السماء لا تمطر جرادا   
الخميس 1425/11/4 هـ - الموافق 16/12/2004 م (آخر تحديث) الساعة 8:15 (مكة المكرمة)، 5:15 (غرينتش)


وحيد محمد مفضل

- حشرة الجراد.. الموطن ودورة الحياة
- الجراد في أفريقيا.. الفعل ورد الفعل
- الخطر مازال قائماً

- العيب فينا أم في الجراد؟

مشاكل القارة السمراء –أفريقيا- لا تنتهي. عوز مائي وفقر مدقع ومجاعات قاسية وأوبئة مستشرية ونزاعات متفاقمة. مرادفات للمعاناة ومعان لا تكاد تفارق بلدانا كثيرة في تلك القارة المأسوف على شبابها.

غير أن غزو الجراد لأجزاء شاسعة من نصف القارة الشمالي وقضمه لكل ما هو أخضر فيها، على ما في ذلك من تداعيات اجتماعية واقتصادية وبيئية وخيمة يعد حالياً أم المشاكل بلا منازع.

فالجراد الصحراوي الذي يغزو القارة كل عام بأسراب هائلة تأتي على الأخضر واليابس لا يأتي وحده، بل يأتي معه كثير من البؤس والبوار وقدر وافر أيضا من الفزع والبلبلة.

"
غزو الجراد لأجزاء شاسعة من نصف القارة الشمالي وقضمه لكل ما هو أخضر فيها، وما يتلو ذلك من تداعيات اجتماعية واقتصادية وبيئية وخيمة يعد حالياً أم المشاكل بلا منازع
"
حدث هذا مؤخراً ويحدث عادة بدرجة أو أخرى كل سنة في أوقات مختلفة، لكن ولأن الإمكانيات دائماً في تلك القارة غير متوفرة، ولأن معظم التجارب فيها تمضي دون أخذ عبر أو دروس مستفادة، فطبيعي ألا تنتهي حينئذ المشكلة، وطبيعي أن يزيد تصحر القارة بسبب فقدها لقدر يسير من اخضرارها المتواضع كل سنة.

تغزو أسراب الجراد أيضاً قارتي استراليا وآسيا وأجزاء من جنوب أوروبا لكن جدية الاستعدادات وتوافر الإمكانيات بالإضافة إلى وجود خطط واضحة للمكافحة يحيل أسراب الجراد في تلك القارات إلى سراب سرمدي لا خطر منه، وإن كان الأمر لا يخلو بالطبع من بعض الخسائر والقلاقل.

حشرة الجراد.. الموطن ودورة الحياة
والجراد حشرة قارضة يبلغ حجمها 5 سم في المتوسط وتعيش فرادى أو في أسراب بحسب طورها العمري ومرحلة نموها. وتبدأ دورة حياتها عندما تضع الأنثى بيضها مدفوناً تحت السطح في الأماكن التي تتميز بتربة رملية مثل الوديان والصحارى وبعض أنواع الأراضي الزراعية وضفاف الترع.

وعندما تتوفر الظروف البيئية المواتية وأهمها توفر قدر من الرطوبة في التربة الحاضنة تتم عملية تفريخ وفقس البويضات حيث يخرج منها أول الأطوار وهو الطور اليرقي.

وأهم ما يميز هذا الطور لونه الأخضر وعدم تزوده بأجنحة تساعده على الطيران مما يجعله يعتمد في تنقله من مكان إلى آخر على القفز. كذلك يتميز الطور اليرقي بأنه انفرادي، أي أنه يعيش فرادى وليس في جماعات أو أسراب مثل الأطوار التالية.

وهذا الطور لا يوجد منه خطورة وقد يوجد في بلاد كثيرة دون أن نشعر به ودون أن يسبب خسائر حقيقية سواء كان هذا بسبب قلة أعداده أو بسبب أسلوب غذائه الذي يتميز بالاعتدال.

ولسبب غير واضح ومن خلال لغة معينة هي لغة الهرمونات تبدأ أعداد كبيرة من هذا الطور في الانجذاب لبعضها البعض لتجد نفسها في النهاية مجتمعة بأعداد كبيرة في مكان واحد.

واللافت في هذه المرحلة هو بدء ظهور أجنحة تتيح للحشرة الطيران لمسافات طويلة إضافة إلى تحول لونها إلى اللون الأصفر.

"
سرب واحد متوسط الحجم يستطيع التهام محاصيل تكفي لإطعام ما يقرب من 2500 شخص وذلك خلال يوم واحد
"
ومن ذلك الحين يبدأ الجراد في عمل أسراب قد تصل إلى أكثر من 100 كم مربع وهي التي تأتي على كل ما هو أخضر قد يقابلها أثناء هجرتها وترحالها.

بهذا الشكل يتحول الطور الناضج التجمعي إلى الطور الأخير وهو الطور المهاجر الذي يعود إلى موطنه الأصلي بعد عملية وضع البيض لبدء دورة تكاثرية جديدة.

وفي أفريقيا أكثر القارات تضرراً من غزوات الجراد تستوطن تلك الحشرة السودان والجزائر والمغرب وموريتانيا ومالي حيث تتوالد وتتكاثر هناك، غير أنها تقوم بالهجرة إلى أماكن أخرى مثل ليبيا ومصر والنيجر وتشاد ودول أخرى من الشرق الأوسط مثل السعودية والأردن وإيران.

وتنبع خطورة هذه الحشرة من شراهة الطور المهاجر الشديدة لكل ما هو أخضر، وسبب تلك الشراهة هو توقف هذا الطور عن الأكل طوال الترحال، لذا فعند توقفه في بلد ما فإنه يكون في قمة الجوع، ومن هنا يأتي على كل ما هو أخضر مسبباً ضرراً واسعاً.

إضافة لذلك فإن الجراد يستطيع أن يلتهم يومياً كمية من النباتات تعادل نفس وزن طوره اليافع الذي يصل إلى غرامين أثنين، لكن بالنظر لوجود أعداد هائلة مجتمعة تصل إلى 80 مليون حشرة في السرب الواحد فإن الخسائر الناتجة تصل إلى أرقام رهيبة، إذ يمكن مثلاً لسرب واحد متوسط الحجم التهام محاصيل تكفي لإطعام ما يقرب من 2500 شخص وذلك خلال يوم واحد لا أكثر.

الجراد في أفريقيا.. الفعل ورد الفعل
ويعد هجوم الجراد الحالي هو الأسوأ من نوعه منذ آخر غزوة عالمية للجراد 1987-1989 التي أضرت بالمحاصيل الزراعية في أكثر من 30 دولة على مستوى العالم مسببة خسائر قدرت حينها بنحو 300 مليون دولار أميركي.

غير أن الخسائر المتوقعة للغزوة الحالية قد تفوق ذلك بكثير وقد يصل الأمر إلى حد تهديد أكثر من مليون أفريقي بخطر حدوث المجاعة ونقص الغذاء وذلك طبقاً لتقديرات منظمة التغذية والزراعة (الفاو).

لكن اللافت للنظر هنا هو أن أفريقيا هي أكثر المناطق تضرراً من الغزوة الحالية، بل يمكن القول من واقع إحصائيات الفاو أن مزارع أفريقيا لاسيما في الشمال هي الغذاء المفضل على مائدة طعام جراد هذا الخريف.

وقد ابتدأ الجراد غزوته الأفريقية الحالية بالهجوم على موريتانيا والنيجر أواخر يوليو الماضي وهذا بعد أن انطلق من موطنه بشمال غرب أفريقيا، مسببا بذلك خسائر هائلة في كلا البلدين المثقلين أصلا بمشكلات اجتماعية وسياسية واقتصادية لا ينقصها هجوم الجراد، كما سبب خسائر أخرى مماثلة في دول أفريقية مجاورة مثل تشاد ومالي والسنغال.

"
العوامل البيئية ليست هي المسؤول الوحيد عن تلك الكارثة بل التكاسل والتباطؤ في معالجة المشكلة وعدم جدية الاستعدادات وعدم وجود التمويل اللازم لرصد ومكافحة تلك الآفة
"
أما المحرك الأكبر وراء تلك الهجمات فيعود إلى توفر ظروف طبيعية مثلى لتكاثر وتوالد تلك الحشرة ومن ذلك هطول أمطار غزيرة، على غير العادة، في شمال غرب أفريقيا حيث أماكن توالد هذه الآفة.

وقد هيأ ذلك قدراً مناسباً من الرطوبة في التربة الرملية المختلطة ببويضات الجراد، مما ساعد على إتمام عملية تفريخها وفقسها لتخرج بذلك أعداد هائلة من اليرقات الواعدة.

بيد أن العوامل البيئية ليست هي المسؤول الوحيد عن تلك الكارثة، فبفضل التكاسل والتباطؤ في معالجة المشكلة، وبسبب عدم جدية الاستعدادات أو عدم وجود تمويل لازم لرصد ومكافحة تلك الآفة، تتحول عادة هجمات الجراد الصحراوي في أفريقيا إلى أزمات اقتصادية ومجاعات وقلاقل اجتماعية وسياسية.

ليس أدل على هذا من أن منظمة الفاو أخذت منذ منتصف مايو الماضي تحذر دول القارة من هجوم وشيك وضار للجراد، كما جددت في منتصف أغسطس الماضي تحذيراتها خصوصاً لدول شمال أفريقيا باحتمال نزوح أسراب الجراد نحو الشمال الأفريقي والشرق الأوسط، طالبة من كل الدول المعنية بذل كل الجهد للقضاء على يرقات وبويضات الجراد في مهدها قبل أن تتضاعف أعداده ويستشري أمره.

لكن غالبية هذه الدول لم تأخذ الأمر على ما يبدو بجدية ولم تستجب لتلك التحذيرات، فكان ما كان.

بدا هذا واضحاً من خلال ضعف أداء الإدارات الزراعية المعنية بالأمر في عدد من الدول الأفريقية، وفي تخبط قراراتها وسياساتها إبان تعاملها مع هذه المشكلة، وبشكل أوحى للجميع بأن هجوم الجراد كان مفاجئا أو أنه قدم في غير موعده.

كان هذا واضحاً للغاية في مصر، فالإدارات الزراعية والجهات المعنية فيها اعتمدت على ما يبدو على جهود ليبيا والسودان في مكافحة أسراب الجراد.

من هنا لم يكن هجوم الجراد على القاهرة وأجزاء أخرى شاسعة من أرجاء مصر منذ عيد الفطر إلا فتحا لجدل ممتد وحديث مختلط بالفزع والهلع لم ينته حتى هذه الساعة، بل إن تداعيات هذا الهجوم تحولت لأزمة كبيرة استلزمت تدخل شيخ الأزهر ولجنة الفتوى المصرية من أجل حث المصريين على اصطياد الجراد وأكله على أساس أن ذلك غير مخالف للشريعة وأن مقاومة المواطنين لأسراب الجراد واجبة.

أما المضحك المبكي في هذه الملهاة فهو اكتشاف أن معظم طائرات رش المبيدات التي تمتلكها وزارة الزراعة المصرية معطلة منذ أكثر من عشر سنوات وأن الوزارة السابقة قد ألغت التعاقد مع منظمة الفاو لشراء طائرات جديدة.

وعلى هذا النحو أعلنت الجهات العلمية والإدارات المعنية في مصر ضمنيا فشلها في مقاومة تلك الآفة ملقية بالكرة في جعبة المواطنين البسطاء وعامة الشعب.

ومصر ليست على أي حال إلا مثالا لما حدث في دول أفريقية أخرى عديدة مثل ليبيا والسودان وموريتانيا والنيجر وتشاد.

غير أن بساطة المواطنين في تلك البلاد وعدم وعيهم بكيفية مواجهة المشكلة لم يمكنهم من التعامل معها إلا بوسائل غاية في البدائية وغير فاعلة مثل حرق إطارات السيارات ودق الطبول وأحداث جلبة بغرض إزعاج الجراد وإبعاده، أما وسائل المكافحة البيولوجية والكيميائية فكانت مغيبة في الأعم عن مناطق كثيرة أتى عليها الجراد في تلك البلاد.

"
الأماكن التي اجتاحها الجراد أصبحت موطنا ومرتعا لملايين البويضات التي قد تتهيأ لها مستقبلا الظروف المناسبة لتخرج أعداد جديدة من تلك الآفة المدمرة
"
الخطر مازال قائماً
طبيعي في ظل عدم وجود خطط مكافحة فاعلة وفي ظل ضعف وسائل المقاومة المتاحة في معظم الدول الأفريقية أن تتحول ظاهرة غزو الجراد إلى أمور كارثية وأن تبلغ الخسائر حدا لم تبلغه منذ أكثر من 17 عاما وربما أكثر.

والمؤسف أن يخرج أمر الجراد عن السيطرة، فقد سادت بالفعل أسراب الجراد أجواء كل من السودان وليبيا ومصر لتنتقل منها بعد ذلك عابرة البحار إلى دول عربية وآسيوية مجاورة.

والمؤسف أيضا أن الأماكن التي اجتاحها الجراد في تلك البلاد أصبحت موطنا ومرتعا لملايين البويضات التي قد تتهيأ لها مستقبلا الظروف المناسبة لتخرج بذلك أعداد جديدة وحاشدة من تلك الآفة المدمرة.

من هنا لم يكن غريباً أن يشدد خبراء الفاو على أن خطر غزو الجراد للقارة الأفريقية ما زال قائماً، كما لم يكن غريباً أن يصرح أحد مسؤولي الفاو بأن "الوضع حالياً كارثي وسيكون أكثر كارثية في المستقبل القريب" مشيرا إلى أن قوافل جديدة من الجراد سوف تتوالد قريبا بالنيجر وموريتانيا لتبدأ بعد ذلك ابتداء من يناير/كانون الثاني القادم أطوارها اليافعة رحلة جديدة مدمرة باتجاه الشمال الأفريقي الذي أصبح موبوءا أصلا ببلايين من بويضات هذه الحشرة.

وهذا ببساطة يعني أن الأمر قد يصبح أكثر سوءا خلال العام القادم، بل إن توقعات الخبراء تشير إلى احتمال استمرار هذا الخطر لعدة سنوات قادمة، تماما مثلما حدث في غزوة 1987 التي استمرت لأكثر من ثلاث سنوات كاملة.

العيب فينا أم في الجراد؟
جحافل الجراد وغزوات أسرابه خاصة لدول الشمال الأفريقي لم تأت بالطبع من السماء، بل من أخطائنا الأزلية وتقاعس إداراتنا الحكومية ومراكزنا العلمية المعنية بالاستعداد لها ومكافحتها بالطرق الفاعلة.

ظاهرة غزو الجراد ليست بجديدة أو غريبة علينا، كذلك الأمر بالنسبة لتوقيتات توالدها وأماكن توطنها وخط سيرها وترحالها.

ما هو غير مألوف هو ألا نأخذ الأمر بجدية وألا تكون استعداداتنا غير شكلية أو ألا تكون في بلادنا إدارة ناجحة للكوارث والأزمات، فالعيب إذن فينا وليس في شراهة الجراد.

غير أنه من المجدي على أي حال الخروج من تلك المشكلة ببعض العبر والدروس، وأول هذه العبر الاستعداد من الآن لأي هجمة قادمة، الاستعداد بتحديث طائرات الرش وبوضع برامج للرصد وإنشاء محطات للإنذار المبكر وبدعم المراكز البحثية المعنية بالأمر وتزويدها بالأجهزة الحديثة والكوادر المدربة.

الاستعداد يكون أيضاً بوضع خطط مقاومة بيولوجية وكيميائية مناسبة وبتوفير مبيدات حشرية فاعلة وآمنة وبكميات مناسبة.

"
ما هو غير مألوف هو ألا نأخذ الأمر بجدية وألا تكون استعداداتنا غير شكلية أو ألا تكون في بلادنا إدارة ناجحة للكوارث والأزمات
"
ولاشك أن رفع الوعي البيئي لدى العامة بخطورة غزوات الجراد وكيفية التعامل معها وأفضل السبل لمقاومتها يعد من أهم الدروس التي يجب اتباعها، فذلك سيكون أفضل كثيراً من التنصل من المسؤولية ومن إطلاق التصريحات المتخبطة.

أما كل الرجاء فهو ألا تغادر هذه العبر والدروس ذاكرة مسؤولي الإدارات الزراعية في بلادنا بمجرد مغادرة فلول الجراد للحدود.

نتمنى ذلك لأن هناك بعد شهرين أو ثلاثة من الآن قد تبدأ غزوة جديدة تجتاح مزارعنا، وبالطبع لن يجدي حينها مع هذه الآفة لا دق الطبول ولا لطم الخدود.
__________________
كاتب مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة