نظرة على الحرب   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 20:10 (مكة المكرمة)، 17:10 (غرينتش)

بقلم/ غراهام فولر*

بينما ندخل الأسبوع الرابع من الحرب على العراق، وقد صدمت من معنويات الأميركيين في الولايات المتحدة اليوم، والتي هي مختلفة كليا عن تلك التي كانت سائدة أثناء حرب الخليج الثانية عام 1991، أو خلال الحرب على حركة طالبان في أفغانستان. خلال الحربين السابقتين كان المرء يرى بوضوح الأعلام الأميركية وهي ترفرف على بيوت الأميركيين وسياراتهم، وعلى الجسور والطرق السريعة. أما خلال هذه الحرب (الحرب على العراق) فليس هناك إلا القليل من الأعلام ترفرف على المنازل والسيارات.

ورغم أن الغالبية العظمى من الأميركيين تؤيد الحرب الدائرة، فإنهم غير متحمسين لها، حيث هناك مخاوف من أن تكون لهذه الحرب آثار سلبية على الاقتصاد الأميركي، وعلى علاقات الولايات المتحدة مع دول العالم.

لقد شنت الحرب بطريقة مختلفة عما توقعه الكثير من الأميركيين. فهذه الحرب مختلفة، لأن القتال داخل المدن العراقية أكثر تعقيدا من الحرب في الأماكن المفتوحة. إن قوات الحلفاء تتقدم أبطأ مما كان الناس يتوقعون، ربما لأن قادة الحرب هذه المرة يريدون الاحتفاظ بالجزء الأكبر من البنية التحتية كي تستخدم في مرحلة ما بعد صدام. كما تأمل إدارة الرئيس بوش بأن تتمكن من إدارة العراق برضا العراقيين لا رغما عنهم، ولو لفترة قصيرة.


إن الأميركيين غير متحمسين لدور أميركي في عراق ما بعد الحرب. يخافون أن يكون الأمر مكلفا، ويتحسبون من مقاومة أو أعمال عنف ضد المسؤولين الأميركيين في العراق
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو، ما هي درجة عداء الناس لأميركا بعد سقوط صدام، خاصة وأنها باتت وشيكة. كل من يعرف العراق والعراقيين، يعلم بأن الغالبية العظمى من العراقيين يكرهون صدام حسين، لحكمه القمعي طوال العقود الماضية، فهو النظام البوليسي الأكثر قهرا في العالم الإسلامي. لكن ليس كل العراقيين يرحبون بغزو أجنبي. والقوات الأميركية مهما كانت حريصة في تجنب إصابة المدنيين، فهي في النهاية، غازية. قد يقاتل الكثير من العراقيين من أجل صدام حسين في البداية، نظرا لخوفهم منه. وسيقاتل قسم من العراقيين رغم أنهم لا يحبونه، ولكنهم لا يريدون إدارة أجنبية لبلادهم. بينما سيحدو بعض العراقيين الأمل بأن الأميركيين سيسقطون النظام في البلاد ثم يرحلون.

إن الولايات المتحدة تجازف بخططها لإدارة عراق ما بعد صدام حسين. إنها تأمل بأن قدرا أكبر من الحرية وحياة مريحة للعراقيين سوف تمنح العراقيين أملا جديدا بالمستقبل وفرصة بناء نظام سياسي جديد في البلاد. إذا تحلت الولايات المتحدة بالحكمة في فترة المرحلة الانتقالية في بغداد، فمن المرجح أن يبرز عراق أفضل، عراق لم يرَ العالم العربي له مثيلا. لكن احتمالات فشل الولايات المتحدة كبيرة أيضا، إذ سيتحتم عليها التعامل مع فصائل متنافسة من عرب العراق الشيعة والسنة إضافة إلى الفصائل الكردية، والخروج بسياسة متوازنة. قد يكون من السهل حكم العراق حكما دكتاتوريا، ولكن المسألة ستصبح صعبة، عندما تكون هناك أصوات متنوعة في الساحة السياسية.

أتمنى لو أتمكن من التصويت لتوني بلير ليكون رئيسا للولايات المتحدة في الانتخابات القادمة. فعلى الرغم من تأييده لأهداف بوش من وراء شن الحرب، إلا أنه يتمتع برؤية أكثر وضوحا لمدى تشابك المشكلة، وأهمية الدور الدولي في العراق بعد الحرب. والأمر الأكثر أهمية، هو أن بلير كان يثير قضية فلسطين قبل وأثناء الحرب. إنه يمثل مصدر الضغط الجدي الوحيد على واشنطن من أجل الانتباه إلى قضية فلسطين. في الحقيقة، فإن صوت بلير أعلى من صوت أي زعيم عربي، حيث يكفي أنه استطاع إنقاذ جورج بوش من عزلة في أوربا. إذا لم تأت الولايات المتحدة بحل عادل للمشكلة الفلسطينية، فسوف تفقد مصداقيتها في الشرق الأوسط، وسوف ينظر إليها العالم العربي بعين الريبة وربما بكراهية، بغض النظر عن قوة الحكومة القادمة في العراق.

هل ستختلف سياسة الولايات المتحدة تجاه فلسطين هذه المرة، خاصة بعد زوال صدام حسين؟ هناك بعض الدلائل الصغيرة المشجعة.


  • رغم أن الغالبية العظمى من الأميركيين تؤيد الحرب الدائرة، فإنهم غير متحمسين لها، حيث هناك مخاوف من أن تكون لهذه الحرب آثار سلبية على الاقتصاد الأميركي، وعلى علاقات الولايات المتحدة مع دول العالم
    أولها، تشديد كولن باول على الحاجة إلى حل سريع للأزمة الفلسطينية، بل إنه أبلغ اللوبي الإسرائيلي بواشنطن و لجنة العلاقات الأميركية الإسرائيلية
    (AIPAC) بالحاجة إلى ضرورة الانتهاء من تسوية الوضع في فلسطين. لكن باول قد لا يكون الصوت الأعلى في رسم السياسة الخارجية الأميركية مقارنة بوزارة الدفاع (البنتاغون) والبيت الأبيض.
  • لا يزال صوت بلير هو الأمل الأكبر. لكن من جهة ثانية، من الواضح أن هناك حالة من التوتر بين الناشطين المؤيدين لليكود في المجتمع اليهودي بالولايات المتحدة وإسرائيل، ناتجة عن خوف حقيقي لأن تلجأ الولايات المتحدة هذه المرة إلى فرض حل ليس على هوى الليكود. من المحتمل أنهم لمسوا عملا جديا في واشنطن بهذا الخصوص. كان شارون خائفا جدا من نفوذ بلير في واشنطن. سوف ننتظر ونرى.

لكن من جانب آخر، هناك أسماء ليكودية مشهورة ومؤثرة في الإدارة الأميركية، ومن المحتمل أن يقوم هؤلاء بعرقلة أي مشروع لا يريده شارون. من هذه الأسماء "إيليوت كوهين" المسؤول عن شؤون الشرق الأوسط في البيت الأبيض، و "ولفويتز" الرجل الثاني في البنتاغون و"فيث" الرجل الثالث. إن أصوات هؤلاء الرجال القوية لا تجعلني متفائلا في هذه المرحلة.

الأمر الجلي هو أن الشرق الأوسط لن يعود كما كان بدأ. هل هذا أمر جيد، أم لا؟ لا نعرف الجواب بعد. الأمر الواضح الوحيد
–بالنسبة لي على الأقل لسوء الحظ- أن الحالة في الشرق الأوسط كانت على الدوام مزرية، وتعيق أي تقدم في العالم العربي إلى الأمام. فهل ستساهم سياسات بوش في إحداث تغيير إيجابي، حتى بطرق لا يمكن التكهن بها اليوم؟ هل سيكون هناك تطورات وتداعيات لم يحسب لها حساب، ستحدث في المنطقة نتيجة سقوط حكم صدام حسين؟ أم إن الخوف والتشكك في سياسات بوش، ستضمن تدهور الحال إلى الأسوأ نتيجة تشبث بعض الحكام العرب بالحكم، ولو بالقوة؟ وإذا استمرت الفجوة بين أميركا والعالم المسلم بالاتساع؟

هناك معركة آخذة بالاشتداد في واشنطن، حول نوع الإدارة الانتقالية التي ستنصب، هل ستكون لفترة طويلة أم قصيرة؟ إلى أي مدى ستتدخل الولايات المتحدة في إصلاح النظام السياسي والاقتصادي العراقي؟ إن البنتاغون (وزارة الدفاع الأميركية) في صراع مع وزارة الخارجية، حول صاحب الكلمة العليا في إدارة العراق وإعادة إعماره مستقبلا. وحول ما إذا كانت الولايات المتحدة ستتكلف بهذه المسؤولية، أم ستناط بالأمم المتحدة. من المؤكد أن الأمم المتحدة سيكون لها مصداقية أكبر من الولايات المتحدة. من جهة ثانية، إن الأمم المتحدة ستكون أكثر كفاءة من إدارة تتألف من بلدان مختلفة؟

إن قضية النفط العراقي مهمة جدا. لا أعتقد أن النفط العراقي هو المسألة الرئيسية وراء الحرب الأميركية للإطاحة بصدام حسين. لكن شركات نفطية عالمية مهتمة بربح عقود نفطية في العراق، وستستعر المنافسة فيما بينها. وإذا ربحت الشركات النفطية الأميركية، حصة الأسد من تلك العقود، فإن ذلك سيولد تشككا في حقيقة الدوافع الأميركية لشن الحرب على العراق، وسيؤثر سلبا على السياسات الأميركية، حتى لو كانت الإدارة الانتقالية الأميركية قائمة.


الأمر الجلي هو أن الشرق الأوسط لن يعود كما كان بدأ. هل هذا أمر جيد، أم لا؟ لا نعرف الجواب بعد. الأمر الواضح الوحيد
-بالنسبة لي على الأقل لسوء الحظ- أن الحالة في الشرق الأوسط كانت على الدوام مزرية، وتعيق أي تقدم في العالم العربي إلى الأمام
أخيرا، فإن الأميركيين غير متحمسين لدور أميركي في عراق ما بعد الحرب. يخافون أن يكون الأمر مكلفا، ويتحسبون من مقاومة أو أعمال عنف ضد المسؤولين الأميركيين في العراق. إن تلك المقاومة لن تصدر عن عامة الشعب، ولكن من أنصار حزب البعث ونظام صدام "سابقا"، ومن المجموعات الإسلامية الراديكالية الغاضبة مما جرى. وإذا طال بقاء الأميركيين في العراق، فإن المعارضة ستبرز عندئذ من السياسيين العراقيين الذين يريدون تسلم السلطة في العراق على الفور. كيف ستتم عملية انتقال السلطة من الولايات المتحدة إلى العراقيين؟ وهل سيكون معظم العراقيين راضين عن الديمقراطية في العراق، حتى لو قوت من عضد شيعة العراق في السلطة؟

هناك علامات استفهام كبيرة حول مستقبل العراق، وقد يكون من المبكر جدا إطلاق التوقعات. إن طول فترة الإطاحة بصدام سيكون لها دور أساسي في تحديد معنويات العراقيين بعد الحرب. لكننا بلا شك نعيش وقتا عصيبا وغريبا. لم يحدث أن يكون هناك علامات استفهام بهذا الكم حول مستقبل النظام العالمي. وحتى واشنطن لا تعرف الآن إلى أين ستتجه الأمور؟

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة