيم القاعدة في بعضٍ من أحسن قادته الميدانيين خبرة تنظيمية وتخطيطية، قتلا مثل محمد عاطف، أو أسرا مثل خالد شيخ محمد، وكلا الرجلين له دور محوري في التخطيط لهجمات 11 سبتمبر/ أيلول، لكن القيادة السياسية للتنظيم –إن صح هذا الوصف– وأغلب قياداته المتوسطة لا تزال طليقة، وقد قامت هذه القيادات خلال الأعوام الثلاثة الماضية بما يكفي للإبقاء على المعركة متأججة في النفوس وفي الميدان، تعاضدها في ذلك سياسات أميركية تحسن صناعة الأعداء وإسخاط الأصدقاء.

وقد تولد عن هذا التطور ما يشبه تحول القاعدة من "حركة" إلى "فكرة"، وهو ما كان يتمناه زعيمها أسامة بن لادن منذ أمد بعيد. فقد اعتبر الرجل جهده منذ البدء شرارة للحريق القادم، ودفعا للشعوب الإسلامية إلى التحرك، أكثر مما اعتبره عملا قائما بذاته، وقدم نفسه في خطاباته "محرضا" على خوض المعركة، لا قائدا لها.

وتدل التحقيقات في كل من تفجيرات بالي ومدريد أنهما من فعل "القاعدة-الفكرة" لا "القاعدة-الحركة"، أقصد أنهما من فعل جماعات تتبنى فكر القاعدة وإستراتيجيتها، لكنها لا ترتبط بها تنظيميا، ما يعني أن "فكرة القاعدة" في توسع، بتأثير من سياسات الولايات المتحدة وحلفائها، في الوقت الذي تضيق فيه الأرض بـ"تنظيم القاعدة"، وأن ما تفقده الحركة في العمق، تكسبه الفكرة في الامتداد، فكرة المواجهة الهوجاء مع الأميركيين أينما كانوا. فهل يدرك الأميركيون مدلول ذلك على الأمد البعيد؟!

"غزو العراق.. هدية أعياد الميلاد لأسامة"

وفر غزو العراق فرصة ذهبية للقاعدة للتحرك من جديد في ظروف أنسب
ومكان أرحب
حاول أسامة بن لادن أن يسحب أميركا إلى حرب عصابات باهظة الثمن في أفغانستان، ولم يفلح في ذلك، فقد انتبه الأميركيون إلى الشراك، وحرصوا على تفاديه من خلال تحريك قوات "تحالف الشمال" الأفغاني، واستخدام القصف الجوي الكثيف عوضا عن المعارك البرية، ما أدى إلى مذبحة لجنود القاعدة في تورا بورا، وجنود طالبان في قندز، في معركة غير متكافئة.

ولكن ما تمناه أسامة في أفغانستان تحقق له في العراق، فإذا الجند الأميركيون -الذين يتمنى لقاءهم وجها لوجه- يجوبون شوارع بغداد والرمادي والفلوجة في وضح النهار، وفي مرمى كل من يحسن الرمي.

ولم تفلح أميركا هذه المرة في بناء جيش أو أمن عراقي تتمترس به من ضربات المقاومة، وهذا مناخ مثالي لتنظيم مثل تنظيم القاعدة تسعده كثرة الأهداف وقربها، وسرعة الاختفاء وسهولته، وهو ما يضمنه التحرك في بيئة اجتماعية عربية مثل بيئة العراق، وفي مجتمع متمرس بالحرب، مليء الأيدي بالسلاح، مثل المجتمع العراقي.

لقد وفر غزو العراق فرصة ذهبية للقاعدة للتحرك من جديد، في ظروف أنسب ومكان أرحب. وقد عبر عن ذلك أحد ضباط السي آي إيه حينما قال "إن غزو العراق هو هدية أعياد الميلاد التي أهداها جورج بوش لأسامة بن لادن".

بيد أن ما منحه غزو العراق من فرص للقاعدة لا يتوقف عند القضايا الميدانية العملية، بل إن هذا الغزو منح القاعدة أثمن ما كانت تحلم به، وهو إضفاء الشرعية على طرائقها في المنازلة، في أذهان ملايين المسلمين، ممن أدانوا فعلتها يوم 11 سبتمبر/ أيلول 2001.

فاحتلال بغداد بطريقة مهينة وفظائع القصف الأميركي للمدنيين العراقيين وفضائح الجيش الأميركي في سجن أبو غريب كلها أمور جعلت كثيرين يتفهمون عمل القاعدة، بالسلب على الأقل، إن لم يدعموه بالإيجاب، وذلك أخطر مأزق قد تواجهه الولايات المتحدة وأكبر نجاح قد تطمح إليه القاعدة.

ما الذي بقي من تنظيم القاعدة اليوم؟


فقدان أفغانستان قد لا يعوق قدرة القاعدة على تنفيذ هجماتها لأن قوة هذه الحركة لا تكمن في الموقع الجغرافي بل في مرونتها وعدم جمودها على شكل أو أسلوب معين

ثلاثة أعوام بعد هجمات 11 سبتمبر/ أيلول أريقت فيها الدماء وأهدرت الأموال واحتلت الأوطان.. ويظل السؤال يكبر "ماذا بقي من تنظيم القاعدة"؟

يعتقد بروس هوفمان، وهو من أوسع الخبراء الأميركيين معرفة بالقاعدة وممن درسوا بنيتها وأساليبها بعمق، أن القاعدة "كائن ذكي ومرن وسريع التكيف"، وهو يرى أن "فقدان أفغانستان قد لا يعوق قدرة الحركة (القاعدة) على تنفيذ هجمات إرهابية" لأن "قوة هذه الحركة لا تكمن في الموقع الجغرافي.. بل في مرونتها وعدم جمودها على شكل أو أسلوب معين".

ويضيف هوفمان في دراسته المعنونة "تقييم القاعدة: اتجاهات الإرهاب واحتمالات المستقبل" أن السر في نجاح القاعدة في تنفيذ هجمات 11 سبتمبر/ أيلول ليس وفرة العدد أو كثرة المال، بل السر في ذلك هو ثلاثة أمور:

أولها "القدرة على اكتشاف مقتل أو ثغرة في دفاعات عدوها الرئيسي –أميركا– ثم استغلال ذلك دونما رحمة".
وثانيها: القدرة على الخداع والتضليل في إعداد عملياتها دون أن يتم انكشافها ووأدها قبل التنفيذ.
وثالثها: استخدام طرائق فدائية في تنفيذ عملياتها، لأن الباحث عن الموت لا يمكن ردعه.

وينتهي هوفمان في تحليله إلى أن "أيا من هذه القدرات الثلاث لا يتوقف على وجود مركز عمليات للقاعدة في أفغانستان. وبالتالي من الراجح أن القاعدة ستوظف هذه القدرات في خطط مستقبلية، تكتشف من خلالها ثغرة في دفاعاتنا، ثم توفر بذكاء المستلزمات العملية لنجاح ضربة جديدة".

وأخيرا يشير هوفمان إلى أن "التحدي الأكبر أمام القاعدة هو الاستمرار والبقاء في صورة أيديولوجيا وتصور"، وهو ما سميناه من قبل تحول القاعدة من حركة إلى فكرة.

ويبقى أمل في الأحرار من الأميركيين

من مصلحة أميركا أن تتفاهم مع إيران وسوريا والسعودية ولبنان وهي متورطة في الوحل العراقي لكن إسرائيل تريد تصعيدا مع هذه الدول، فكان ما تريده إسرائيل
لقد كان واضحا منذ مرور اليوم الأول على هجمات 11 سبتمبر/ أيلول أن ردود الفعل الأميركية ستتخذ أحد مسارين:

• إما أن تسلك القيادة الأميركية مسار التعلم من الكارثة التي حلت بالشعب الأميركي، فتتبنى منهج البحث في جذور الشر، ثم تتوصل إلى التعاطي مع الحادث بحكمة، أساسها الاعتراف بخطايا الماضي ومظالمه، وفتح صفحة جديدة من العلاقات بين أميركا والعالم الإسلامي.

• وإما أن تستغل هذه القيادة مظلة 11 سبتمبر/ أيلول لتحقيق مزيد من التدخل في المنطقة، والسعي إلى بسط النفوذ فيها، ونهب ثرواتها، وابتزاز قادتها الخاضعين أصلا. وقد اختارت القيادة الأميركية الخيار الثاني بكل أسف، وهو ما حول هجمات 11 سبتمبر/ أيلول من فرصة للتأمل إلى شرارة حريق.

ومما أعان على ذلك أن الإستراتيجية الأميركية في المنطقة العربية ليست دائما "أميركية"، فقد دل الاستقراء على أن العنصر الإسرائيلي في هذه الإستراتيجية أقوى من العنصر الأميركي، وأرجح عند التعارض، وإليك بعض الأمثلة:

• من مصلحة أميركا التصالح مع الشعوب الإسلامية، لكن إسرائيل –بامتدادها في واشنطن- تريد حربا هوجاء، وصراع حضارات، فكان ما تريده إسرائيل.

• ومن مصلحة أميركا أن تتفاهم مع إيران وسوريا والسعودية ولبنان، وهي متورطة في الوحل العراقي، لكن إسرائيل تريد تصعيدا مع هذه الدول، فكان ما تريده إسرائيل.

• ومن مصلحة أميركا مساعدة الفلسطينيين في الحصول على جزء من حقهم، ولو عدالة منقوصة، تخفيفا للسخط عليها في كل أرجاء العالم الإسلامي. لكن حكومة شارون اليمينية تريد غير ذلك. وأميركا تتيامن مع يمين إسرائيل، وتتياسر مع يسارها.

وليس بمستغرب أن تكون إرادة إسرائيل هي الراجحة في السياسة الأميركية، على الإرادة والمصلحة الأميركية، فالذي يلم بالثقافة السياسية الأميركية لن يتوقع غير ذلك.

يقول ديفد فروم وهو كاتب يهودي أميركي في كتابه "الرجل المناسب" إن الرئيس كلينتون –وهو من الحزب الديمقراطي- كان "يعشق كل ما هو يهودي، فوزير دفاعه يهودي، ووزيرة خارجيته يهودية، ومستشاره للأمن القومي يهودي، وحتى عشيقته مونيكا لوينسكي يهودية".


النخبة السياسية الأميركية تنقسم إلى قسمين: ديمقراطي يعشق إسرائيل وجمهوري يعبدها
أما الكاتبة الأميركية غريس هالسل فهي تعتبر في كتابها "النبوة والسياسة" أن دعم الجمهوريين –ذوي النزعة الأصولية- لإسرائيل نابع من "عبادة إسرائيل" حتى ليكاد يكون مجردا من أي اعتبارات دنيوية.

وهكذا فإن النخبة السياسية الأميركية تنقسم إلى قسمين، ديمقراطي يعشق إسرائيل، وجمهوري يعبدها. وهو ما جعل دروس 11 سبتمبر/ أيلول تضيع مجاملة للربيب المسيطر.

يحيي الأميركيون هذه الأيام الذكرى الثالثة ليوم 11 سبتمبر/ أيلول الدامي بطرائق مختلفة، فمنهم من يشتري الأعلام، ومنهم من يزور المقابر، ومنهم من يتحدث على المنابر.

لكن سيدة أميركية فقدت زوجها في ذلك اليوم أحيت هذه الذكرى بطريقة ذات دلالة خاصة، فقد جمعت أموالا من المتبرعين، ورحلت إلى أفغانستان لتوزعها على بعض أرامل كابل الذين يزيد عددهن على الأربعين ألف أرملة. لقد ذاقت تلك السيدة طعم الترمل، وذاق بنوها طعم التيتم، فتذكرت أن في الكون من يعاني، وأن سياسة بلدها غير بعيدة عن تلك المعاناة، فقررت أن تقدم للأفغان وجها لأميركا غير ما عرفوه.

ويدل فعل هذه السيدة على أننا يجب ألا نفقد الأمل في الأحرار من الأميركيين الذين يؤمنون بالعدل والقسط، فعددهم اليوم كثير، رغم بعدهم عن الصدارة وصنع القرار.

فهل نستطيع بشيء من الحيوية والحضور أن نبصر الشعب الأميركي بما اشتملت عليه هجمات 11 سبتمبر وأخواتها من دروس وعبر، رغم جراحها التي لا تزال مفتوحة في أميركا وفي مواطن أخرى كثيرة؟!
ــــــــــــــــــ
كاتب موريتاني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة