شبح قصر عابدين   
السبت 28/10/1430 هـ - الموافق 17/10/2009 م (آخر تحديث) الساعة 0:02 (مكة المكرمة)، 21:02 (غرينتش)
توجان فيصل


ما جرى قبل أيام في الجمعية العمومية للأمم المتحدة من قيام السلطة بتأجيل التصويت على إحالة تقرير غولدستون لمجلس الأمن, قد يكون فاجأ البعض غير المسيس في العالم كله, ولكنه لم يكن مفاجئا للنخب العربية.

فقد سبق أن أعلنت إسرائيل صراحة قبل ثمانية أيام من التأجيل وبالتحديد بتاريخ 23-9-2009 في"الجيروزاليم بوست", وعلى لسان وزير خارجيتها ليبرمان أن السلطة الفلسطينية التي طلبت من إسرائيل أن توجه لقطاع غزة ضربة قاصمة لا تملك أن تقيم دعوى جرائم حرب على إسرائيل. وقبل التصويت بيوم صرح ليبرمان نفسه للصحافة بأن السلطة الفلسطينية ستسحب تقرير غولدستون من التصويت.

وبعمومه, لم يكن الشارع العادي بحاجة لأدلة على صحة التهم التي وجهها ليبرمان لـ(أبو مازن). فالشارع العربي هو الذي أطلق وتناقل نكتة عن مجريات قمة الكويت الاقتصادية (وتناقل النكتة أو الكاريكاتير بشكل موسع هو مؤشر على توفر القناعة بدقة تشخيصهما للحال) تقول إن "أبو مازن" حين سمع بالمليارات التي ستقدم كمساعدة عربية لإعادة بناء قطاع غزة, مال على أقرب رجاله وقال له: قل لهم أن يقصفوا الضفة. بهذا يكون الشارع العربي, وليس ليبرمان, هو الذي أعلن من حرض من على قصف من وماذا, ومقابل ماذا.

"
الصدمة التي أحدثها قرار السلطة تأجيل التصويت على تقرير غولدستون أتت من إسقاط حاجز العيب والحرام معا بهذه الطريقة التي لا تتستر حتى بورقة توت, وهو ما استفز الحس الأخلاقي لعامة الشعوب العربية
"
ولكن إذا كانت تلك قناعة الشعوب العربية, فكيف فوجئت وصدمت بما جرى في جنيف؟ الصدمة أتت من إسقاط حاجز العيب والحرام معا بهذه الطريقة التي لا تتستر حتى بورقة توت, وهو ما استفز الحس الأخلاقي لعامة الشعوب العربية التي لا تزال تملك منظومة قيمية لم تنجح الأنظمة العربية في تدميرها بالشكل المستهدف، خاصة أن ما تبقى من تلك المنظومة, بعد أن نزعت منها مكونات مثل الكرامة والحرية والعدالة والمساواة باعتبارها ترفا, بقي يتمحور حول العيب والحرام تحديدا. ومن هذا المعيار المتواضع ولكن البدهي جدا, يرى الشارع العربي أن بعض الأمور لا يجوز وضع بطاقة سعر عليها, فكيف ببيعها بسعر التصفية في سوق دولي؟

وأبو مازن لم يكن يخشى كشف تواطئه مع إسرائيل ولم يهدد بنشر أشرطة توثق هذا الذي يعرفه كل الفلسطينيين والعرب, بل إن تهديده جرى بوقف دفع ثمن تواطئه. والدليل من جهة، استهتاره بالشعوب العربية لدرجة أنه أوعز بتشكيل لجنة "لتشرح لهم ما حدث", وكأنه أمام طلبة متخلفين. ومن جهة أخرى يشعر, وهو رئيس سلطة بلا دولة, أنه هو من يملك أن يهدد ويبتز غيره من الحكام العرب والمسلمين, وعلى طريقة ليبرمان ذاتها.

فأول رد له كان قوله إن تأجيل التصويت على تقرير غولدستون قرار اتخذته دول عربية وإسلامية, تاركا الشبهة عائمة حتى تضيع دماء أهل غزة ومجمل القضية الفلسطينية بين القبائل كالعادة. ومن قبلها هو وظف بنجاعة هوس توريث الحكم في مصر, وأثناء العدوان على غزة بشكل خاص إلى حد ارتضت معه مصر أن تنعت بما لم تنعت به السلطة ذاتها المحرضة على العدوان.

ومؤخرا حين احتج الأردن الرسمي على تغييبه عما يجري ترتيبه من وراء ظهره, واستقوى باحتجاج شعبي اندلع نتيجة تكشف مخططات إسرائيل بشان الأردن. جاء "كبير المفاوضين الفلسطينيين" صائب عريقات لعمان وعقد بتاريخ 22-6-2009 ندوة مفتوحة عن حق العودة تحدث فيها, كما أوردت مواقع إخبارية أردنية, من عمان ذاتها، عن أن المعركة مع أميركا وإسرائيل تتعلق بتعويض الدول المضيفة, والأردن تحديدا". ولا ندري ما جرى في مصر أو في دول عربية وإسلامية أخرى أوحى حديث (أبو مازن) بأنها متورطة, ولكننا أصبحنا في عمان على مطالبات صحفية بإيضاح رسمي, ضمن إجماع على أن ما جرى كان فضيحة.

ولكن بغض النظر عن كل ما سيلي من تقاذف اتهامات أو تبرئة, فإن تلك الحادثة يجب أن تستوقفنا باعتبارها مؤشرا على استحقاقات مرحلة جديدة في العالم العربي لا يمكن ردها, كونها استحقاقات تتجاوز الإرادات المتنازعة لترقى لمرتبة الصيرورة التاريخية.

وهي شديدة الشبه بحادثة قصر عابدين في مصر, والتي يجمع مؤرخو ومفكرو الأمة على اعتبارها تاريخ سقوط الملكية الحقيقي في مصر, حتى لو لم يكن هنالك ضابط اسمه عبد الناصر أو أي من مجموعة الضباط الأحرار.  فالذي توالى سقوطه المتسارع مؤخرا, ثم رُسّم سقوطه بصورة مدوية في الأمم المتحدة لا أقل, هو هيبة النظام الرسمي العربي.

"
إذا كان عمرو موسى وصف ما جرى بأنه "يدعو للغثيان" فإن ذلك لا يشكل أية تبرئة للنظام العربي الذي يرأس موسى هيئته الرمزية التي سبقته للسقوط ضحية نهج "تضييع الدماء بين قبائل الجامعة"
"
وكون عمرو موسى وصف ما جرى بأنه "يدعو للغثيان" قد يسعف قليلا في تحسين صورة الرجل الذي فقد منذ أمد أية قدرة على اتخاذ قرار, ولكنه لا يشكل أية تبرئة للنظام العربي الذي يرأس موسى هيئته الرمزية التي سبقته للسقوط ضحية ذات نهج "تضييع الدماء بين قبائل الجامعة".

الحادثة ليست الأولى من حيث التواطؤ على فلسطين أرضا وشعبا ومقدسات, حتى من بين صفوف الفلسطينيين. ولكنها تأتي في مرحلة تاريخية اتسمت بصحوة عالمية فرضتها مجموعة متغيرات كارثية مترابطة, عمت الكرة الأرضية بما يشبه توالي سقوط سلسلة الدومينو.

فالاستعمار الاقتصادي الذي ظُن لعقود أنه حل محل الاستعمار الكولونيالي المباشر القائم على الغزو العسكري, أعيد بعث أدواته العسكرية دونما ضرورة وبشكل وحشي غير مسبوق, في حربين كونيتين غير مبررتين لا سياسيا ولا عسكريا, وفاشلتين بالمعيارين. حربين قادتهما أميركا على أفغانستان والعراق لخدمة مصالح ائتلاف شركات النفط والسلاح وخدمات الحروب, بذريعة القضاء على "الإرهاب" الذي لم يحسم بعد إن كانت أميركا من أوجدته ابتداء, وإن كان ما حسم لحينه أنها فاقمته بأن وفرت له شرعية ودعما غير مسبوقين في صفوف المهمشين.

هذه الحروب كانت جزءا من تجليات الفساد العالمي الذي أورث حالة جنون مالي انتشر بأسرع من أي وباء آخر, ودمر كل البنى الاقتصادية لما كان يسمى بنظم الاقتصاد الحر في العالم كله. فتسارعت متواليات الفقر والجوع ودمار البيئة والنزاعات الدولية التي توطّن, والنزاعات المحلية التي تدوّل, والأحقاد الطبقية الدولية والمحلية المؤججة لصراع طبقي عالمي جديد لم يكن ليخطر حتى على بال كارل ماركس حين وضع نظريته. ورغم تنادي قادة الدول الكبرى وحشد طوابير الصغرى خلفهم, لا يبدو أن هؤلاء "الكبار" يملكون مؤشرا على مخرج حقيقي من الأزمة الاقتصادية, كونهم لا يظهرون لحينه إرادة حقيقية للاعتراف بخطئهم هم تحديدا.

فحتى أوباما الذي أتى به إلى رأس السلطة في الدولة العظمى, رغم كل المعوقات التاريخية, طرحه "التغييري" المناوئ لكامل المنظومة القديمة, والمتلمس للحلول في بنية القيم الأخلاقية المهملة من الساسة منذ وضعت في أغلبها. حتى أوباما هذا سقط سريعا فيما تخوفنا وحذرنا منه في مقالة سابقة من على هذا الموقع, وهو "التخويف بالتهويل".

ولكن وجود سلة تفاح فاسدة في قمة المشهد السياسي الأميركي والدولي العجوز, لا ينفي حقيقة التغيير الذي حصل للتربة لتصبح موائمة لإنتاج تفاح مهجن مختلف. فأوباما هو واحد ممن انتخبوه, والذين يمكن أن نسميهم الناخبين الجدد في العالم. وهو لم ينتخب لأنه مفوه على طريقة "أصدق الشعر أكذبه" في تراثنا, بل لأنه مفوه بما يكفي ليصوغ التطلعات الجديدة الناشئة لأناس جدد خرجوا من مرحلة الجنون العالمي السابق بتوق لعالم مختلف.

وإذا كان النفوذ الصهيوني الدولي هو العامل الرئيس في إسقاط أو سقوط أوباما, فإن بواكير التذمر الشعبي الدولي من ذلك النفوذ واعتباره مصدر الخطر الرئيس على شعوب أكثر من دولة أوروبية تعتبر صديقة بل وحليفة لإسرائيل (كبريطانيا), سابق حتى على ترشح أوباما, وظهر بشكل لافت في استطلاعات محايدة أجريت في أكثر من بلد أوروبي قبل نحو عامين. وكان ذلك قبل انهيار الأسواق العالمية نتيجة مضاربات واحتكارات تقودها في الأغلب قوى صهيونية.

وفيما يخصنا وضمن مجريات الصراع العربي الإسرائيلي, انعكس هذا الوعي الجديد المتنامي تجاه مخاطر الصهيونية, تعاطفا شعبيا دوليا غير مسبوق مع أهالي غزة إبان الحصار وتصاعد أثناء الغزو. والأهم أنه استمر بعده على شكل جهود منظمة ليس فقط لرفع الحصار عن غزة, بل ولمحاسبة إسرائيل ومحاكمة مسؤوليها على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبوها في غزة.

"
إذا كان البعض أحبط من تخويف وتدجين أوباما, فإن الحراك الشعبي الأوروبي,  ينبغي أن يطمئن هؤلاء إلى أن "التغيير" قد بدأ باعتباره استحقاقا تاريخيا, وأنه قاعدي وعالمي, وأنه لا يستثني أحدا
"
وإذا كان البعض أحبط من تخويف وتدجين أوباما, إعمالا لمقولة "اللي ما يخافش من أميركا ما يخافش من ربنا", التي تعكس نفسية مرتهنة للمستعمر ولرؤية للسياسة باعتبارها عرض رجل واحد. فإن الحراك الشعبي الأوروبي, وبالرغم من سياسات قادة أوروبا الحاليين, ينبغي أن يطمئن هؤلاء إلى أن "التغيير" قد بدأ باعتباره استحقاقا تاريخيا, وأنه قاعدي وعالمي, وأنه لا يستثني أحدا.

قبل سنوات كان العالم العربي, في غمرة يأسه, يتطلع للقوى الكبرى من أجل دعم حركات "إصلاح وتغيير" سياسي. ولحسن حظ تلك القوى أن رجلا كبوش كان رئيس أكبر دولة حينها, وأن حليفه الأوروبي كان توني بلير, وكلاهما خرج من سدة الحكم غير مبجل ولا مأسوف عليه.

ومن بعدها راهنّا جميعا وبكل أطيافنا على أوباما, بدرجة أو بأخرى. ولكن ليس فقط لأن هيبة الإمبراطوريات الزائلة سقطت بفضل أمثال بوش وبلير, ولا لأن الرئيس الشاب الأسود جرى تطويعه بما يقارب إسقاطه. ولكن تحديدا لأن سقطات أخرى خاصة بنا توالت وأودت بما تبقى من "هيبة الدولة" التي شكلت برنامج الأنظمة العربية الوحيد, وتحقيقه كان يجري بتسليط محاكم عسكرية وقوانين طوارئ على رقاب القوى الإصلاحية والنخب المعارضة. وتوالي تسارع السقطات السياسية بدءا بسقوط السادات الذي جمع في شخصه كل عقد التبعية النفسية لمن سقط قبله وبعده.

وعززه ذات الفساد السياسي المنشأ الدولي الامتداد الذي أسقط هيبة بوش وبلير وأتى على ما تبقى من مجد لإمبراطورية المال الممثلة بشركات عابرة للقارات والحُُرُمات, كما أتى على كل ما مثلته منظمة التحرير الفلسطينية وفتح وعدد من الفصائل في تاريخ فلسطين, وانتهى بأن أتى على ترليونات النفطيين وعلى قوت الفقراء في العالم العربي, منهيا ما تبقى من مظاهر هيبة للنظام العربي.

وإذا كان مقرر الأمم المتحدة الخاص لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة قد أشار إلى تهديد إسرائيل بعدم ترخيص شركة هواتف نقالة في الأراضي المحتلة لابن محمود عباس باعتباره السبب الرئيس "لإنقاذ الرئيس عباس إسرائيل من الإدانة في خيانة لشعبه", فإن الحصص في شركات النقال أصبحت السعر الدارج لأصغر وزير عربي فاسد, لا أكثر.

لهذا قفزت الحاجة "للتغيير" وليس مجرد الإصلاح لتتصدر مطالب الشعوب بتسارع, وتسللت عفويا وبداهة إلى كل مفصل سياسي ومعيشي حتى بدت في بعضها مجرد فوضى لم تجد مستقرها, ولكنها تتوحد في كونها تبحث عن مستقر نابع من ذاتها وليس مفروضا عليها ولا موردا إليها.

"
قفزت الحاجة "للتغيير" لتتصدر مطالب الشعوب بتسارع, وتسللت عفويا وبداهة إلى كل مفصل سياسي ومعيشي حتى بدت في بعضها مجرد فوضى لم تجد مستقرها, ولكنها تتوحد في كونها تبحث عن مستقر نابع من ذاتها وليس مفروضا عليها
"
وهنا, وبصدفة سعيدة تكاد تجعل من الصيرورة التاريخية كائنا حيا ينسق ويجدول أحداثه أفعالا, تزامن إحياء ذكرى رحيل عبد الناصر السنوية, مع لحظة السقوط العربي المدوية. وبدا لافتا حجم الاهتمام الاستثنائي الذي لقيته تلك الحقبة الذهبية في تاريخ الأمة التي كانت فيها كل كلمة أو فعل من زعيم عربي واحد تهز العالم وتبقي أميركا وبريطانيا وإسرائيل واقفة على رؤوس أصابعها.

وفي لحظة البحث اليائسة عن بديل, بدا البديل ممكنا وقريبا جدا , تاريخيا ومن كل التفاصيل الحية الدامية. بدءا من الهم المعيشي وصولا إلى الوفاء, ليس فقط بمستلزمات العيب والحرام, بل أيضا العدالة والمساواة. وحتى الكرامة القومية. ولم يسبق أن تم تداول تفاصيل حياة عبد الناصر هكذا من قبل, وتحديدا مجريات آخر ساعات حياته ولحظة رحيله التي توقفت معها أنفاس العالم كله. لحظة يزيد من وحيها العائد أنها كانت وثيقة الصلة بالقضية الفلسطينية التي أدرك عبد الناصر مفصليتها في مصير العالم العربي كله. كما أدرك مفصلية دور عبد الناصر أعداء الأمة, وبأكثر من نخبها حينها.

ولهذا فإن اجتماعا عقد في البيت الأبيض فور رحيل الزعيم العربي ضم تسعا من أكبر الخبراء الإستراتيجيين في شؤون العالم العربي و"شأن عبد الناصر", خلص إلى وجوب "القضاء على المنظومة القيمية التي خلفها عبد الناصر" كهدف إستراتيجي, يليه هدف تكتيكي هو دعم وصول أحد الجنرالات للحكم في مصر ليأتمر بعدها بأوامر أميركا.

التاريخ البشري, بدءا من أصغر شأن سياسي وانتهاء بولادة الأديان وانتشارها, يصنعه توفر القائد السياسي الأخلاقي لحظة توفر الظرف المواتي. والظرف أكثر من موات, ونموذج الرجل المطلوب كذلك. والسؤال هو: من سيكون ناصر الأمة الجديد؟

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة