ثورة مصر تبرز أزمة نخبها السياسية   
الخميس 1433/6/4 هـ - الموافق 26/4/2012 م (آخر تحديث) الساعة 12:23 (مكة المكرمة)، 9:23 (غرينتش)
بشير عبد الفتاح

غياب المبادرة
أزمة ثقة
افتقاد التوافق
الإخفاق في ترويض العسكر
أداء متواضع

لما كانت الثورات تشبه البراكين، فقد أبت إلا أن تنضح -مثل الوعاء- بما في باطن المجتمعات من آفات وإيجابيات. وكما أماطت ثورة يناير/كانون الثاني 2011 المصرية اللثام عن إيجابيات شتى أبهرت العالم بأسره من روعة الشخصية المصرية، فقد أظهرت كذلك سلبيات ملفتة، لعل أبرزها تلك الحال المزرية التي بدت عليها النخب والوسائط السياسية المدنية بشتى مشاربها وتوجهاتها. فقد كشفت تلك الثورة منذ بداياتها مدى إخفاق تلك النخب في التعاطي الناجز معها بالشكل الذي يكفل تطويعها لبلوغ الغايات السامية التي من أجلها اندلعت.

غياب المبادرة
بينما اكتسبت سمتها الثوري بمشاركة كافة فئات وأطياف الشعب المصري بطول البلاد وعرضها في فعالياتها، ظل دور الشباب في تحريك تلك الثورة وإطلاق شرارتها الأولى عصيا على النسيان أو الإنكار. بيد أنه لم يكن بحوزة هذا الشباب من الجاهزية والخبرة ما يخوله مواصلة مسيرة الثورة إلى منتهاها، إذ لم يسمح له مخزونه الفكري ورصيده السياسي واستعداده التنظيمي والمالي والدعائي بتجاوز النقطة التي تجمدت عندها جهوده الثورية بتنحي مبارك عن السلطة يوم 11 فبراير/شباط 2011.

وحينئذ، كان من المفترض أن يبرز دور النخب المدنية -ممثلة في الأحزاب والتنظيمات والحركات السياسية المؤطرة تنظيميا ومؤسسيا وفكريا- التي تمتلك من أسباب القدرة ما يؤهلها لإكمال الفعل الثوري من حيث توقف الشباب، والعروج به من طور الحشد الجماهيري والهتافات في الشوارع والميادين، إلى مرحلة العمل السياسي في كافة مؤسسات الدولة وأروقة السلطة كالبرلمان والحكومة ورئاسة البلاد، بعد بلورة رؤية متكاملة وواضحة المعالم لمستقبل الثورة تعيد ترتيب أولوياتها وتتضمن الآليات الكفيلة بتحقيق أهدافها.

هرعت النخب السياسية تتكالب على قطف الثمار الغضة لثورة لم تكتمل, ولم تتورع عن التهافت على صدارة المشهد واقتسام الغنائم عقب تنحي مبارك

غير أن الأمور لم تمض على هذا النحو المأمول، حيث هرعت النخب السياسية تتكالب على قطف الثمار الغضة لثورة لم تكتمل، فبينما غابت قيادات الأحزاب والقوى السياسية المدنية والإسلامية عن لحظة تدشين الثورة وكذا صفوفها الأولى، لم تتورع تلك النخب عن التهافت على صدارة المشهد واقتسام الغنائم عقب تنحي مبارك.

ورغم نجاحها في استلاب الشباب ثورتهم، فإنها لم تتمكن من ملء الفراغ السياسي الناجم عن سقوط مبارك وتفكك الحزب الوطني الذي مارس العزف المنفرد على المسرح السياسي طيلة عقود خلت من الزمن، الأمر الذي طرح تساؤلات بشأن مدى استطاعة تلك النخب تسلم الراية من المجلس العسكري ومواصلة المسيرة بنجاح، بعد انقضاء المرحلة الانتقالية نهاية يونيو/حزيران المقبل.

أزمة ثقة
ثمة ثلاثة ملامح رئيسية تبرز بجلاء أزمة الثقة لدى النخب المدنية: أولها اهتزاز الثقة بالنفس، وقد ظهر ذلك واضحا في نزوع بعض الأحزاب والفصائل السياسية -كالوفد والتجمع والتيار القومي- إلى التضحية بما تبقى لديها من صدقية أمام الشارع، تطلعا لتحقيق بعض المغانم خلال الاستحقاقات البرلمانية والرئاسية والإعداد للدستور الجديد، عبر التحالف والاستقواء وربما التماهي مع تيارات سياسية طالما وصمتها هذه الأحزاب بالراديكالية.

ويكمن ثاني تلك الملامح في أزمة الثقة المتبادلة بين فصائل تلك النخب، سواء في ما بين غير الإسلامية منها وبعضها البعض، أو بينها مجتمعة وبين التيارات الإسلامية، إلى الحد الذي دفع بالأولى إلى الاستعانة بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة والاستقواء به في مواجهة الصعود الملفت والمثير للتيار الإسلامي خلال الاستحقاقات التي أعقبت ثورة يناير، كالانتخابات البرلمانية والرئاسية والهيئة التأسيسية المعنية بوضع الدستور.

وخلال مليونية "تقرير المصير"، شاركت الأحزاب المدنية والقوى الثورية بأجندة مستقلة عن التيارات الإسلامية بشتى أطيافها، رافعة شعار "لا لدولة العسكر ولا لدولة المرشد"، وأبدت تلك الأحزاب والقوى استعدادها للعمل على أرضية واحدة مع الإسلاميين شريطة أن يعتذروا عما اعتبروه خيانة للثورة عبر التنسيق مع المجلس العسكري من أجل مصالحهم وحدهم خلال العام المنقضي، وأن يسحبوا مرشحيهم الرئاسيين تلافيا لهيمنة تيار وحيد على السلطة.

وأما الملمح الثالث، فيتجلى في الفجوة القائمة بين أطياف النخب المدنية مجتمعة وبين الشارع، والتي أججتها الأمراض المزمنة التي تستبد بتلك النخب كالجمود البرامجي والفقر الديمقراطي الداخلي والتكلس المؤسسي وغياب الشفافية والمصداقية، علاوة على تيبس أقنية التواصل مع الجماهير، إنْ بجريرة الاستعلاء الفكري الزائف أو بسبب الارتباك الأيدولوجي الجامح.

فبينما استنكف الليبراليون عن مد جسور التواصل مع الشارع عبر تبسيط مبادئ الليبرالية ومقاصدها، مؤثرين النظر إلى الناس من عل، ومتهمين إياهم بالجهل تارة وبالسذاجة الفكرية تارة أخرى، بدا اليساريون عاجزين عن تجاوز الارتدادات الفكرية والأيدولوجية المربكة التي خلفها زلزال انهيار الاتحاد السوفياتي. ولم تسلم التيارات الإسلامية من هذا المأزق طويلا، إذ سرعان ما ألحقها نهمها بالسلطة وفقا لمنطق المغالبة والتمكين، بنظيراتها من الأحزاب والفصائل غير الإسلامية.

افتقاد التوافق
رغم إتاحة القوانين المنظمة للعملية الانتخابية -كشأن الظروف التي أجريت فيها- فرصا هائلة للنخب المدنية لحصد نصيب الأسد من التركة السياسية لمبارك وحزبه البائد، لم يتسن لتلك النخب أن تهنأ بما حملته طبيعة المرحلة الانتقالية إليها من مكاسب على حساب صناع الثورة الحقيقيين، حيث انزلقت إلى غياهب الصراع على السلطة، إلى الحد الذي حال دون توفر الحد الأدنى من التوافق في ما بينها بشأن القضايا المحورية التي تشكل أعمدة النظام السياسي الجديد كالدستور والبرلمان والرئاسة، الأمر الذي دلف بالتفاعلات السياسية الخاصة بتلك الأمور من أروقة السياسة إلى ساحات القضاء، لينذر بتعثر المسيرة الثورية وإطالة أمد المرحلة الانتقالية.

امتدت أزمة غياب التوافق بين النخب السياسية بشقيها الإسلامي والعلماني، لتطال مساعيها للتكاتف بغرض منع رموز النظام السابق من الترشح للرئاسة توطئة لإعادة إنتاجه

ولقد امتدت أزمة غياب التوافق بين النخب السياسية -بشقيها الإسلامي والعلماني- لتطال مساعيها للتكاتف بغرض منع رموز النظام السابق من الترشح للرئاسة توطئة لإعادة إنتاجه، وذلك من خلال الآلية التي طالما أظلت الجميع أثناء الثورة وهي آلية الحشد الجماهيري في مليونيات.

فبدلا من أن تعكس المليونيات التي التأمت لهذا الغرض سواء في جمعة "حماية الثورة" يوم 13 أبريل/نيسان الجاري، أو جمعة "تقرير المصير" يوم 20 من الشهر ذاته، مقدار التلاحم والتوافق بين أطياف النخب المدنية، إذا بها تسلط الضوء على عمق الخلافات الحادة بينها على نحو ما تجلى في تعدد المنصات وتنوع الشعارات ونشوب الاشتباكات وغياب التنسيق بين الإسلاميين وغيرهم.

الإخفاق في ترويض العسكر
يفترض في أي نخبة مدنية حصيفة تتوخى العروج بالبلاد من الحكم العسكري إلى آخر مدني ديمقراطي، أن تمتلك من القدرة على التوافق فيما بينها والحوار المباشر والبناء مع العسكريين، ما يؤهلها لتحمل المسؤولية وبلوغ تلك الغاية على نحو هادئ وآمن.

ويمكن القول إن النخب المدنية لم تبل بلاء حسنا في التعاطي مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة الممسك بزمام السلطة بعد مبارك، فبينما جنحت بعض الأحزاب والحركات السياسية لعقد الصفقات معه سرا لانتزاع بعض المغانم السياسية، مال بعض آخر إلى الاستقواء به في الصراع مع أترابه ومنافسيه، خصوصا الإسلاميين منهم.

وبينما نجحت دول عديدة في تحويل العسكريين من قوى معوقة للتحول الديمقراطي والحكم المدني إلى رعاة أو حاضنين لهذا التحول من خلال الحوار والتفاهم وإجراءات بناء الثقة، مضت النخب المدنية المصرية في الاتجاه المعاكس.

وبدلا من أن تعد نفسها لتسلم الراية من المجلس العسكري بعد انقضاء أجل المرحلة الانتقالية، بدت النخب المدنية المصرية منقسمة وفاقدة للجاهزية، كما هوت في مستنقع تبادل الاتهامات والتهديدات مع المجلس العسكري، وهو ما هدد بتقسيم الساحة السياسية إلى فسطاطين متناحرين أحدهما عسكري والآخر مدني، كما دفع بقطاعات شعبية واسعة للعزوف عن دعم المرشحين المدنيين واللوذ بمرشحين رئاسيين ذوي خلفيات عسكرية أو قريبين من الجيش.

أداء متواضع
بدا أداء الأحزاب السياسية خلال الاستحقاقات الثلاثة الكبرى التي شهدتها المرحلة الانتقالية كالانتخابات البرلمانية والرئاسية كما إعداد الدستور الجديد، مخيبا للآمال، ففي الأول تضاءل تعداد مرشحي الأحزاب كما حصيلة مقاعدهم في برلمان الثورة، قياسا إلى نظرائهم من التيارات الإسلامية والمستقلين.

وبينما خلف سقوط مبارك وحل الحزب الوطني المهيمن فراغا سياسيا هائلا عجزت الأحزاب والقوى السياسية المدنية العلمانية عن ملئه، أضحى المسرح خاليا للإسلاميين بشتى أطيافهم ومشاربهم لإعادة إنتاج هيمنة التيار الواحد المسيطر على الساحة مجددا، وإن بصبغة دينية هذه المرة.

أما خلال الانتخابات الرئاسية، فقد تجلى الأداء السلبي للأحزاب المدنية في مظهرين بارزين: أولهما عدم إعلان أي من الأحزاب الـ24 الممثلة في البرلمان عن ترشيحه لأي من كوادره لخوض الانتخابات الرئاسية، بل إن بعضها طفق يبحث عن مرشحين مستقلين لدعمهم، كما ارتبكت إستراتيجيات الأحزاب الإسلامية ذات الأغلبية البرلمانية كالحرية والعدالة والنور، فبينما لم يتقدم الأخير بمرشح رئاسي، خرج الأول بمرشحين بعد طول غموض ومماطلة. وما إن أعلن مرشحون حزبيون كحمدين صباحي وأبو العز الحريري ترشحهما، حتى أحجمت أحزابهما عن دعم ترشيحهما بشكل رسمي.

والأدهى أن هذه الأحزاب عانت من انقسام داخلي واضح بشأن دعم مرشحي الرئاسة إلى حد كاد يطيح بمبدأ الالتزام الحزبي، فبينما جنح قطاع من شباب جماعة الإخوان للخروج عن نهج الجماعة وتأييد القيادي المنشق عنها الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، شهد حزب الوفد أزمة مماثلة سواء بسبب عدم التزام بعض نوابه البرلمانيين الصمت حتى غلق باب الترشح للرئاسة، أو جراء عدم التزامهم بتأييد المرشح الذي أعلن الحزب دعمه له كمنصور حسن في البداية ثم عمرو موسى لاحقا.

وتكرر الأمر مع حزب النور السلفي الذي أعطى بعض نوابه البرلمانيين توكيلات للمرشح الإسلامي حازم صلاح أبو إسماعيل على غير إرادة قيادة الحزب.

وبدلا من أن تحاول قيادات تلك الأحزاب إيجاد حلول جذرية لأزمتي التشرذم والالتزام الحزبي، هددت جميعها بفصل أي عضو أو كادر حزبي يثبت دعمه لمرشح رئاسي غير الذي يعلن الحزب تأييده له رسميا.

تجلى الأداء السلبي للأحزاب المدنية في مظهرين بارزين: أولهما عدم إعلان أي من الأحزاب الـ24 الممثلة في البرلمان عن ترشيحه لأي من كوادره لخوض الانتخابات الرئاسية, والثاني إخفاقها في الاجتماع على مرشح واحد

ويتمثل المظهر الثاني في إخفاق تلك الأحزاب مجتمعة في توحيد مواقفها بشأن دعم مرشح رئاسي واحد، بما يساعد على تعظيم فرصه في مواجهة مساعي المجلس الأعلى للقوات المسلحة لانتزاع الرئاسة من خلال الزج بعدد من المرشحين الرئاسيين، في ما اعتبر محاولة لاحتواء الثورة وإعادة إنتاج نظام مبارك.

فقد عجزت النخب المدنية عن مواجهة تلك المساعي عبر تحويل أطروحة تشكيل فريق رئاسي يقوده رئيس مدني ويدعمه باقي المرشحين الرئاسيين المحسوبين على معسكر الثورة بانسحابهم لصالحه قبل إعلان اللائحة النهائية للمرشحين، إلى واقع فعلي بسبب إصرار كل مرشح منهم على أن يكون هو الرئيس المزمع.

وحينما أطل برأسه مجددا سؤال: الدستور أولا أم انتخابات الرئاسة؟ تباينت وجهات نظر القوى السياسية في هذا المضمار، حيث أيدت فصائل وأحزاب موقف المجلس العسكري المطالب بضرورة الانتهاء من الدستور قبل الانتخابات الرئاسية، في حين اعتبرت باقي القوى السياسية الأخرى هذا الأمر محاولة لإطالة أمد المرحلة الانتقالية أو سلق دستور يكون عرضة للطعون.

وخلال الاجتماعات التي عقدها المجلس العسكري مع قيادات الأحزاب والقوى السياسية ورموز العمل الوطني بشأن معايير اختيار الهيئة التأسيسية للدستور الجديد، ظل الانقسام فيما بينها هو سيد الموقف، الأمر الذي فتح الباب على مصراعيه أمام المجلس لطرح وتمرير ما يراه من بدائل، كإحياء دستور 1971 مع إضافة مواده المعدلة التي تم الاستفتاء عليها في مارس/آذار 2011، أو إصدار إعلان دستوري جديد ومؤقت يحدد صلاحيات الرئيس القادم إلى حين الانتهاء من وضع الدستور الجديد.

وتأسيسا على ما سبق، يمكن القول إن نخبا مدنية على مثل هذه الحال، لا يمكنها أن ترتقي إلى مستوى الحدث الثوري الجلل، أو تضطلع بالمهام الوطنية المنوطة بها، ما لم تتخل عن تطلعاتها الفئوية الضيقة والآنية، وتبرأ من سقم الأمراض الفتاكة التي ورثتها عن حقبة مبارك، كالفرقة والتناحر والصراع على الزعامة تحت وطأة أجواء الاختراق والإضعاف والإقصاء والتبعية التي أظلتها طيلة عقود، حتى نالت من فعاليتها وألقت بها وبالبلاد في أتون استقطاب حاد بين المجلس العسكري والإسلاميين بعدما أضحيا بمثابة فسطاطين يتنازعان الاستئثار بغنائم الثورة ويتباريان في إعادة إنتاج الهيمنة الأحادية والمطلقة على المشهد السياسي بمصر الجديدة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة