الحرب في لبنان.. قراءة في التحولات الكيفية   
الجمعة 2/7/1427 هـ - الموافق 28/7/2006 م (آخر تحديث) الساعة 13:32 (مكة المكرمة)، 10:32 (غرينتش)


إبراهيم عجوة

حزب الله ليس دولة
صراع لا متناه
إسرائيل وحروب النانو

النانو جيش
خاتمة

عنونت إسرائيل هجومها الوحشي على لبنان باسم "نزع سلاح حزب الله والقضاء عليه" وصنفت معركتها هذه باعتبارها جزءاً من المعركة العالمية في مواجهة الإرهاب.

عناوين مضللة، وتصنيفات مخادعة وأهداف يستحيل تحقيقها. عناوين وأهداف فرعية لعناوين وأهداف إستراتيجية أميركية رأيناها في العراق بعنوان القضاء على الأنظمة الدكتاتورية ونشر الديمقراطية ومكافحة الإرهاب.

"
أخطر مقاومة هي المجموعات الصغيرة لأنها تتميز بقدرتها على الإنتاج الذاتي المحلي للعبوات وللصواريخ ولديناميكيتها العالية وقدرتها الفائقة على المناورة
"
حزب الله ليس دولة

نسي الإسرائيليون أن حزب الله ليس دولة، وليس جيشاً لدولة، لقد غفلوا عن أن هناك تحولات نوعية تجري في المنطقة العربية كالتي تجري في العالم، وكل تحول له خصائص بصرف النظر عن اختلافها.

حزب الله كالمقاومة في فلسطين ليس ظاهرة كمية، أو حزباً آخر في قائمة الأحزاب الموجودة على السطح السياسي العربي التقليدي، حزب الله ليس مجرد حزب محلي في دولة بل هو نموذج تشكل في لبنان كما تشكلت المقاومة في فلسطين لملء الفراغ الذي تركه الاختلال الهائل في ميزان القوى بين الجيوش والدول الذي أهدر حقوق الشعوب.

وعندما ينعدم الأمن الجماعي عبر الدولة الوطنية أو الجيش الوطني وتصبح الحقوق الوطنية تحت رحمة ميزان القوى الدولي، فإن كل فرد يسعى للتحول إلى جيش.

كل مقاتل في حزب الله هو جيش مصغر، حزب الله والمقاومة الفلسطينية حالة شعبية لم يعد بالإمكان استئصالها، حتى لو استطاعت إسرائيل جدلا أن تقضي على كل عناصرهما، إنها ظاهرة اجتماعية نوعية مرشحة للتكرار في المرحلة القادمة أكثر مما هي ظاهرة كمية مرشحة للاستئصال.

جربت أميركا واستعرضت أمام العالم قدراتها العسكرية، ونظم التحكم والسيطرة التي تمتلكها والأقمار الصناعية وطائرات التجسس ومعدات التدمير الهائلة، فدمرت الدولة العراقية والجيش العراقي والإنسان العراقي وأحرقت الأخضر واليابس.

التحول النوعي الذي نتج عن الأزمة العراقية بعد احتلال العراق وإزاحة النظام السياسي فيه وحل جيشه وتدمير مقدراته، أفشل أميركا في الصمود أمام مجموعات صغيرة مقاتلة صممت على إحراج هيبة الدولة العظمى في العراق قبل إخراجها منه، فأعاقت مشروعاتها الإستراتيجية على مستوى المنطقة والعالم.

لقد قدمت المقاومة العراقية نموذجاً مرعباً للقوات الأميركية عن حروب المجموعات الصغيرة، فبعد أن رصدت الولايات المتحدة مبلغ 150 مليون دولار لمواجهة المقاومة العراقية في العام 2004 وجدت نفسها تحتاج إلى رصد ثلاثة مليارات دولار لهذه المواجهة في العام الذي تلاه.

جاءت هذه الزيادة بعد أن اكتشفت القوات الأميركية واعترفت بذلك علناً أن أخطر مقاومة تواجهها هي المجموعات الصغيرة لا الأحزاب الكبيرة، إذ تتميز هذه المجموعات بقدرتها على الإنتاج الذاتي المحلي للعبوات وللصواريخ ولديناميكيتها العالية وقدرتها الفائقة على المناورة.

"
العدوان المتمادي لدى إسرائيل ليس مجرد رد فعل على تهديد ممكن أو قائم، بل هو جزء من عقيدتها ووظيفتها
"
صراع لا متناه
بدأت إسرائيل تعد نفسها لاستعادة دورها الإقليمي بعد أن فشل الجيش الأميركي في القيام بهذا الدور بعد تخبطه في مستنقع العراق.

واقتداء بالجيش الأميركي بدأت إسرائيل بتزويد نفسها بكل ما لدى هذا الجيش من ترسانة أيديولوجية وتكنولوجية.

إسرائيل المصابة بهوس الأمن، تسعى لتمرير كل وظيفتها العدوانية الإمبريالية تحت مسمى القلق الأمني ومواجهة الإرهاب الذي يتهددها بحسب زعمها.

وهي تستخدم كل ترسانة الأيديولجيا الإمبريالية الهائلة لتبرير عدوانها على الشعب الفلسطيني واللبناني وعلى الأمة العربية، وبالمثل تسعى لتوظيف ترسانة التكنولوجيا الأميركية من مخابر البنتاغون التي تقدم لها بالمجان لتعزيز وسائل ذلك العدوان.

العدوان المتمادي لدى إسرائيل ليس مجرد رد فعل على تهديد ممكن أو قائم، بل هو جزء من عقيدتها ووظيفتها.

إفرايم هاليفي رئيس جهاز المخابرات الإسرائيلية (الموساد) وفي محاضرة له ألقيت في مركز جافي للدراسات الإستراتيجية، خلال المؤتمر السنوي الذي انعقد عام 2003 للبحث في شؤون الدولة ونشر بالمجلد السادس للمركز، يؤكد لا نهائية هذه العدوانية على المحيط العربي.

فيقول: إن الصراع الإسرائيلي العربي يجري على الحد الفاصل والمتصدع بين الحضارات سواء في أوروبا أو في الشرق الأوسط، وبحسب الحكمة التقليدية، فإن كل حرب يجب أن تنتهي.

لكن هل هذه هي حروب حقيقية للحدود الفاصلة الخاطئة؟ بالنسبة لهنتنغتون فإن حروب الحدود الخاطئة هي حروب متقطعة، لكن صراعات الحدود الخاطئة هي صراعات لا متناهية.

وإذا كان الأمر كذلك فإنه مقدر لنا ومحكوم علينا أن نواجه صراعاً لا متناهياً، وأتمنى أن نصبح قادرين على تأسيس الحلول المؤقتة التي تمتد لفترة زمنية طويلة، أو أجوبة مؤقتة وغير نهائية للأسئلة التي يطرحها هذا الصراع الصعب الذي نواجهه هنا.

اقتطاف إفرايم هاليفي هذا يعبر عن الاستعداد الدائم لترجمة الأهداف الإمبريالية في المنطقة وتكييفها بما يبرر العدوانية الصهيونية، ويضعها في سياق تلك الأهداف.

التحول النوعي العالمي الأبرز في هذه المرحلة هو ما يسمى الثورة التكنولوجية أو ثورة الاتصالات والثورة المعرفية، هذا التحول النوعي تسعى الجيوش للاستفادة منه بأقصى درجة ممكنة.

"
إسرائيل تفكر في توظيف النانو تكنولوجي، وتتبجح بالمستوى الذي وصلت إليه مختبراتها على صعيد هذه التكنولوجيا من قدرة تجسسية وتحسسية وتدميرية عبر تحويل وسائل التدمير التقليدية إلى وسائل تدمير ذكية
"
إسرائيل وحروب النانو

لهذا تسعى إسرائيل لتوظيف أحدث ما وصلت إليه التكنولوجيا ووجدت في التكنولوجيا الصغرية (NANO TECHNOLOGY) الكلمة السحرية التي باتت تشنف آذان الباحثين الإسرائيليين في التقنيات الأمنية وخاصة بمعهد التخنيون في حيفا، وكأنها الكلمة السحرية التي ستجيب لكل ما يسميه هؤلاء الباحثون التهديدات الإرهابية ويعنون به المقاومة الفلسطينية واللبنانية.

يقول مدقق معهد التخنيون في حيفا البروفيسور إيهود كينان "إن الحديث يدور عن انطلاقة تكنولوجية، إن هناك أمورا لا تزال سرية، ولكننا نختبر طرقاً أصيلة للصراع مع مادة متفجرة جداً وغير عادية يتم إنتاجها في مختبرات المنظمات الإرهابية الفلسطينية".

أمنون برزلاي في مقالته المنشورة بصحيفة هآرتس يوم 11/4/2004 يقول: يتبادل البروفيسور كينان المعلومات الموجودة لديه مع المنظمة الأميركية العليا للتكنولوجيا الأمنية التي تضم حوالي ثمانين منظمة مختصة بشؤون الأمن، ومن بينها CIA وFBI ومنظمة أمن الطيران وهيئة الكحول والتبغ.

وفي هذه الأيام تعد المنظمة العليا مناقصة للشركات الأميركية لإنتاج نانو طائرة بدون طيار وبدون محرك بحجم 5-6 ملم وتطير على مبدأ حبة الطلع، وبألياف مماثلة من التيتانيوم بوزن 0.1 ملغم.

ولهذه الطائرة وظيفة تحسسية وتطير إلى ارتفاع مائة متر، وهي وفق النموذج الذي طوره البروفسور كينان والذي سيكون من الممكن بواسطته الكشف عن المواد المتفجرة.

إسرائيل تفكر في توظيف النانو تكنولوجي، وتتبجح بالمستوى الذي وصلت إليه مختبراتها على صعيد هذه التكنولوجيا، وما توفره من قدرة تجسسية وتحسسية وتدميرية عبر تحويل وسائل التدمير التقليدية إلى وسائل تدمير ذكية.

ربما غاب عن ذهن صانع القرار الإسرائيلي دلالات وأبعاد ومخاطر حروب النانو ولم يعر بالا إلى التغير النوعي الذي ستحدثه الثورة التكنولوجية، ولم ير في هذه النانو إلا ما يخدم أهدافه.

لقد غاب عن ذهنه وهو يتبجح بالنانو تكنولوجي أنه سيواجه نتيجة ذلك النانو جيش (NANO TROOPS).

"
كما وفرت منظومة الأيدولوجيا والتكنولوجيا الإمبريالية لإسرائيل القدرة على العدوان، فإن إسرائيل بعدوانها وفرت مخزونا ضخما من الرغبة في المقاومة لدى أبناء الشعوب العربية والإسلامية المستهدفة بالعدوان
"
النانو جيش

المحللون الإستراتيجيون الإسرائيليون يضعون الصراع مع المقاومة الفلسطينية واللبنانية على رأس أولويات أجندتهم الأمنية، ويتحدثون عن المخاطر الشديدة المترتبة على امتلاك هذه المنظمات لتكنولوجيا الصواريخ، وكذلك لامتلاكها تكنولوجيا صناعة متفجرات شديدة الانفجار.

فكما وفرت منظومة الأيديولوجيا والتكنولوجيا الإمبريالية لإسرائيل كل هذه القدرة على العدوان، فإنها بعدوانها قد وفرت مخزونا ضخما من الرغبة في المقاومة لدى أبناء الشعوب العربية والإسلامية المستهدفة بالعدوان.

ووفرت التكنولوجيا التي لم تعد حكرا على أحد في ظل الثورة المعرفية التي يشهدها القرن الـ21 لأبناء الشعوب المعتدى عليها، القدرة المعرفية على إنتاج المواد شديدة الانفجار من محتويات المنزل العادية، وكذلك القدرة على إنتاج الصواريخ وربما ما هو أبعد.

والمقاومة لم تعد تشترط وجود منظمات كبيرة ولا تنتهي بتفكيك هذه المنظمة أو تلك، كما يعتقد الإسرائيليون.

لقد أتاحت هذه التكنولوجيا القدرة على إنتاج الصواريخ ليس من قبل المنظمات والدول فقط، بل أيضاً من قبل الأفراد، ولن يعود في مقدور أحد اتهام جهة ما بتزويد المجموعات الصغيرة أو الأفراد بهذه المعدات الحربية كالصورايخ وغيرها.

العدد اللازمة للصناعة تمتلئ بها مخازن العدد الصناعية بالأسواق، وهي أيضا عدد نانو، أي عدد صغيرة ولا تقل كثيراً في كفاءتها عن العدد الكبيرة التي كانت تمتلئ بها المخازن الضخمة للصناعات الحربية.

تمكن هذه العدد الصغيرة الفرد من صناعة الصاروخ في غرفة لا تزيد مساحتها على عشرة مترات مربعة.

في ضوء هذه الصورة يصبح الفرد أو أي مجموعة لا تزيد على خمسة أفراد، هي أقرب في تأثيرها لسرية أو كتيبة في جيش تقليدي.

لكنها تتميز بعدم وجودها في ثكنات مكشوفة كأهداف ثابتة، وعدم حاجتها لوسائل نقل مكشوفة لصواريخها وعدم حاجتها لكلفة دعم لوجستي عالية، بل تستطيع نقلها كقطع ليجو وتجميعها حيث ترغب في مكان الانطلاق.

في حربها على المقاومة الفلسطينية بفلسطين واجهت إسرائيل خطر الصناعة المحلية للعبوات شديدة الانفجار والأحزمة الناسفة، وانشغل معهد التخنيون في البحث عن الوسيلة التي بإمكانها الكشف عن (ACETONE TRI PEROXIDE) المكونة من أسيتون وماء أوكسجيني وليمون، بعد اكتشافه هذه العبوة بمدينة الخليل ومقتل الجندي الإسرائيلي الذي حاول تفكيكها.

كذلك واجهت إسرائيل خطر الصواريخ المصنعة محلياً، وإن كانت ما تزال غير ذكية بما يكفي لجعلها خطراً أشد لأن حرب المجموعات الصغيرة ما زالت في البداية.

لكن لا معهد التخنيون ولا القتل اليومي لقيادات وعناصر الفصائل المقاتلة أنهى أيا من الظواهر بقدر ما عمقها وزادها قوة.

"
ستجد إسرائيل نفسها بالمستقبل غير البعيد أمام مأزقها الإستراتيجي، مأزق وجودها كدولة تشكلت على أنقاض شعب، ونتيجة استمرارها في العدوان أمام أمة كل فرد فيها هو جيش مصغر
"
خاتمة

ستجد إسرائيل نفسها في المستقبل غير البعيد أمام مأزقها الإستراتيجي، مأزق وجودها كدولة تشكلت على أنقاض شعب، ونتيجة استمرارها في العدوان أمام أمة كل فرد فيها هو جيش مصغر.

وهذا ما تواجهه الآن مع حزب الله، ولن تعود إسرائيل تشكل الرافعة البرجية المركزية التي تتحكم برفع دائرة العنف وإنزالها من وإلى أرض الواقع كما تشاء ومتى تشاء وكيفما تشاء.

ولن تنفعها كل ترسانتها النووية ولا ترسانتها التكنولوجية ولا كل ما تعتقده من احتضان غربي.

ستجد نفسها أمام استحقاق واحد إما إبادة أمة بكاملها وهذا ما لا يمكن أن يتحقق لها، وإما التراجع عن غطرستها والاعتراف بأن زمنها قد انتهى وأنه لا خيار أمامها سوى الاعتراف بالحقوق التي اغتصبتها وإعادة هذه الحقوق إلى أصحابها.

فقد تهزم دولا وجيوشا، ولكنها باستمرارها في العدوان ستطلق طاقة أمة تزخر بالجيوش الصغيرة.
__________________
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة