أميركا بين التهدئة والاستعداد لمواجهة إيران   
الاثنين 1429/6/27 هـ - الموافق 30/6/2008 م (آخر تحديث) الساعة 10:32 (مكة المكرمة)، 7:32 (غرينتش)


علاء بيومي

- خرق سياسة العزل الأميركية
- غياب دبلوماسي
- دبلوماسية مشروطة
- مواجهة إيران
- نوايا بوش

اتفاق الدوحة والهدنة مع حماس ومفاوضات السلام الإسرائيلية السورية تطورات هامة تتعارض بشكل واضح مع السياسة الأميركية في المنطقة القائمة حتى الآن على عزل النظم والجماعات المعارضة لأميركا بهدف إسقاطها، وعلى رأسها سوريا وحماس وحزب الله ومن خلفهم إيران.

فما مغزى الموقف الأميركي الراهن الذي تسامح مع التغيرات الكبيرة السابقة حتى الآن؟ هل غيرت إدارة الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش سياستها خلال شهورها الستة الأخيرة في الحكم لمنح الحوار فرصة بعدما فشلت سياسة الصدام والمواجهة على مدى سنوات؟

أم هل أن ما يحدث يسير عكس إرادة الإدارة الأميركية التي باتت تلهث وراء الأحداث على أمل استيعابها؟ أم إن الهدنة الحالية هي سياسة أميركية مقصودة استعدادا لمواجهة أكبر قد تكون مع إيران؟

"
سياسة العزل الأميركية التي ترفض التعامل مع حماس وحزب الله وتفضل المواجهة مع إيران وسوريا وتسعى لعزلهما ومن ثم إسقاطهما، مازالت قائمة حتى الآن كما هو معلن على أقل تقدير
"
خرق سياسة العزل الأميركية

للإجابة عن الأسئلة السابقة يجب تذكير القارئ أولا بأن سياسة أميركا الشرق أوسطية قامت منذ أوائل عام 2002 وحتى أواخر عام 2006 على أساس من إستراتيجية "تغيير النظم وإعادة بناء الشرق الأوسط".

هذه الإستراتجية تبنتها إدارة بوش عقب أحداث 11/9 وبإيحاء من المحافظين الجدد الذين آمنوا منذ نشأتهم بأن حل قضايا المنطقة المستعصية -كالصراع العربي الإسرائيلي- لا يكون بالمفاوضات أو المهادنة، وإنما يتحقق من خلال تغيير النظم العربية ذاتها وإعادة بناء الشرق الأوسط على شاكلة ترضي أميركا وتقبل بإسرائيل وتنشط في تطبيق التصور الأميركي للمنطقة.

وقد مثلت حرب العراق نواة المشروع الأميركي واختباره الأهم، إذ أراد المحافظون الجدد أن يجعلوا من العراق الجديد الديمقراطي في نظام حكمه، والموالي لأميركا والمساند لإسرائيل في سياسته الخارجية، نقطة انطلاقهم لتغيير بقية نظم المنطقة وسياساتها.

ولسوء النوايا والتخطيط تحول العراق إلى أكبر مشاكل أميركا في الشرق الأوسط، بعدما أدت الحرب إلى صعود نفوذ إيران بشكل غير مسبوق، حين أزاحت نظام صدام حسين الذي وازن النفوذ الإيراني لعقود.

كما دفعت الحرب إيران إلى الإسراع في برنامجها النووي، وتحولت تكلفة الحرب إلى عبء لا يحتمل عسكريا ولا اقتصاديا، وفشل الغزو في مكافحة الإرهاب بعدما تحولت حرب العراق إلى بؤرة للمواجهة بين أميركا والجماعات المعارضة لها وأفقدت أميركا كثيرا من الاحترام والدعم الدوليين.

هذا إضافة إلى صعود الجماعات الإسلامية عبر العالم العربي بسبب سياسة نشر الديمقراطية قصيرة العمر التي دفع بها بوش في أوائل إدارته الثانية ضمن إستراتيجية إعادة بناء الشرق الأوسط.

ونتيجة لما سبق شعرت الإدارة الأميركية بأزمتها وبتضارب أهدافها وفضلت التراجع عن سياسة "إعادة بناء الشرق الأوسط" باهظة التكاليف غير مضمونة العواقب، وقررت الإمساك بالعصي من الوسط، فتخلت عن الضغط على "الدول الحليفة" كمصر والسعودية لتغييرها، واحتفظت تجاهها ببقايا خطاب متشدد يظهر بين حين وآخر لينتقد سجلها الداخلي.

وسعت في المقابل إلى ضم تلك الدول بجوارها في حلف يرمي إلى عزل وإسقاط الدول والجماعات التي صنفت من قبل الإدارة على أنها "معادية لأميركا"، كإيران وسوريا وحماس وحزب الله، وبذلك تكون أميركا قد تخلت عن تغيير "النظم الحليفة" بهدف الاستعانة بها في تغيير "النظم والجماعات المعادية".

سياسة العزل الأميركية التي ترفض التعامل مع حماس وحزب الله، وتفضل المواجهة مع إيران وسوريا وتسعى لعزلهما ومن ثم إسقاطهما، مازالت قائمة حتى الآن كما هو معلن على أقل تقدير.

ومع ذلك أقدمت دول المنطقة بما في ذلك إسرائيل، على عقد عدد من الاتفاقات التي من شأنها خرق الحظر المفروض أميركيا على تلك الدول والجماعات.

ومن تلك المبادرات اتفاق الدوحة الذي أنهى الفراغ الرئاسي اللبناني باتفاق يسمح بوجود ممثلين لحزب الله في الحكومة اللبنانية على الرغم من رفض أميركا التعامل مع حكومة حماس وسعيها لإسقاطها على مدى عامين ونصف العام.

ومنها محادثات السلام السورية الإسرائيلية التي خففت من العزلة الدولية المفروضة أميركيا على سوريا، وحديث إسرائيل عن رغبتها في التفاوض مع الحكومة اللبنانية حول "مزارع شبعا" المحتلة، إضافة إلى حوار بعض دول الخليج العربي مع إيران.

غياب دبلوماسي
ينقسم المحللون لموقف أميركا نحو التطورات الهامة السابقة إلى ثلاث فرق تعتقد أولاها أن ما يحدث يسير على عكس إرادة أميركا التي تلهث دبلوماسيا وراء الأحداث بعدما اضطرت دول المنطقة كإسرائيل ومصر والدول العربية مجتمعة (في حالة اتفاق الدوحة) للتحرك للبحث لنفسها وبنفسها عن حلول لمشاكل المنطقة المتفاقمة بسبب سياسات أميركا الصدامية الخاطئة.

ويرى أصحاب هذا الرأي أن إدارة بوش لم تعد قادرة على الإمساك بجميع خيوط السياسات الإقليمية في الشرق الأوسط بسبب أخطائها السابقة التي أضعفتها وهزت ثقة دول المنطقة فيها، وبسبب ضغطها السابق على دول حليفة لها.

وذلك ما دفع تلك الدول إلى موازنة، وربما التملص من الهيمنة الأميركية، لأن مشاكل المنطقة متفاقمة وحساسة ووصل بعضها حد الانفجار (كما حدث في شوارع بيروت وعلى حدود مصر مع غزة)، ولأن دول المنطقة بما فيها إسرائيل، هي الأكثر تضررا منها.

"
إدارة بوش لم تعد قادرة على الإمساك بجميع خيوط السياسات الإقليمية في الشرق الأوسط بسبب أخطائها السابقة التي أضعفتها وهزت ثقة دول المنطقة فيها، وبسبب ضغطها السابق على دول حليفة لها
"
ويرى هؤلاء أنه في ظل إصرار الإدارة الأميركية على سياستها المتشددة وعجزها عن إيجاد حلول بديلة لمشاكل وصلت حد الانفجار اضطرت دول المنطقة إلى أخذ زمام المبادرة بأيديها.

فعلى سبيل المثال شكلت أزمة قطاع غزة صداعا مزمنا لمصر والدول العربية وإسرائيل، فالحصار يضغط على الدول العربية من الداخل وعلى رأسها مصر لفك الحصار عن أهالي القطاع، خاصة مع مطالبة حماس المستمر للدول العربية لكسر الحصار اللاإنساني المفروض على 1.5 مليون فلسطيني.

يضاف إلى ذلك فشل جميع خيارات المواجهة في إسعاف إسرائيل في تعاملها مع القطاع، فقد جربت إسرائيل تشديد سياسات الحصار غير الإنسانية التي تضر بصورتها أمام الرأي العام العالمي.

كما جربت الوسائل العسكرية المكلفة دبلوماسيا والتي لم تحقق الأمن لإسرائيل، حتى أن بعض الدوائر المساندة لإسرائيل في أميركا طالبت الحكومة الإسرائيلية بتجريب سياسة الحوار مع حماس من باب التجربة إن لم يكن من باب السعي لاستخدام بديل هام تهمله إسرائيل بدون سبب واضح.

وبناء على هذا التحليل اضطرت مصر وإسرائيل إلى التعامل مع حركة حماس والحوار معها، مما يعد خرقا لسياسة عزل حماس الأميركية.

وفيما يتعلق بالحوار مع سوريا يؤكد أصحاب هذا التوجه أن سياسة عزل سوريا أثبتت فشلها منذ زمن، لأنها لا تبدو قادرة على إسقاط النظام السوري كما أن سوريا تمتلك نفوذا كبيرا على جماعات مثل حماس وحزب الله مما يمثل أداة ضغط على إسرائيل.

وعلى نفس المنوال يرى أصحاب هذا الرأي أن مواجهة إسرائيل مع حزب الله في صيف عام 2006 كانت باهظة التكاليف، وأن وجود حزب الله داخل لبنان يصعب التغلب عليه بسهولة وأن الاستمرار في سياسة المواجهة بإيعاز أميركي يضعف حلفاء أميركا بالمنطقة.

دبلوماسية مشروطة
يعيب آخرون على أصحاب الرأي السابق إهمالهم لحجم التوغل الأميركي في المنطقة، ولكون الدور الأميركي مطلوبا للتوصل لأي حلول نهائية.

فعلى سبيل المثال لن تتوصل إسرائيل مع سوريا إلى اتفاق سلام نهائي دون موافقة وضمانة أميركية، وربما دور أميركي في التواصل إلى الاتفاق، ولن يتعامل المجتمع الدولي مع حكومة لبنانية تضم عناصر من حزب الله دون ضوء أخضر أميركي.

بل إن التقدم في أي محادثات سلام وتهدئة يحتاج ضمانة أميركية بأن لا تتدخل الولايات المتحدة نفسها لإفساد ما تم التوصل إليه من حلول.

لذا يرى هؤلاء أن إسرائيل ومن ورائها أميركا يسعون في هذه التطورات الأخيرة لأسباب بعضها داخلي مثل حاجة إيهود أولمرت لتحقيق بعض الإنجازات على ساحة السياسة الخارجية في مواجهة أزمته السياسة الداخلية والاتهامات الموجهة له بالفساد، كما أن الرئيس بوش مازال يأمل تحقيق إنجاز دبلوماسي في أواخر عهده.

وهذا هو الخط الذي بدأه بوش في أواخر العام الماضي حين دعا إلى مؤتمر أنابوليس لتحريك عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية، كما قد يكون من مصلحة بوش والجمهوريين تهدئة الأوضاع في الشرق الأوسط في موسم انتخابي يتعرض فيه الجمهوريون لانتقادات عديدة بسبب أخطائهم في العراق والشرق الأوسط، ولسياساتهم الصدامية التي زعزعت استقرار المنطقة.

ويرى أصحاب هذا الرأي أن ما يحدث هو نوع من التهدئة أو الدبلوماسية المشروطة على غرار اتفاق التهدئة مع حماس، فهو بمثابة محاولة للسير المشروط في مسار التهدئة.

فإذا نجح في إيجاد بديل حقيقي للتصعيد والمواجهة كان بها، وإن فشل تكون إسرائيل ومن خلفها أميركا قد استفادتا دبلوماسيا وإعلاميا وامتلكتا فرصة القول بأنهما جربا الدبلوماسية ولكن العرب لم يلتزموا بها.

"
سياسات الإدارة الأميركية الحالية تدفع العالم العربي إلى توقع الأسوأ، وإلى الخوف من نوايا بوش ومساعديه في شهورهم الستة الأخيرة في الحكم، ومن أن ما يدور في المنطقة هو استعداد لمواجهة مع إيران
"
مواجهة إيران

هناك فريق ثالث يرى أن ما يحدث يحدث بقصد من أميركا وإسرائيل ضمن خطة أكبر لمواجهة إيران، فإسرائيل تتحرك بدعم أميركي لشق الحلف الموالي لإيران بإخراج سوريا ضلع الحلف الأهم بعد إيران من المعادلة.

إسرائيل وأميركا تريدان إخراج سوريا من المعادلة من خلال إشعارها بإمكانية حدوث تقدم على مسار محادثات السلام مع إسرائيل، وبذلك تضغط سوريا على حماس وحزب الله للموافقة على التهدئة مع إسرائيل.

كما أن دخول إسرائيل في تهدئة مع حماس وحزب الله، ومن ورائهما سوريا يجعل إسرائيل وأميركا تتفرغان لمواجهة الخطر الأهم بالنسبة لهما وهو إيران.

بمعنى آخر فإن الإدارة الأميركية التي تخلت عن تغيير النظم الحليفة لها لكي تستعين بها في إسقاط النظم والجماعات المعادية، تحاول الآن تحييد بعض تلك الجماعات والنظم حتى تتفرغ لمواجهة الخطر الأكبر القادم من إيران.

ويبرهن أصحاب الرأي السابق على صحة قرارهم بالإشارة إلى أن حكومة أولمرت لن تتمكن من التوصل إلى اتفاق سلام مع سوريا لأنها لا تملك الدعم الكافي جماهيريا وسياسيا لتحقيق ذلك، كما أن مفاوضات السلام الفلسطينية الإسرائيلية متوقفة.

وكان من الأولى بإسرائيل التي تريد الآن السلام مع سوريا ولبنان والتهدئة مع حماس أن تسرع في تحريك محادثات السلام القائمة على استحياء منذ سنوات، خاصة أنها أكثر مركزية في حل قضايا المنطقة.

نوايا بوش
سياسات الإدارة الأميركية الحالية تدفع العالم العربي إلى توقع الأسوأ، وإلى الخوف من نوايا بوش ومساعديه في شهورهم الستة الأخيرة في الحكم، ومن أن ما يدور في المنطقة هو استعداد لمواجهة مع إيران.

وهذا لا يمنعنا من الاعتراف بالواقع وبأن أخطاء الإدارة الأميركية في المنطقة حدت من خياراتها وخففت من حدة سياساتها الصدامية.

وقد يكون من الضروري الاحتكام إلى عدد من المؤشرات الهامة على النوايا الأميركية في المستقبل المنظور مثل سرعة تشكيل حكومة توافقية في لبنان، وسرعة رفع الحصار غير الإنساني المفروض على قطاع غزة، وحدوث تقدم حقيقي على صعيد مفاوضات السلام الفلسطينية الإسرائيلية والحوار الفلسطيني الداخلي، وتحرك دول المنطقة لتأسيس سياسات الحوار والمهادنة ومدها إلى مساحات جديدة تحول دون دخول المنطقة في مواجهة جديدة لا تعرف عواقبها.
__________________
كاتب مصري

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة