مصر.. طاولة مستديرة بحثا عن حل وسط   
الخميس 9/10/1434 هـ - الموافق 15/8/2013 م (آخر تحديث) الساعة 15:58 (مكة المكرمة)، 12:58 (غرينتش)
عبد الفتاح ماضي

خطورة الأزمة
الحل السياسي الوسط
تقوية الأحزاب وتمكين الجماهير

انهار المسار السياسي الذي بدأ في مصر في 12 فبراير/شباط 2011، وعاد الجيش إلى صلب الصراع السياسي عندما تدخل وأقصى أول رئيس منتخب في تاريخ مصر المعاصر.

وفي اعتقادي، تحتاج مصر إلى أمرين أساسيين: حل الأزمة الحالية بين الجيش والإخوان، ووضع ضمانات للمسار الديمقراطي، بحيث لا يتم الخروج في المستقبل مرة أخرى على نتائج الصناديق إلا من خلال آليات دستورية وقانونية محددة.

ويمكن أن يتم هذا من خلال حل سياسي وسط، تقدم فيه كل الأطراف تنازلات متبادلة بهدف حقن الدماء، وتشكل بموجبه كتلة تاريخية ديمقراطية، تعيد رسم المسار الديمقراطي عبر مشاركة وطنية موسعة، وتضع ضمانات وآليات دستورية وقانونية للانتقال الديمقراطي.

هذا إلى جانب تعديل الدستور بحيث يتم تبني النظام البرلماني، لتقوية الأحزاب وتعزيز العمل السياسي داخل البرلمان من جهة، واعتماد بعض مظاهر الديمقراطية شبه المباشرة لتمكين الجماهير وإشراكهم في ممارسة نمط جديد من السلطة من جهة أخرى.

خطورة الأزمة
تستوجب أبجديات الرشد السياسي أن تستوعب كافة الأطراف عمق الأزمة، وتدرك عدة حقائق على الأرض، أهمها وأولها أن عزل رئيس منتخب وانحياز الجيش لطرف على اعتبار أن هذا الطرف يمثل الإرادة الشعبية، لم يؤد إلا إلى تعميق الانقسام.

وبعد دعوة التفويض التي أطلقها وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي في 24 يوليو/تموز 2013 صار الوزير طرفا واضحا في الصراع السياسي، وهذا أمر يضع الكثير من العقبات أمام الانتقال الديمقراطي، فضلا عن كونه يمثل خطرا على المؤسسة العسكرية ذاتها.

إن انقسام المجتمع بعد 30 يونيو/حزيران 2013، ليس له مثيل في التاريخ المصري، وهذه حقيقة أخرى لابد أن تُقرأ بشكل صحيح، ولابد أن تؤخذ في الحسبان من جميع الأطراف.

وهناك عوامل كثيرة تعقد هذا الانقسام، كتدخل الإعلام وتشويهه للتيار الإسلامي بشكل عام، واستخدام الدين في الخطابات المتبادلة بين طرفي الصراع، وغير ذلك.

الاحتكام للصناديق يعالج الاختلافات بالدول الراسخة ديمقراطيا، حيث الممارسة الديمقراطية المستقرة والقضاء المستقل والمحايد، أما الدول التي في مرحلة تحول فالتوافقات والحلول الوسط لابد أن تسبق الصناديق

وترتبط بهذا حقيقة أخرى هي أن للرئيس المعزول أنصارا بالملايين، لن يتركوا الميادين، بسبب ممارسات الإقصاء المستمرة ضدهم منذ 30 يونيو/حزيران الماضي (2013)، وبسبب محنهم السابقة في الخمسينيات والستينيات.

وقد سبق وأن حذرنا من خطورة إسقاط رئيس منتخب، يدعمه ظهير شعبي قوي، ومن خطأ تقدير القوى المدنية وقيادة الجيش من أن أنصار مرسي سيدخلون بيوتهم بمجرد إسقاطه.

وثمة تقدير آخر غير دقيق، وهو تصور أن الحلول الأمنية ستنجح، أي تصور أنه يمكن قمع مناصري مرسي وإعادتهم لبيوتهم بالقوة.

الحقيقة هي أن الحلول الأمنية لن تؤدي إلا إلى شلالات من الدم، وإلى سيل من الإدانات الدولية، ومن ثم عرقلة المسار الجديد وفشله.

ولم يحدث أن نجحت حالة تحول ديمقراطي واحدة مع وجود استقطاب حاد بهذا الشكل أو إقصاء تيار أساسي. هذه حقيقة شبه علمية تقدمها لنا أدبيات التحول الديمقراطي.

ومن الخطورة أيضا الذهاب لانتخابات برلمانية ورئاسية مبكرة، أو تعديل الدستور في ظل هذا الاستقطاب الحاد. فالانتخابات، ووضع الدساتير أو تعديلها، لابد أن يسبقها رضا عام وتوافق على الإجراءات والقواعد.

وبدون هذا ستؤدي هذه الخطوات لتعميق الأزمة، تماما كما حدث مع استفتاء مارس/آذار 2011 ودستور2012. إن الاحتكام للصناديق يعالج الاختلافات في الدول الراسخة ديمقراطيا، حيث الممارسة الديمقراطية المستقرة، والقضاء المستقل والمحايد، أما الدول التي في مرحلة تحول فالتوافقات والحلول الوسط لابد أن تسبق الصناديق.

ومن الصعوبة أيضا إعادة عقارب الساعة للوراء، بالنظر إلى حالة الاستقطاب الشديدة ومعارضة قطاعات واسعة لمرسي، وأيضا بسبب الأخطاء التي ارتكبها واعترف بها قبل إسقاطه.

وهناك أخيرا وضع أمني خطير في سيناء والمناطق الحدودية، وهناك تدخل لأطراف إقليمية ودولية في الأزمة، ومحاولات من قبل البعض لتدويل الأزمة واستدعاء الخارج للضغط على الخصوم.
ولهذه الأمور آثار سلبية للغاية على الأمن القومي المصري، بل وعلى مستقبل المنطقة كلها.

الحل السياسي الوسط
يمكن أن يتم الحل السياسي المنشود من خلال القيام بما كان يجب أن نقوم به صباح يوم 12 فبراير/شباط 2011، وهو وحدة الصف وتشكيل تكتل وطني ديمقراطي لإدارة مرحلة التحول على أساس إعلاء المصلحة الوطنية الجامعة، والتركيز على وضع الأطر الدستورية والقانونية وضمانات دولة القانون والمواطنة والمؤسسات الديمقراطية المدنية المنتخبة، وليس دولة الأشخاص أو الجماعات.

 إقصاء الآخر غير ممكن، وهو -إنْ تحقق- سيؤدي إلى تدمير الطرفين معا، وبالتالي فإن بقاء كل طرف هو شرط لنجاح الآخر

وذلك على اعتبار أن هذه الدولة هي القادرة على حماية الحريات والحقوق وقيم المجتمع المصري، وتفكيك بنية الاستبداد وعقلية الإقصاء، وإصلاح كافة قطاعات الدولة، وتمكين الشباب والنساء، وتحقيق العدالة الاجتماعية وتمكين الفقراء والمهمشين، وحماية الكرامة الإنسانية، والوقوف ضد كافة صور الهيمنة في الداخل والخارج.

ويتطلب هذا الحل السياسي الوسط ثلاثة أمور على الأقل، أولها أن تسبقه إجراءات لبناء الثقة بين الأطراف المختلفة، بعد كل هذا الكم الكبير من التشويه المتبادل، وبعد كل ما قام به الإعلام الموجه لتأجيج الصراع. أما الثاني فهو أن يوضع هذا الحل بمشاركة الجميع، والثالث أن لا يلبي مصالح طرف على حساب الآخر، فلا يخرج كل طرف إلا بجزء من مطالبه، نظرا لأن إقصاء الآخر غير ممكن، وهو (إنْ تحقق) سيؤدي إلى تدمير الطرفين معا، وبالتالي فإن بقاء كل طرف هو شرط لنجاح الآخر.

وأتصور أن المرحلة الأولى للحل لابد أن تشتمل على خطوات متبادلة ومتزامنة لإعادة الثقة.
فعلى الجيش (الذي تدخل لصالح طرف فأدى هذا إلى تعميق الانقسام وليس العكس) أن يعيد النظ،ر ويقدم تقديرا جديدا للموقف يضمن مشاركة الجميع في وضع المسار، وأن يكون الجيش حارسا لا حاكما.

أي أن على الجيش التدخل مرة أخرى لا لحساب طرف وإنما لجمع الطرفين على طاولة مستديرة، ليشتركا معا في حل الأزمة التي عصفت بالمؤسسات الشرعية، وشغلت الجيش عن مهامه الأصلية.

وعلى الإخوان والأحزاب المتحالفة معهم وقف الحملات الخطابية بالميادين، والإعلان عن قبولهم الحل السياسي الذي يضمن دمج التيار الإسلامي في المشهد السياسي من ناحية، ووضع ضمانات المسار الديمقراطي وعدم الانقلاب على نتائج الانتخابات وحيادية الجيش من جهة أخرى.

وعلى الجيش والحكومة المؤقتة الإفراج عن الرئيس وجميع المعتقلين، والتعهد بعدم ملاحقة الإسلاميين، ووقف الحملات الإعلامية ضد الإخوان، وإعادة فتح القنوات المغلقة.

أما أحزاب جبهة الإنقاذ فعليها التخلي عن نظرتها الاقصائية للإخوان، وإعلان أن الجميع شركاء في الوطن، طالما التزموا بالقانون والديمقراطية، قيما وممارسات، داخل أحزابهم وفيما بينهم وبين الأحزاب الأخرى.

أما المرحلة الثانية، فتبدأ بدعوة طرف وسيط (كمجموعة من المثقفين المستقلين مثلا) لجميع الأطراف -بما في ذلك الجيش والمحكمة الدستورية- إلى طاولة حوار وتفاوض مستديرة، وذلك كما تم بحالات أخرى بأوروبا وأميركا اللاتينية وأفريقيا.

والهدف هنا هو ضمان مشاركة الجميع في تعديل المسار الحالي، وإعادة العمل بالدستور، ووضع ضمانات للانتقال الديمقراطي.

على الجيش التدخل مرة أخرى لا لحساب طرف وإنما لجمع الطرفين على طاولة مستديرة ليشتركا معا في حل الأزمة التي عصفت بالمؤسسات الشرعية، وشغلت الجيش عن مهامه الأصلية

ويمكن هنا الحوار حول كافة الخيارات، كأن يفوض الرئيس الحالي، أو المعزول، كافة صلاحياته وبشكل نهائي لرئيس حكومة تكنوقراط توافقي تتوافق عليه القوى السياسية ليشكل حكومة على أساس الكفاءة، وأن يكون لرئيس الحكومة نائب من التيار الإسلامي وآخر من التيار المدني، وأن تنقل سلطة التشريع إلى قسم الفتوى والتشريع بمجلس الدولة.

وتقوم الحكومة التوافقية، بمجرد تشكيلها بأمور أربعة عاجلة: إعادة تشكيل لجنة تعديل الدستور، والإعداد للانتخابات وضماناتها وجداولها، ووضع ميثاق شرف إعلامي، وتشكيل لجنة مستقلة للعدالة الانتقالية وتقصي الحقائق، للنظر في كافة الانتهاكات قبل 25 يناير/كانون الثاني2011 وحتى اليوم.

ويجب تحديد إطار زمني للحوار والتفاوض، وصدور وثيقة مكتوبة تتضمن كافة الخطوات الجديدة والالتزامات والتعهدات، وذلك على غرار ما حدث في حالات أخرى. ويمكن أن يتم هذا في شكل إعلان دستوري جديد.

تقوية الأحزاب وتمكين الجماهير
وأعتقد أن تعديلات الدستور يجب أن تراعي أمرين أساسيين. الأول أننا في مصر نحتاج نظاما برلمانيا خالصا، لأسباب كثيرة أهمها القضاء على الإرث الاستبدادي لمنصب الرئيس، وتقليل مخاوف الكثيرين من عودة الممارسات الأمنية القديمة إذا ما تم انتخاب رئيس من المحسوبين على نظام مبارك.

هذا إلى جانب نقل التفاعلات السياسية للبرلمان والأحزاب لتراقب وتحاسب رئيس الوزراء والوزراء، وإتاحة الفرصة لكي تمارس السياسة من خلال الأحزاب وما يرتبط بها من تفاوض وحلول وسط وتحالفات. وللعلم فإن معظم الحالات الناجحة في الانتقال الديمقراطي اختارت النظام البرلماني وليس الرئاسي أو شبه الرئاسي.

وأتصور أيضا أنه يمكن التفكير في بقاء الحكومة المتفق عليها لمدة أربع سنوات كحكومة وحدة وطنية في هذه الفترة التاريخية (التي هي فترة تأسيس وليس تنافس) مع خضوعها لرقابة البرلمان، أو أن تكون أول حكومة بعد الانتخابات البرلمانية القادمة حكومة وطنية موسعة لمدة أربع سنوات، كما حدث بجنوب أفريقيا بعد أول انتخابات تعددية.

الأمر الثاني هو تبني الدستور بعض مظاهر الديمقراطية شبه المباشرة كآلية واحدة من آليات جعل الشعب سلطة رابعة. فإلى جانب الاستفتاء الشعبي، يمكن تبني الاقتراح الشعبي الذي يسمح للناخبين باقتراح مشروع قانون ورفعه للبرلمان لمناقشته، كما في بعض الكانتونات السويسرية والدويلات الأميركية والكندية.

ويمكن أيضا تبني أسلوب عزل الحكام إذا أخلوا بواجباتهم من خلال إجراء انتخابات مبكرة، ويمكن تطبيق هذا الأسلوب على كل مسؤول يأتي بالانتخاب كالمحافظين المنتخبين وعلى مستوى نواب المحليات ونواب البرلمان ورؤساء الأندية الاجتماعية والجامعات وعمداء الكليات.

ففي فنزويلا مثلا تعطي المادة 72 من الدستور المواطنين الحق في استبدال كل الأشخاص الذين يأتون إلى مواقعهم بالانتخاب، بما في ذلك رئيس الدولة.

ثورة المصريين ثورة كبرى، ولن تتوقف إلا بتحقيق أهدافها في تفكيك بنية الاستبداد، ونبذ كل أشكال الإقصاء والممارسات الأمنية القديمة، وحماية الحريات، وتحقيق العدالة الاجتماعية

ويحتاج هذا الأمر تدابير قوية لضمان الجدية ولمنع إساءة الاستخدام، كأن يشترط توافر توقيعات (نسبة 10 أو 15 في المائة مثلا من إجمالي أصوات آخر انتخابات)، وتحديد مدة لجمع التوقيعات (شهر مثلا)، وعدم تكرار نفس الموضوع خلال سنة أو سنتين، وغير ذلك.

هذه الأساليب ستسهم في ترجمة طموحات الشباب في المشاركة، بتوفير أسلوب سلمي دستوري للتأثير في النقاش العام من خلال حملات شعبية من خارج البرلمان والأحزاب، ومن ثم تحقيق أكثر من هدف: محاسبة الحكام والنواب، وتوسيع نطاق الديمقراطية التي لن تنحصر في مجرد التصويت، وإشراك الناس في تحديد موضوعات الأجندة السياسية المطروحة، وتحسين أداء الحكام وغير ذلك.

وبهذا سيصبح العمل السياسي أقرب إلى شراكة بين النخب السياسية والمجتمع، وتكون الحكومة أكثر استماعا لأصوات الشارع، أما السياسة فلن تصنع خلف الأبواب المغلقة إلى حد كبير.

إن الإصرار على أن يكون الصراع مباراة صفرية لن يؤدي إلا إلى استمرار مسلسل الدم وعدم الاستقرار، وظهور تحالفات وموجات ثورية جديدة، ستؤدي إلى فشل المسار الحالي والعودة قسرا لنقطة الصفر مرة أخرى، لكن بتكلفة أعلى بشريا وماديا.

إن ثورة المصريين ثورة كبرى، ولن تتوقف إلا بتحقيق أهدافها في تفكيك بنية الاستبداد، ونبذ كل أشكال الإقصاء والممارسات الأمنية القديمة، وحماية الحريات، وتحقيق العدالة الاجتماعية.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة