العلماء والأمراء   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ توجان فيصل

من مشاهدتي لبرنامج "بلا حدود" على قناة الجزيرة، عرفت أن الدكتور أحمد كمال أبو المجد هو الآن نائب رئيس "المجلس القومي لحقوق الإنسان" في مصر, بل وعرفت أن في مصر مجلسا كهذا.

وأقول صراحة إن المعلومة الأولى صدمتني, فالدكتور أبو المجد واحد ممن أسماهم هو نفسه "العلماء" -مقابل تسميته للحكام "بالأمراء"- في حديثه للبرنامج, فهو من أكبر أساتذة الفقه الدستوري في العالم العربي, وبهذا وبصفته هذه أعرفه.

صدمني فعلاً أن أجده مجرد نائب رئيس لهذه الهيئة وليس حتى رئيسها, مع أن ترؤسه لها لن يخفف من صدمتي, كوني أجلّ العلم والعلماء. وتساءلت عمن هو الرئيس؟؟ هل هو أحد "الأمراء", أم من أقربائهم أو أنسبائهم أو "محاسيبهم" الذين ينصّبون على رأس كل هرم, ثم يتم البحث عن نائب يقوم عنهم بالمهمة المختصة, خاصة أن الحوار "المختص" هنا كان يجري مع النائب وليس مع الرئيس؟؟!!

هذا عن الشق الأول من المعلومة التي أفادتني بها قناة الجزيرة. أما الشق الثاني وهو وجود هيئة رسمية لحقوق الإنسان في مصر, فلا يضيف شيئاً لا إلى حال حقوق الإنسان ولا إلى حال الديمقراطية في مصر. بل إن وجود مثل هذه الهيئة يؤكد مقولتي التي كررتها في أكثر من مقال, بأن الحكومات العربية تنسق وتتبادل الخبرة وتتوحد على أمر واحد, وهو قمع مواطنيها!!


بعد عقود من النضال لأجل حقوق الإنسان أفضت بي سريعاً إلى السياسة, أستطيع أن أجزم بأن مجرد تشكيل هيئة رسمية لحقوق الإنسان هو دليل وجود انتهاك رسمي كبير لهذه الحقوق
ولا أدري من منا سبق الآخر, نحن أم مصر, في مجال تأسيس هيئة "رسمية" لحقوق الإنسان, في حين أن الهيئات الأهلية التطوعية تقفل أو تُحارَب بضراوة.

أعرف أن في اليمن وزارة لحقوق الإنسان, ولا أدري أيا من الدول العربية الأخرى لديها هيئة أو وزارة مشابهة. ولكنني بعد عقود من النضال لأجل حقوق الإنسان أفضت بي سريعاً إلى السياسة -كون الحال السياسي هو المقبرة الجماعية لحقوق الإنسان في العالم العربي- أعرف ما يكفي عن الحقلين المتصلين عضوياً, لأجزم بأن مجرد تشكيل هيئة رسمية لحقوق الإنسان هو دليل وجود انتهاك رسمي كبير لهذه الحقوق.

وأمثال الدكتور أبو المجد مطلوبون في تلك الهيئة لإصدار شهادات وفاة طبيعية لمن يقضون تحت التعذيب, وشهادات ولادة ونمو سليم لحقوق موجودة فقط على الورق. ولكن سرعان ما ينتهي الأمر بأن تصبح هذه الهيئات مقابر لمن نصّبوا عليها, يدير لهم الناس ظهورهم أو ينسونهم تماماً على أحسن تقدير, بعد أن كانوا رموزاً يقصدهم الناس في مظالمهم!!

وأنا حريصة على الدكتور أبو المجد لأنه واحد من "العلماء" الذين قصدتهم لعلمهم. ففي رأيي لا يجوز حل مجلس النواب -حسب الدستور الأردني- لإجراء الانتخابات التالية المستحقة في موعدها. والمبرر الوحيد للحل هو الحاجة إلى إجراء انتخابات مبكرة, بعد عزل الحكومة التي حل المجلس في عهدها وفي ظل حكومة مؤقتة تشكل لهذا الغرض.

ولسنا هنا في مجال الخوض في التفاصيل الدستورية, ولكننا في مجال المهمة الأولى الملقاة على عاتق علماء القانون أمثال الدكتور أبو المجد. وكنت وحدي من يفتي بهذا الرأي الدستوري في الساحة السياسية والقانونية في الأردن.

وقد نشرت مقالاً مطولاً يشرح هذا, ونويت إقامة دعوى لدى العدل العليا. ولأدعم رأيي المنفرد حينها, وأنا لست مختصة أكاديميا بالقانون, قصدت الدكتور أبو المجد ومعي نسخة من الدستور الأردني ومن قانون محكمة العدل العليا ومن مقالتي.

كانت جلسة استمرت لأكثر من ثلاث ساعات أشكر الدكتور عليها, وأعتز بأنه أيدني في كل ما ذهبت إليه. وساعدني هذا على إقناع محام نشط في مجال حقوق الإنسان على قبول رفع الدعوى.

ومع أن حكم المحكمة جاء لصالح الحكومة كما توقعت الغالبية الساحقة من القانونيين والسياسيين, فإن المحاولة لم تكن بلا جدوى، فقد كسبت القضية "سياسيا" بالقناعة التي تشكلت لدى الأردنيين بأن هذا حقهم الدستوري, وبتسجيل سابقة تعترض على مصادرة هذا الحق, تتوفر حيثياتها القضائية لمن يريد أن يعرف: هل الشعب الأردني جاهل لا يفهم الديمقراطية, يحتاج إلى "تنمية سياسية" على يد الحكومة, وإلى نشرات تثقيفية تصدرها هيئة حقوق إنسان رسمية كتلك التي في مصر, بصورة انتقائية لا تتضمن الحقوق السياسية.. أم العيب وعدم التأهيل في سلطات أخرى لم تنبثق عن الشعب!!

وكسبت القضية "قانونياً" لدى الجسم القانوني المختص, لكون القضية لفتت نظر أستاذ جليل آخر لم أكن أعرفه من قبل, هو الدكتور محمد الحموري (وزير عدل سابق في حكومة قصيرة الأجل), فكتب بحثاً ونشره في دورية نقابة المحامين أيد فيه قضيتي واعتبر حكم المحكمة غير صائب, ولم يتمكن أحد من القضاة أو المحامين من الرد عليه.

والدكتور الحموري عاد وترافع عني أمام العدل العليا مرة أخرى, حين منعت بقانون انتخاب مؤقت من نزول الانتخابات الأخيرة, وعن قائمة طويلة من المرشحين ومن الناخبين كي تتوفر له سمة تمثيل كامل الشعب الأردني, في قضية تاريخية بادر إليها هو لأنه يؤمن أن هذا هو دور "العلماء", لإلغاء ذلك القانون المؤقت لعدم دستوريته.

ومع أن المحكمة استمعت إلى مرافعته القيمة الجامعة المانعة على مدى يومين, من الصباح وحتى الظهر, بحضور حشد من الحضور السياسي والقانوني ملأ قاعة المحكمة, فإن الحكم جاء "بعدم اختصاص" المحكمة, رغم قانونها الذي اطّلع عليه الدكتور أبو المجد !!! وسينشر الدكتور الحموري مرافعته قريباً في كتاب قال إن عنوانه "هكذا ترافعت وهكذا حكموا", ومنه سيعرف الدكتور أبو المجد وكل مختص وكل معني بالديمقراطية وحقوق الإنسان, أين ومتى نحتاج إلى علمائنا من أمثال الأستاذين الكريمين الحموري وأبو المجد.

فحقيقة الأمر أن ما قصدت به الدكتور أبو المجد قبل سبع سنوات كان أكثر من مشورة ودعم "علمي"، فقناعتي بصواب رأيي كانت على درجة لا يمكنني معها التفريط بحق للشعب اعتماداً على احتمال ضئيل للخطأ, وكنت سأرفع القضية لأن تسجيلها هو "القضية" الدستورية الأهم, وإيرادها في برنامجي الانتخابي عام 1989 كحق دستوري للشعب كلّفني أوّل مقعد نيابي.


خاضت أميركا حربين على العراق، ولكنها هُزمت دولياً وداخلياً حين سقطت مصداقية مزاعمها بشأن أسلحة العراق, وحين تكشفت انتهاكاتها لحقوق الإنسان في أرض العراق وفي غوانتانامو
ولكنني آملت أن أتسلح بتأييد علمي عربي لتتحصن القضية "سياسياً", أو على الأقل تنشر على نطاق أوسع, فلا شيء يخدم الحقيقة أكثر من نشرها. ومعارك حقوق الإنسان وحقوق الشعوب تخاض بكل أنواع الأسلحة, ولكن قبل كل شيء بالسلاح الإعلامي المسنود بالحق والحقيقة.

وقد خاضت أميركا حربين على العراق جندت فيهما الإعلام والرأي العام العالمي قبل حشد الجيوش والسلاح, ولكنها هُزمت دولياً وداخلياً أمام الكونغرس وأمام شعبها حين سقطت مصداقية مزاعمها بشأن أسلحة العراق "علمياً", وحين تكشفت حقيقة انتهاكاتها لحقوق الإنسان على أرض العراق وفي غوانتانامو.

لقد طلبت من الدكتور أبو المجد حينها أن يعلن أو يسمح لي بإعلان رأيه في دستورية قضيتي, التي هي قضية الشعب الأردني والشعب المصري والعديد من الشعوب العربية. فحالنا السياسي متشابه, وحالنا الدستوري (أم هل أقول اللادستوري) متطابق, لأن الدساتير العربية أخذت عن بعضها, أو أخذت عن ذات المصادر الدستورية الأوروبية. حينها اشترط الدكتور أبو المجد أن تطلب منه جهة رسمية ذلك, المحكمة أو الحكومة الأردنية، وهو ما قلت له إنني واثقة من استحالته حتى لو طلبته كخبير!!

والآن أعيد الطلب إلى الدكتور أبو المجد, وإلى الدكتور الحموري, وكل أساتذة الفقه الدستوري, والأساتذة المحامين المعنيين بحقوق الإنسان, أن يؤسسوا هيئة عربية أهلية تطوعية تتولى الترافع عن حقوق الإنسان العربي, وفي مقدمتها حقوقه الدستورية.

فلا مجال للحديث عن سيادة القانون ومراعاة أبسط حق من حقوق الإنسان في غياب سيادة الدستور!! والأستاذ أبو المجد خير من يعرف ما يفرضه العلم على صاحبه في مجال توعية الناس.

هذه التوعية التي استفاض في الحديث عنها إلى درجة أنه أوحى بأن العيب في الناس الذين لا يتظلمون, وليس العيب في الظالمين. بل إنه وصل إلى حد إيجاد الأعذار لرجال الأمن الذين يعذبون المعتقلين بكونهم حريصين على أداء واجبهم وإحلال نعمة الأمن على الشعوب, فلم يجد مضيفه الأستاذ أحمد منصور بداً من "أخذ العيّار إلى باب الدار" كما يقول المثل الشعبي, ويدعو الناس ليتقدموا بمظالمهم للدكتور أبو المجد أو للمحاكم, ويدع "الماء تكذّب الغطّاس"!!

مكان المدافعين عن حقوق الإنسان في العالم كله هو -فقط- في منظمات مستقلة. ولأن العالم العربي لا يعترف باستقلالية أية جهة تعين من الحكومة أو تدفع لها الحكومة, كون الحكومات تعتبر المنصب العام محطة لخدمتها, وتعتبر المال العام ملكاً لها وليس للشعب, فإن المكان الوحيد المستقل في العالم العربي بما يحقق الحد الأدنى للفاعلية, هو الحقل الأهلي التطوعي.

وإذا كان السياسي يمكنه أن يراوح بين المنصب الرسمي والعمل الأهلي في محاولة لتطبيق مبادئه وقناعاته وبرامجه, فإن هذا الحيز أضيق بكثير حين يتعلق الأمر برجال القانون. فهؤلاء ملزمون قانونا -وبغض النظر عن قناعاتهم السياسية والإنسانية- بأن يدافعوا عمن يمثلون.

فالمدّعون العامون مثلاً يمثلون الدولة حتى في العالم الديمقراطي, وملزمون بالدفاع عن مصالحها. وإذا كانت "الدولة" في العالم الديمقراطي تعني "الشعب ومصالحه" فإن التعريف ذاته أبعد ما يكون عن العالم الثالث -وفي مقدمته العالم العربي- وبالذات حين يكون الحديث عن حقوق الإنسان في المعتقلات وحقوق المعتقلين السياسيين!!

خيارات القانوني هنا تنحصر بالأبيض أو الأسود, ورأيه هو الفصل بين ما هو أبيض وما هو أسود, كونه حكما مبنيا على نص قانوني ودستوري, وليس "وجهة نظر" تقبل التعدد وتتعايش معاً في آن ومكان واحد, كما في الأحزاب والبرامج والأجندات السياسية.

لهذا فإن ما فصّل فيه الدكتور أبو المجد على شاشة الجزيرة, باعتبار دوره أو أدائه في موقعه هذا, وهو "الحوار" مع الحكومة ومع وزراء الداخلية بالذات, و"إقناعهم" مع الزمن (أي تنميتهم سياسياً وحقوقياً), هو آخر ما تسمح به مبادئ وقواعد القانون, والشرائع السماوية أيضاً.


بودي أن أسمع من د. أبو المجد وهو يعلّم "الرعية" كما "الأمراء" أن الحقوق لا مساومة عليها، منطلقاً مما تمليه عليه مرجعيته القانونية والشرعية, لا أن يتبنّى مرجعية مستمدة من عصور الدكتاتوريات
فالحقوق لا مساومة عليها ولا يحق إلا لصاحبها تأجيلها أو التنازل عن أي جزء منها!! والدكتور أبو المجد أعلم مني بهذا, وبودي أن أسمعه يعلّم هذا "للرعية" كما "للأمراء", منطلقاً مما تمليه عليه مرجعيته القانونية والشرعية, لا أن يتبنى مرجعية مستمدة من عصور الدكتاتوريات التي كان العلماء يراوحون فيها بين دور مفتي السلطان أو الناصح السلبي إن سئل, أو يلقى به في غياهب السجون, كما فعل المأمون بالإمام ابن حنبل (ويريدنا الظلاميون أن نستمد نماذجنا من النظر إلى الخلف لا من حولنا وإلى الأمام) أو كما جرى لغاليليو لأنه قال إن الأرض كروية!!

ولأن الحديث عن "الحقوق" في العالم العربي الذي لمصر وسوريا بالذات فيه دور تاريخي كمرجعية فقهية قانونية علمية, لابد هنا من أن أذكّر بالفراغ الذي أحدثه رحيل عالم كبير وحقوقي لم يساوم على حق لشعب مصر أو للشعوب العربية، وكانت له صولات في تحصيلها من براثن السلطة حيثما استطاع أن يترافع..

تذكر له نقابة المحامين في مصر فضله, ويذكر له الأردنيون من جيل أبي محاولته الترافع عندنا دفاعاً عن لاجئ سياسي أردني اتهم بالضلوع في اغتيال الملك عبد الله عام 1951, ولكنه رُدّ من على الحدود التي رسمها سايكس بيكو ولم يعترف بها ذلك "الحقوقي".

إنه الدكتور محمد عصفور الذي لم يعترف بالمحيطات وبالتاريخ والجغرافيا حدوداً لحقوق الإنسان. واهتمامه البالغ -وهو في ذلك العمر الذي يتقاعد دونه الآخرون على امتيازات رسمية دسمة- بكتاب "ادفن قلبي عند الركبة الجريحة" الذي يتحدث عن انتهاكات أميركا لحقوق الهنود الحمر, جعلني أستأذنه في إهدائه نسختي الخاصة المعلّمة بقلمي, لاختصار زمن الاستيراد!!

رجل لم يرتض المنصب العام, حتى أنه رفض الوزارة في عهد عبد الناصر الذي عرف قدره, ليبقى "عصفور الحريات" كما أسماه كاتب صحفي مصري. رجل بكيته كما لم أبك أبي.. وكيف لا, فالرجل اختار أن يدفن قلبه عند الشعوب المقهورة الراكعة على ركبتها الجريحة!!
________
كاتبة أردنية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة