الانتخابات السورية.. فرصة لم تستثمر   
الخميس 1428/3/25 هـ - الموافق 12/4/2007 م (آخر تحديث) الساعة 17:47 (مكة المكرمة)، 14:47 (غرينتش)


أكرم البني 

تبدو دمشق أكثر ازدحاما على مشارف الانتخابات النيابية المزمع إجراؤها يوم 22 أبريل/ نيسان الجاري، ففضلاً عن شوارع تختنق بالسيارات وممرات ضيقة تغص بالناس، تكتظ الجدران بصور المرشحين وتلتهم اللافتات والشعارات الانتخابية ما تبقى من فسحات فضائية بين أعمدة الكهرباء وأشجار الأرصفة ومواقف الحافلات.

وما إن تحتك بالمواطنين وتحاول استطلاع رأيهم بهذا الاستحقاق، حتى تثار في وجهك بدل الإجابات حزمة من الأسئلة: عن معنى هذه الانتخابات وأي أهمية لها؟! أين دور مجلس الشعب وماذا يقدم؟! أين البرامج التي تقف فعلاً في صف الناخب ضد من يتسلط على حقوقه؟! وهل يكفي أن يحوز المرشح الثقة لأنه ابن الوطن البار أو لأنه شاب أو ذو كفاءة علمية؟!

ثم من يضمن أن يبقى التصويت هو نفسه بعد عمليات تلاعب وتزوير يشهد لها، أم يكفي تغيير شكل صناديق الاقتراع والاستعاضة عن الصناديق الخشبية بأخرى زجاجية لتصبح الانتخابات نزيهة وشفافة؟! إلى آخر ما هنالك من أسئلة تظهر السلبية والامتعاض وحالة واسعة من الاعتراض الضمني أو الصريح على هذه العملية الانتخابية.

"
إذا كان ثمة أمل بالتغيير والانفتاح قد رافق انتخابات الدورة السابقة حيث كانت الوعود عن الإصلاح والتجديد لا تزال غضة ودافئة، فإن الأمر اليوم على النقيض تماماً
"
وإذا كان ثمة أمل بالتغيير والانفتاح قد رافق انتخابات الدورة السابقة حيث كانت الوعود عن الإصلاح والتجديد لا تزال غضة ودافئة، فإن الأمر على النقيض تماماً اليوم.

فحالة اليأس والإحباط هي السائدة وأعداد المتشائمين من استنقاع هذا الركود المزمن هم في ازدياد مستمر، خاصة مع تراجع السلطة الحاكمة عن شعار التطوير لصالح الاستقرار وأولوية بعض التحديث في الميدانين الاقتصادي والإداري، ربطاً مع عودة قوية للمناخات الأمنية وأساليب التشدد في الضبط والسيطرة، أهم تجلياتها المزيد من المصادرة والتضييق على نشاط محدود أصلاً للقوى والفعاليات الديمقراطية واعتقالات متكررة طالت عدداً من المثقفين والحقوقيين.

ومع خيبة الأمل ومشاعر اليأس والإحباط تلمس حالة من المرارة والأسى بين الناس وهم يراقبون بلداناً أكثر تخلفاً وتعاني من أوضاع معقدة وصعبة، تسير في طريق الديمقراطية وتمنح مواطنيها انتخابات نزيهة وحقهم في تقرير مصير مجتمعهم ومستقبله، في موريتانيا واليمن وفلسطين والعراق، بينما لا تزال الأمور عندنا على حالها وربما تسير نحو الأسوأ.

لقد شهدت السنوات الأخيرة تنازل معظم الأنظمة الشمولية عن بعض أشكال سيطرتها، فاستجابت لاستحقاق الانفتاح الديمقراطي وعملت على تأهيل نفسها لعلاقة جديدة مع المجتمع، إن لجهة تربية النفس على قبول مبدأ التعددية واحترام الرأي الآخر، أو لجهة إجراء تعديلات لافتة على القوانين الناظمة لحرية العمل الصحفي وحق تكوين الأحزاب السياسية.

بينما تستمر الممانعة والمماطلة في بلادنا، وتتفنن السلطات في ابتكار الأساليب واختلاق الذرائع كي تبقي لغة القسر والقوة، لغة رائجة في حياتنا وعلاقاتنا، ولتسوغ رفض الآخر ومنع نشوء قوى اجتماعية وسياسية خارج حقل سيطرتها!!

فبحجة أن الظروف غير ملائمة وأن البلد يتعرض لتهديدات يتم الدفاع عن سياسات السلطة وضرورة استمرار الوضع القائم بما يحمله من قهر وفساد وتردٍ، وبدلاً من أن تكون الانتخابات النيابية امتحاناً للديمقراطية تغدو في ضوء ارتفاع حرارة الضغوط الخارجية حلبة مزايدات وطنية للإشادة بمواقف الصمود والتصدي وتكريس الأولوية لتطهير الصفوف ورصها في مواجهة الهجمة الإمبريالية، كذا..!!

هي فرصة لم تستغل، كان يمكن للسلطة أن تستند إلى هذه الانتخابات كمناسبة للتقدم خطوات مستحقة في مسار الإصلاح السياسي، خاصة لجهة تعديل القانون الانتخابي الذي يضع العملية الانتخابية بيد الجهاز التنفيذي منذ اللحظة الأولى وحتى إقرار النتائج..

الأمر الذي لو حصل كان ليساعد على تنشيط المشاركة وإزالة عوامل الخوف وحال الغربة والنفور من العمل العام التي أدمنها المواطن، ويفتح صيرورة حقيقية لتفعيل المجتمع وتعبئة قواه في مواجهة مختلف التحديات الماثلة أمامه.

"
مثلما أضاعت السلطة الانتخابات كمناسبة للتقدم خطوات مستحقة في مسار الإصلاح السياسي، فإن المعارضة أضاعت هذه الفرصة أيضاً بعدما حسمت خيارها بمقاطعة هذه الانتخابات بصفتها انتخابات صورية تستخف بحرية المواطنين
"
أشياء كثيرة تغيرت، وأفكار كنا نعتبرها أشبه بالبديهيات انقلبت رأساً على عقب، ما يشجع على المجاهرة بخطأ وخطورة تأجيل الاستحقاق الديمقراطي، وأن عقلية الإقصاء والسيطرة وإهمال الرأي الآخر هي أساس كل تردٍ وضرر!!

فما يهدد المجتمع حقاً ليس التحديات الخارجية التي يجري المبالغة في رسم مخاطرها، بل أن ينهار البناء الداخلي بفعل الفساد والاستبداد ونظام التمييز وتفاقم ظواهر الاحتقان الاجتماعي، ما يمنح الأولوية لمعركة التغيير الديمقراطي وليس لأي شيء آخر.

بالمقابل يصح القول إن المعارضة أضاعت هذه الفرصة أيضاً، فبعد حوار واسع حول دواعي المشاركة وجدوى المقاطعة حسم إعلان دمشق للتغيير الوطني الديمقراطي خياراته من هذه العملية الانتخابية.

ودعت القوى المنضوية فيه التي تشكل الكتلة الرئيسية للمعارضة السورية إلى مقاطعة هذه الانتخابات بصفتها "انتخابات صورية تستخف بحرية المواطنين وتتجاهل حقوقهم السياسية والاقتصادية والثقافية والإنسانية".

وطالبت "بانتخابات نزيهة تتم تحت إشراف قضاء مستقل، متحررة من الخوف والهيمنة والتدخلات السلطوية، كبداية جادة لإخراج البلاد من عنق الزجاجة التي أدخلتها فيها سياسات النظام القمعية والاستئثارية والتمييزية".

ثم اشترط بيان إعلان دمشق الصادر يوم 22 مارس/ آذار المنصرم أن يسبق الانتخابات ويمهد لها "إلغاء حالة الطوارئ والأحكام العرفية، وتعديل قانون الانتخاب بإلغاء المرسوم التشريعي رقم 4 تاريخ 12/4/1990 الذي حدد عدد أعضاء مجلس الشعب بـ250 عضوا منهم 167 عضوا من حزب البعث الحاكم وأحزاب الجبهة و83 من المستقلين".

والحقيقة أن التباين بين دعاة المقاطعة ودعاة المشاركة محدود من زاوية المضمون، ويبدو كأنه لا يتعدى الخلاف الإجرائي أو الاجتهاد لاختيار التكتيك الأنسب والأكثر فائدة، أو ربما هو مجرد تفضيل أسلوب على آخر ومحاولة تلمس أيهما أكثر جدوى لاستثمار هذه الفرصة السياسية..

الأمر الذي لا يرجع فقط إلى وحدة الجوهر السياسي وإلى التطابق حول معظم المقدمات والمدركات الملموسة في الواقع السوري، وإنما أيضاً إلى اتفاق على كافة المفاهيم والمهمات المطروحة للتعامل مع هذا الاستحقاق الانتخابي.

فمن ناحية، يتفق الطرفان على رؤية تحليلية واحدة لطبيعة الشروط السياسية والقانونية التي تحكم هذه الانتخابات، وأنها تتم في المناخات القديمة ذاتها التي يخيم عليها شبح حالة الطوارئ والأحكام العرفية وتسود فيها عقلية الوصاية والسيطرة الأحادية..

"
خيار المشاركة كان على صعوبته وتعقيداته يحمل بعض عناصر القوة التي تثقل كفته على حساب خيار المقاطعة، بما يعني استثمار هذه المناسبة السياسية الخاصة لجني بعض الفوائد التي يصعب جنيها في الظروف العادية
"
خاصة لجهة الإصرار على رفض مبدأ التعددية السياسية والإحجام عن إجراء تعديلات ملحة في القوانين الناظمة لحرية تكوين الأحزاب السياسية تمنح القوى والتنظيمات السلمية على اختلاف مواقفها وتنوع آرائها حق الوجود والنشاط، أو لجهة ضيق الهامش المتاح في ظل قانون انتخابي جائر يمنح السلطات التنفيذية قدرة واسعة على التدخل لتقرير ما تراه مناسبا.

ناهيكم عن تواضع الدور الذي يلعبه مجلس الشعب أصلاً في صناعة القرار السياسي، وأن لا رهان على مؤسسة تشريعية لا تملك حيزا مؤثرا وفاعلا في ممارسة السلطة في مواجهة النفوذ الأقوى دستوريا وقانونيا وعمليا للأجهزة التنفيذية.

ومن ناحية ثانية، تلتقي كافة القوى والفعاليات المعارضة على مطالب واحدة ومهمات نضالية مشتركة سواء طرحت كاشتراطات للمشاركة أو كأسباب للمقاطعة، وبخاصة أهم الشعارات الديمقراطية وأكثرها إلحاحا لحفز حركة الإصلاح والتغيير.

وما دام هدف المشاركة ليس حصد نتائج وتالياً لا تدخل في اعتباراته حسابات الفوز والخسارة، يصح القول إن خيار المشاركة كان على صعوبته وتعقيداته يحمل بعض عناصر القوة التي تثقل كفته على حساب خيار المقاطعة، بما يعني استثمار هذه المناسبة السياسية الخاصة لجني بعض الفوائد يصعب جنيها في الظروف العادية، ومن أهمها:

أولاً- كسر جدار الخوف والسلبية واعتراض حالة عدم الاكتراث التي تسم موقف أكثرية المواطنين السوريين، وتالياً الإفادة من أجواء الحملة الانتخابية التي هي أشبه ما تكون بحالة احتكاك متميزة مع المجتمع في مواجهة كل أشكال الاحتكار والقمع والاضطهاد.

ربما بقصد حفز همم الناس ودورهم في الحياة العامة وتنشيط قوى وفعاليات غيبت عقوداً من الزمن، أو ربما بغرض تغيير الصورة النمطية التي تعرف عن المعارضة السورية المعزولة شعبياً، أو بأمل خلق تراكمات دعائية حول مفاهيم وقيم الحرية نحن في أمس الحاجة إليها على طريق إنجاز الاستحقاق الديمقراطي.

ثانياً- التدرب على الممارسة السياسية العلنية وآليات الصراع السلمي، خاصة أن المعارضة في صلبها الرئيسي تدعو لاحترام الخيار الديمقراطي والاحتكام إلى صناديق الاقتراع.. ما يعني أن مشاركتها -رغم التشويه الذي يحيق بالعملية الانتخابية والقناعة بانسداد أفقها السياسي أو العملي- تشكل تجربة غنية في تمرين أوساطها على هذا الشكل النضالي ومعنى الاحتكاك مع الآخر المختلف وسبل المنافسة السلمية، بما في ذلك تعلم آليات الدفاع عن البرنامج الانتخابي وطرق إقناع الناس به.

ثالثاً- يفترض بالمعارضة الديمقراطية استثمار هذه الفرصة لتعريف الناس برموزها، وهي تملك حقاً مثل هذه الرموز، وأن تظهر أن لديها شخصيات تملك مصداقية وقادرة على التنطح لمواجهة التحديات الراهنة، تفهم السلطة كمسؤولية، وتسعى جادة لمعالجة ما يعانيه الناس من مشاكل اجتماعية واقتصادية وهموم سياسية.

رابعاً- في شروط التضييق والحصار ونجاح النظام في عزل الصوت المعارض أو إبعاده عن الساحة الإعلامية، يمكن النظر إلى ما توفره العملية الانتخابية من فسحة إعلامية يجب الإفادة منها لطرح البرامج الملموسة والدفاع عن التغيير الديمقراطي وأولويته للخروج من الأزمة الراهنة، خاصة إذا عرفت الفعاليات المعارضة كيف توظف الحملة الانتخابية لإنجاح دعايتها السياسية حول الحريات وحقوق الإنسان.

"
ليس عزفاً على وتر اللامعقول عندما نقول إن الانتخابات القادمة كانت فرصة لم تستغل لحفز مسار الإصلاح الديمقراطي في البلاد، وإنه من الخطأ قراءتها من قناة مصفوفة التيئيس، فالصيرورة السياسية تبقى مفتوحة دائماً
"
وتمكنت من إشهار وتعميم أهم الشعارات الديمقراطية مثل الدعوة لرفع قانون الطوارئ والأحكام العرفية، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وعودة المنفيين، وإزالة قرارات الحجر والتجريد من الحقوق المدنية عن عدد كبير من الناشطين السياسيين، والدعوة إلى حرية الصحافة والتعبير وإلى قانون انتخابي عادل وقانون للأحزاب يشرع حق وجود معارضة سياسية علنية وسلمية.

نعم لعل الأهم في ضوء ما سبق ليس الانتخابات في حد ذاتها، بل ما يثيره هذا الاستحقاق من أسئلة وإجابات لتشريح الواقع السياسي في البلاد ومظاهره السلبية واعتبارها مناسبة لتعزيز الدعاية حول التعددية السياسية والديمقراطية وحقوق الإنسان.

وبالتالي ليس عزفاً على وتر اللامعقول عندما نقول إن الانتخابات القادمة كانت فرصة لم تستغل لحفز مسار الإصلاح الديمقراطي في البلاد، وإنه من الخطأ قراءتها من قناة مصفوفة التيئيس، أن ليس ثمة أمل يرتجى وأن الدرب مسدود وليس بيدنا ما نفعله تجاه مناخات لا بد من أن تعزز سيطرة السلطة على ساحة العمل العام واستيلاد مجلس نيابي على صورتها ومثالها.

فالصيرورة السياسية تبقى مفتوحة دائماً، ويفترض بالقوى المعارضة أن تستثمر كل ما هو متاح وتوظف كل ما هو ممكن لتصنع شرطاً جديداً يؤدي بدوره إلى توسيع ما كان متاحاً أو ممكناً.
_____________
كاتب سوري 

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة