مشهد الحرب في غزة وخطيئة الخروج على كامب ديفد   
الخميس 1430/2/10 هـ - الموافق 5/2/2009 م (آخر تحديث) الساعة 16:08 (مكة المكرمة)، 13:08 (غرينتش)
صالح السنوسي


بعد توقيع اتفاقية كامب ديفد ترسخت جملة من الوقائع والمبادئ التي شكلت في مجملها ما يمكن تسميته صيغة كامب ديفد، أي السقف الذي لا ينبغي أن يتجاوزه أي مطلب عربي في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة.

"
المعنى الحقيقي للسلام بوصفه خيارا إستراتيجيا هو قبول الأنظمة العربية بالهزيمة أمام إسرائيل وبالتالي التعهد أمام إسرائيل والغرب بعدم الدخول مجددا في صراع مسلح معها مهما فعلت في المنطقة, وأن ليس لهم إزاء ذلك من وسيلة سوى اللوم والتمني والشكوى أمام المنظمة الأممية
"

كانت هناك نتائج ومبادئ لا يجوز الخروج عليها بأية حال وتتلخص بنقاط أولا: السلام خيار استراتيجي فبدا الالتزام بهذا المبدأ وكأن العرب كانوا قبل ذلك طلاب حروب يعيثون فسادا في الأرض ويعتدون على كل آمن ومسالم، وأنهم الآن قد تخلوا عن هذا السلوك العدواني، بينما المعنى الحقيقي الذي ينصرف إليه هذا الإعلان هو قبول الأنظمة العربية بالهزيمة أمام إسرائيل وبالتالي التعهد أمام إسرائيل والغرب بعدم الدخول مجددا في صراع مسلح مع إسرائيل مهما فعلت في المنطقة، وأن ليس لهم إزاء ذلك من وسيلة سوى اللوم والتمني والشكوى أمام المنظمة الأممية، التي لا تملك بدورها هامشا للحركة خارج مقتضيات إستراتيجية الغرب في المنطقة والمرتبطة موضوعيا بكل ما تفعله إسرائيل.

وهذا يعنى عمليا أن العرب سيكتفون في نهاية المطاف بما تقبل به إسرائيل وما ترضى عنه الولايات المتحدة، وأنهم سيكتفون بما يمكن أن تتخلى عنه إسرائيل من أراضيهم المحتلة في حدود ما تأتي به هذه الوسائل التي ليس من بينها الحرب.

ثانيا: التحلل من الالتزام العربي الجماعي الرسمي بالقضية الفلسطينية، وهذا بالطبع نتيجة منطقية يقتضيها الالتزام بالمبدأ الأول، فالاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية جعل من الفلسطينيين شعبا لاجئا أو رازحا تحت الاحتلال وهذا يؤدى بالضرورة إلى ردات فعل من جانب هذا الشعب في شكل انتفاضات وحركات مقاومة قد تقود لإقحام هذه الأنظمة إلى التورط في صراع مسلح مع إسرائيل وخلاف مع الولايات المتحدة، وهو ما أصبح محرما في ظل صيغة كامب ديفد وفي حدود السقف الذي حددته لأي رد فعل عربي ضد إسرائيل.

ولهذا فقد بات من المنطقي لتحاشي مثل هذا الوضع أن يصار إلى فك الالتزام العربي الرسمي بالقضية الفلسطينية والخروج بها من دائرة الصراع العربي الإسرائيلي إلى دائرة محصورة في صراع إسرائيلي فلسطيني، بينما تحتفظ الأنظمة العربية بدورها كجيران متعاطفين ووسطاء وباذلي مساع حميدة، وفي أحسن الأحوال اعتبارها قضية استعمار لا تهم بالدرجة الأولى سوى طرفين، وليس لها أبعاد تاريخية وحضارية وإستراتيجية تنعكس على المنطقة العربية، وذلك باعتبار أن هذه الدول هي كيانات متجاورة جمعت بينها عبقرية الجغرافيا ولكن لكل منها مصيرها ومصالحها وسياستها المختلفة عن الأخرى وهذا ما كرسته صيغة كامب ديفد التي فرضها الغرب وتبنتها الأنظمة العربية.

لهذا كله كان لا بد من التحلل من الالتزام العربي الرسمي تجاه القضية الفلسطينية والقول للفلسطينيين نحن لسنا أكثر فلسطينية منكم وانتم أدري بشؤون قضيتكم.

"
إذا حاول الفلسطينيون أن يتجاوزوا في دفاعهم عن قضيتهم سقف كامب ديفد، فإنه عليهم أن لا يتوقعوا دخول الأنظمة العربية في مواجهة مسلحة مع إسرائيل من أجلهم، فحروب الدول في المنطقة أصبحت محرمة ما عدا تلك التي تسمح بها الولايات المتحدة
"
هذا يعني في واقع الحال أن الأمر قد بات بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وعلى الفلسطينيين أن يعولوا على أنفسهم فقط في صراعهم مع الإسرائيليين، وإذا ما سلمنا بأن الفلسطينيين خارج الحضن العربي ومهما كان حجم تضحياتهم وبسالتهم لا يستطيعون أن يصنعوا فارقا نوعيا في صراعهم مع إسرائيل المدعومة ماديا ومعنويا من الغرب والآمنة والمطبعة مع كثير من الأنظمة العربية، فإن ذلك يعنى أيضا أنه على الفلسطينيين أن لا يتجاوزوا في دفاعهم عن قضيتهم الوسائل التي حددها سقف صيغة كامب ديفد بحيث تستطيع الأنظمة العربية أن تقدم لهم داخل هذا الإطار مساعداتها وخبرتها، أما إذا حاولوا أن يتجاوزوا في دفاعهم عن قضيتهم سقف كامب ديفد، فإنه عليهم أن لا يتوقعوا دخول الأنظمة العربية في مواجهة مسلحة مع إسرائيل من أجلهم، فحروب الدول في المنطقة أصبحت محرمة ما عدا تلك التي تسمح بها الولايات المتحدة أو تقوم بها هي بنفسها لضرورات الإستراتيجية الأميركية.

ثالثا: تحييد النفط وفك ارتباطه بأي قضية صراعية مع إسرائيل أو مع الغرب وذلك بدعوى أن استخدام النفط في السياسة يعد ضارا ضررا محضا بالعرب وليس جديرا بأي ذي عقل أن يرى غير ذلك، ولذا فلا ينبغي على الفلسطينيين أن يطلبوا نصرة إخوتهم العرب بدعوتهم إلى استخدام سلاح عديم الجدوى في مواجهة الغرب وقاتل مرتد إلى نحور العرب.

لا شك أن المفاوضات التي يستبعد أحد أطرافها مسبقا الحرب تحت أي ظرف ويستثنى التلويح بأية وسيلة لها مصداقية كالنفط، لا يمكن أن يحصل منها هذا الطرف على مكاسب جدية أو يسترد حقوقه، ولهذا فإن الفلسطينيين كانوا مضطرين لتجاوز سقف كامب ديفد والاستمرار في المقاومة فكان نتيجة ذلك حصار بيروت الذي كان أول اختبار عملي ناجح لصيغة كامب ديفد نتج عنه ضرب المقاومة الفلسطينية وخروجها إلى المنافي في شمال أفريقيا.

حاولت المقاومة الفلسطينية مجاراة الأنظمة العربية والعمل تحت سقف كامب ديفد غير أنه اتضح للكثير من فصائلها بأن إسرائيل قد تتنازل عن بعض الأراضي التي احتلتها من الدول العربية في مقابل شروط وأوضاع أكثر أهمية من هذه الأجزاء التي تخلت عنها، ولكنها ليست مستعدة للتخلي عن الأراضي الفلسطينية التي استولت عليها وعمرتها بالمستوطنين الذين جلبتهم من مختلف بقاع العالم، وهنا دب الخلاف بين من جربوا مرارة الخروج عن سقف كامب ديفد وأثخنتهم سكاكين غدر الأنظمة العربية وبين الذين رأوا في صيغة كامب ديفد سقفا عديم الجدوى بالنسبة للفلسطينيين الذين لا خيار أمامهم سوى المقاومة لكي تأخذ إسرائيل مطالبهم مأخذ الجد.

لقد اختارت حماس المقاومة والارتفاع عن سقف كامب ديفد في مرحلة تاريخية أكثر تعقيدا من تلك التي جرى فيها حصار بيروت حيث كان العالم يومها ما يزال يعيش في ظل القطبية الثنائية وما تزال صيغة كامب ديفد رخوة لم يتصلب عودها بعد، بينما يجري حصار غزة في ظل أحادية قطبية وإجماع غربي معاد ومنحاز لإسرائيل, وفي مرحلة تجذرت فيها صيغة كامب ديفد وأصبحت هي النهج المتبنى من كل الأنظمة العربية، بحيث أمست أية محاولة للخروج عنها لا تعد تحديا لإسرائيل، بل تعتبرها بعض الأنظمة العربية تعديا على مصالحها الوطنية ومسا بكرامتها.

لذا فإن الرصاص الإسرائيلي المصبوب على غزة من الجهات الأربع ومن السماء بدا لكثير من الأنظمة السياسية العربية قصاصا عادلا وعقابا رادعا لحماس على ارتكابها خطيئة الخروج عن صيغة كامب ديفد.

"
خطورة نهج كامب ديفد لا تكمن في كونها صيغة فرضها الغرب ولا في كونها متبناة من قبل الأنظمة العربية بل لكونها فوق كل ذلك شكلت أرضية لمصالح بعض الفئات ونمت فيها ثقافة يبرر أصحابها محرقة غزة مثلما برروا احتلال العراق
"
لقد حاولت حماس كسر سقف كامب ديفد في الوقت الذي أرغم فيه الغرب بقية العالم على استبدال مفهوم المقاومة بمفهوم الإرهاب، وفي الوقت الذي تبحث فيه إسرائيل عن فرصة في مكان آخر للتخلص من عقدة حربها مع حزب الله، التي اهتزت فيها صورتها في المنطقة.

لقد اختارت حماس الخروج عن صيغة كامب ديفد في الوقت الذي تحتاج فيه الولايات المتحدة إلى نصر على حماس أو حزب الله لإحباط إيران قبل فتح الملفات معها كما أن أنظمة عربية كثيرة كانت بدورها تنتظر بفارغ الصبر مجيء الفرصة التي يتم فيها إعادة الاعتبار لصيغة كامب ديفد التي أصابتها بعض شظايا حرب صيف عام 2006 في جنوب لبنان.

لقد انفردت إسرائيل والغرب وكثير من الأنظمة العربية بحماس في شريط من اليابسة مغلق من جهاته الثلاث، سماؤه مشتعلة بالنار وظهره إلى بحر تسد أفقه المدمرات الإسرائيلية فعكست بشاعة هذا المشهد جموح شهوة الانتقام وحجم التواطؤ وروح شماتة الأقربين.

إن خطورة نهج كامب ديفد لا تكمن في كونها صيغة فرضها الغرب ولا في كونها متبناة من قبل الأنظمة العربية بل لكونها فوق كل ذلك شكلت أرضية لمصالح بعض الفئات ونمت فيها ثقافة يبرر أصحابها محرقة غزة مثلما برروا احتلال العراق.

في ظل هذا الوضع المعقد بدت كل الأطراف المتحالفة ضد حماس، مصممة على أن لا تخرج هذه الأخيرة من مشهد الدم والنار في غزة وهى محتفظة ولو ببوصة واحدة فوق سقف كامب ديفد, أما حماس فتبدو واثقة من طول نفسها مع إدراكها المؤلم بأن أطفال غزة وضحاياها الآخرين هم كعب أخيل الذي يحاول البرابرة والمتواطئون والشامتون أن يمسكوها منه.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة