مجزرة رفح وحاجات شارون   
الأحد 1425/8/18 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)


بقلم/ إبراهيم أبو الهيجاء

- رفح.. خطط جاهزة
- العناوين السياسية للمجزرة
- الخطة البديلة.. تفتيت الانسحاب
- التصعيد واستدراج العرب
- الأفق

وصل شارون إلى نهاية المطاف وسقط في كل شيء. ففي الأمن لم يجلب للإسرائيليين سوى المزيد من القتل، وفي الأيديولوجيا أسقط مبرر الاستيطان عندما قرر بذاته خلع مستوطنات غزة، بعدها سقط حزبيا عندما رفض حزبه خطته بأغلبية ساحقة، والآن قضايا الفساد المتورط فيها تنتظر قرارا حاسما من المستشار القضائي نهاية الشهر الجاري. أما هامشه السياسي فهو يضيق وهو أمام اختبار جلي في الصدق بوعوده التي روج فيها لخطط الانسحاب من غزة.

باختصار لقد دقت ساعة شارون الرملية مبشرة بنهاية عهده، ولم يتبق له سوى المزيد من العلاقات العامة وتأجيل الأزمات وتصعيدها للوصول إلى حلول تكتيكية تجاهها.

ومجازر رفح تأتي في إطار ذلك التصدير للأزمات الذي يهدف إلى لفت الانتباه السياسي وتغيير العنوان الصحفي وتبديل التحالفات وتأجيل الأزمات وإسكات الخصوم.

أما حبل النجاة الذي من الممكن أن ينقذه فيتمثل إما في العودة إلى أحضان اليمين، وبالتالي نسيان خططه تجاه الانسحاب من غزة أو تمييعها وفقدانه بالتالي لكاريزما القيادة والمصداقية الدولية، مما سيؤدي غالبا لسقوطه في أي لحظة، أو الهروب لأحضان اليسار الصهيوني والتخلي بالتالي عن رفاقه في اليمين وهذا أيضا سيتطلب خطوات سياسية تفقده اليمين وتؤكد تخليهم عنه وعن زعامته.

وفي كل الأحوال شارون تائه مضطرب في الداخل والخارج، وزاد عليه وعلى إسرائيل أن الظروف الدولية التي أتيحت له بعد احتلال العراق هي الأخرى متآكلة بفعل الوقت وتهاوي شعبية بوش وسقوط المبررات السياسية والأخلاقية لاحتلال العراق والامتناع الأميركي في مجلس الأمن إشارة مهمة في إطار ذلك، دون أن يتوهم أحد أن الموقف الأميركي تغير أو يريد التغير.

فقد راهن شارون كثيرا على تحسين موقف إسرائيل التفاوضي عندما طرح خطة الانسحاب من غزة ووجدها فرصة للتخلص من المقاومة وتأكيد الوجود الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس.

لكن الأمور سارت بما لا يشتهي، والآن أصبح محتما على شارون أن يعيد صياغة مبرراته الحزبية وادعاءاته السياسية وأهميته بالنسبة لأمن إسرائيل أي عليه أن يعيد تعريف وجوده وأهميته كقائد لإسرائيل في خط سياسي واضح يميني أو يساري أو خليط بينهما لا مكان للتلاعب بينهما.

في خضم ذلك أتت مجزرة رفح وحي الزيتون، التي تحمل بصمات شارون بامتياز، لتؤكد للداخل الصهيوني أن ورقة الأمن ما زالت بيده وأنه الأكثر دموية في إنجازها، بما يؤمن استعادته لزمام المبادرة وتأكيد الحاجة إليه كقائد بارع في التنفيذ دون رحمة.

"
خطط اقتحام رفح كانت جاهزة تماما في سياق ما شكلته رفح من مغذ للمقاومة الفلسطينية عبر إبداعات الأنفاق الأرضية مع رفح المصرية

"
رفح.. خطط جاهزة

اليوم تظن إسرائيل أن بإمكانها المضي قدما في النهج الذي يقول إنه من الضروري التخلص من المقاومة الفلسطينية قبل إخلائها لقطاع غزة، ومادام الأميركان يفعلون ما هو أشد وأنكى في العراق، فلماذا لا تستمر إسرائيل أيضا في المضي في مخطط استنزاف المقاومة وضربها وبالتالي تخليص غزة منها، حتى يستتب الهدوء ويتمكن شارون من تنفيذ الانسحاب بهدوء.

لكن الظروف دون شك اختلفت فخطة الانسحاب من غزة لا يمكن أن تبقى قائمة أو تصلح للتنفيذ بعد استفتاء الليكود، الذي أكد على يمينية متعالية على شارون ذاته.

وعليه فما جناه شارون من طرحه لخطة الانسحاب كان معكوسا -حسب رأي المؤسسات الأمنية الإسرائيلية- فقد تعزز نهج المقاومة الفلسطينية وارتفعت آمالها، وبالتالي رأت هذه الأجهزة ضرورة التسريع في مجازر غزة بقصد استنزاف المقاومة والتقليل من سقف طموحاتها وتوقعاتها.

لكن ورطة إسرائيل في غزة تتعمق كلما توغلت أكثر في ضوء النجاحات اللافتة في حي الزيتون ورفح وما قبل المجزرة، وبالتالي بدل أن تستعيد إسرائيل الردع، تورطت في أزمة ثقة جديدة وأكدت شكوك اليمين الصهيوني من أن الخروج من غزة يسبب مشكلة أمنية ولا يؤدي إلى حلها.

وبالفهم المقابل عززت اقتناع اليسار بأن البقاء في غزة سقوط في الوحل، ولذا كانت الوحشية واستخدام المزيد من القوة مقابل كل طلقة مقاومة أطلقت، هي بالأساس محاولة إسرائيلية لإقناع الداخل الصهيوني بالقول (إن الأمور تحت السيطرة).

أما اختيار رفح كعنوان للمجزرة فلم يكن محض صدفة ولم يجئ ردة فعل على مقتل الجنود ونجاح المقاومة في تفجير الدبابات، كما يروج الخبراء الإسرائيليون.

صحيح أنهما شكلا حافزا لشارون للمضي بقوة في هدم البيوت وقتل العشرات وجرح المئات، لكن من المؤكد أن خطط اقتحام رفح كانت جاهزة تماما في سياق ما شكلته رفح من مغذّ للمقاومة الفلسطينية عبر إبداعات الأنفاق الأرضية مع رفح المصرية، وما تشكله رفح في صلب خطة الانسحاب من غزة السابقة للخطة الجديدة المجزأة التي تريد السيطرة على الحدود وتوسيع محور (فيلادلفيا) في عمق رفح وعلى أنقاض البيوت المهدمة وليس بالتوسع على أرض محاذية لها أو بعيدة عنها.

العناوين السياسية للمجزرة
شارون قبالة الحاجة الأمنية الداخلية بحاجة إلى ترميم سياسي داخلي يقوي من قيادته وخارجي يعيد مصداقيته. وفي إطار ذلك هو ملزم بطرح شيء لا يورطه مع حزبه ولا يظهره كقائد ضعيف فاقد لكلمته ومكانته وخططه في المستوى الخارجي، وخاصة أمام الولايات المتحدة المصرة على رؤية تطبيق شيء من وعوده لها في ظل تعاظم مأزق الأميركان في العراق وحاجتهم للدول العربية لكي تساهم في تجميل الاحتلال الأميركي وتبرر الحاجة لبقائه مع اقتراب نقل السلطة للعراقيين.

ونعتقد هنا أيضا أن إيمان شارون الراسخ بخطة (الانسحاب من غزة) يدفعه أيضا للاستمرار في المجازفة، وهنا علينا أن لا نسقط أي احتمالات لأي تبدلات داخلية إسرائيلية تذهب بشارون يمينا أو يسارا أو وسطا، تسوغ الطرح السياسي الجزئي أو الشامل الملتف على الرفض الحزبي الليكودي فإلى جانب التصعيد الأمني الشاروني سيكون هناك على الدوام طرح إسرائيلي سياسي متزامن.

في إطار ذلك جاءت خطة اللواء الاحتياط "غيورا آيلاند" رئيس مجلس الأمن القومي، والذي صاغ من قبل خطط الانسحاب من غزة، والمرتكزة مرة أخرى على بيع الانسحاب من غزة للفلسطينيين والعرب وكأنه إنجاز سياسي.

صحيح أن العناوين تغيرت من انسحاب جزئي في غزة إلى انسحاب متكامل مع الضفة أيضا، إلا أن المركبات بقيت هي ذاتها والتي ملخصها تصدير أزمة إسرائيل الأمنية والديمغرافية للدول العربية المجاورة مصر والأردن تحديدا وتسويق الوجود الدولي في إطار حماية إسرائيل وليس العكس وبما يؤكد الحقائق الجديدة.

باختصار ما تريده إسرائيل هو أن يحل العالم مشكلتها ويقر بوقائعها الاحتلالية ويحميها من المقاومة ويسد الفراغ الناشئ بعد تركها غزة.

إن الوجود الدولي أو الاستدعاء العربي الذي تقصده إسرائيل وتريده هو مهم بمقدار موافقته وتطابقه مع خطة الانسحاب من غزة والتكيف مع الشروط الإسرائيلية فقط، وبما يحل المأزق الأمني والسياسي الإسرائيلي.

الخطة البديلة.. تفتيت الانسحاب
"
كلما اشتدت دموية إسرائيل فإن الدول العربية كانت تتداعى لطرح خطة جديدة للتسوية وهي للأسف لم تأت لتشد من أزر المقاومة بقدر ما كانت تقدم تنازلات أكثر تجاه حقوقنا

"
في الخطة البديلة وإذا لم يفلح الحل الكلي الذي سربه "إيلاند "، فإن شارون مضطر للعودة لخطة مقلصة مائعة من خلال تقطيع مراحل انسحاب غزة إلى خطط صغيرة تتطلب كل واحدة منها مصادقة جديدة.

وبهذه الخطة المتدرجة يهدف شارون إلى التفاف على معارضي اليمين الإسرائيلي السياسي على الأقل، وإرضاء الحليف الأميركي، ولكن هذه الخطط المقلصة سيبقى أمامها ثلاثة أهداف، أولها توريط مصر بالإشراف على الحدود، وثانيها خلق بدائل دولية أو عربية أو فلسطينية متعاونة ومستحدثة عن الجهات الفلسطينية الحالية تحكم السيطرة بدلا عنها، وثالثها الحفاظ على ديناميكية الضمانات الأميركية ووعد بوش لشارون رغم تقطيع الانسحاب الإسرائيلي إلى فتات مشكوك أصلا في تنفيذها.

وجنبا إلى جنب مع هذه الخطط تريد إسرائيل الاستمرار في الضربات العسكرية والعدوانية بما يقلل من سقف المقاومة ويسيطر على مصادر السلاح ويستنزف بالتالي المقاومين، وهذا ما سيبقي إسرائيل مستمرة في عملياتها تجاه مخيمات ومدن غزة تحديدا ولكن بشكل متدرج، وقد وجد شارون في هذه الخطط ضالته أيضا أملا في استعادة بريقه السياسي والأمني معها.

التصعيد واستدراج العرب
صحيح أن إسرائيل في حالة تخبط سياسي وأمني قد يفسر ما يجري من طرح سياسي يناقض الواقع الأمني.

فمن جهة إسرائيل تتورط أكثر في غزة بدل أن تخرج منها، وتوسع محور(فيلادليفيا) الحدودي المحاذي لرفح بدل أن تحضره للإخلاء في إطار الخطة الجديدة التي تريد توريط مصر في حماية حدودها.

لكن السياسة الإسرائيلية لا ترى في ذلك تناقضا، فالتصعيد ثم التصعيد هو الذي يستدعي أن يصرخ الفلسطينيين والدول العربية طالبين تدخل ما يسمى "المجتمع الدولي"، وبالتالي تأتي الحاجة لطرح الأفكار الجديدة في ضوء معرفتنا أن سقف الإستراتيجية العربية الرسمية لا يخرج عن إطار التسوية.

وقد لاحظنا أنه كلما اشتدت دموية إسرائيل فإن الدول العربية كانت تتداعى لطرح خطة جديدة للتسوية، وهي للأسف لم تأت لتشد من أزر المقاومة بقدر ما كانت تقدم تنازلات أكثر تجاه حقوقنا.

ولعل ما يتسرب عن مقررات قمة تونس الحالية من إدانة للعمليات الاستشهادية يدعو للأسى، وفيه تأكيد على استمرارية التنازلات العربية في وجه الدموية الصهيونية.

الأفق
"
جاءت مجزرة رفح والعرب على أبواب قمتهم لتزيد إحراجهم إحراجا

"
لا يمكن لشارون الفاقد لكل شيء إلا المضي في تجريب كل شيء واستغلال كل فرصة أمنية وسياسية لكي يؤكد أن دوره السياسي لم ينته، وأن أحلامه اليمينية مازالت متجذرة ( وإن انقلب عليه اليمين)، رغم أن خططه الجديدة بشقيها الكلي والتدريجي تؤكد بجلاء أنه ما زال يلعب بالوقت ويعبث بالسياسة.

ولكن يبقى لشارون الفضل في الكشف عن مكنون المجتمع الإسرائيلي الأبعد عن أي حل أو تسوية، وحتى المراهنات العربية على الفتات الذي كانوا يطمعون بتقديمه من قبل شارون تبخر ولا يمكن له جديا أن يتحقق، وجاءت مجزرة رفح والعرب على أبواب قمتهم لتزيد إحراجهم إحراجا.

إن جرائم شارون مع زيادة وتيرتها تكشف بجلاء عن مأزق داخلي إسرائيلي يعصف بها. وكلما أمعنت إسرائيل في جرائمها أوغلت في مأزقها، وسيكون من الخطورة السياسية القبول بوصاية دولية أو عربية تسوغ القبول بخطة الانسحاب من غزة أو تؤمن حماية خلفية للهروب الإسرائيلي من غزة أو الضفة.
إن استمرار الدموية الشارونية يذكر بعض الفلسطينيين والعرب الهاربين من قدرهم بأنه لا مناص لهم، وما عليهم إلا تحمل مسؤولياتهم، وأداء واجباتهم في الدفاع عن أرضهم وكرامتهم، والاستعداد للأسوأ لأن شارون المأزوم داخليا وخارجيا خطير جدا، ورفح هي فقط البداية.
ــــــــــــــــــ
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة