حماس.. بين الخيارات الصعبة والقرار الأصعب   
الاثنين 1427/5/30 هـ - الموافق 26/6/2006 م (آخر تحديث) الساعة 15:36 (مكة المكرمة)، 12:36 (غرينتش)
عدنان أبو عامر


سلوك الحكومة وتفاعلها مع الأزمة
السيناريوهات المتوقعة

الخيارات المتوقعة أمام الحكومة

في ظل التشخيص المتفق عليه تقريبا لطبيعة الأوضاع التي تعم الأراضي الفلسطينية، وأثرها على حركة المقاومة الإسلامية (حماس) والحكومة التي تقودها، فقد أصبح من الواضح أن الخيارات المتاحة باتت ضيقة نسبيا، الأمر الذي يحتم على الحكومة الوليدة المحاصرة البحث في ما يوجد بين أيديها من بدائل وخيارات على ضيقها، وتحديد نقاط الضعف والقوة، وإيجابيات وسلبيات كل منها.

لم يعد سرا أن حركة حماس وحكومتها المنتخبة فوجئت بحجم الحصار الذي فرض عليها منذ اللحظات الأولى، بدءا بالحصار المالي، ومرورا بمحاولة فرض عزلة سياسية ودبلوماسية عليها، وانتهاء بإحداث القلاقل والاضطرابات الأمنية الداخلية، ولذلك فقد كان التحدي كبيرا وخطيرا.

ولست مبالغا إن قلت إنه كان كفيلا بإجهاض أي حكومة وليدة ليس لها ذلك الرصيد الشعبي والإرادة السياسية التي تمتعت بها الحكومة الفلسطينية الحالية التي تقودها حركة حماس.

لقد بلغ تدهور الأوضاع الميدانية في الضفة الغربية وقطاع غزة مرحلة خطيرة وأقرب إلى الكارثية، وزاد من تدهورها أن بعض الممارسات باتت تأخذ شكلا منظما -ومنهجيا ومبرمجا- مترافقا مع التغير السياسي الذي تم في فلسطين وتسلم حركة حماس لمقاليد الأمور، وبالتالي فهم منه تلقائيا أن استيعاب الهزيمة السياسية لم يكن سهلا، وأن السلاسة التي تمت بها عملية الاستلام والتسلم في الوزارات وأمام أعين الكاميرات لم يكن سوى مظهر ديكوري ليس أكثر، لأن وراء الأكمة ما وراءها!

وهكذا ففي رؤية من ساءهم فوز حماس، أن مع انعدام قدرة الحكومة على إعالة مواطنيها وتوفير لقمة العيش لهم من جهة، وعجزها عن توفير الأمن الداخلي وحفظ أرواح العباد من جهة أخرى، يصبح من نافلة القول إن هذه حكومة فاشلة وعاجزة وبالتالي عليها لملمة أوراقها وإعلان استقالتها!!

سلوك الحكومة وتفاعلها مع الأزمة
"
مرونة حماس عكست حجم النضج السياسي الذي وصلت إليه، إذ لم تعد -كما أشيع عنها- حركة متصلبة ذات مواقف دوغمائية جامدة، وإنما تعيش الواقع الدولي وتتفهم المستجدات الدولية، لكن دون أن يكون ذلك على حساب الثوابت
"
ما الذي فعلته الحكومة للخروج من هذا المأزق:

أولا- الجانب المالي
نظم وزراء الحكومة عددا من الجولات المكوكية التي عادوا منها بوعود حقيقية بتقديم دعم مالي، وتبقى لتنفيذها التحرك الخاص بالمصارف والبنوك، فيما الحملات الشعبية التي نظمت في بعض العواصم العربية والإسلامية تمكنت من جمع ما تجود به جيوب الفلسطينيين والعرب والمسلمين.

ومن جهة أخرى حاولت الحكومة أن تسلك كل الطرق لإدخال الأموال من الخارج، وحين أعلن وجود أجزاء منها بحوزة بعض وزرائها قامت الدنيا ولم تقعد، وكأن بعض أجهزة الإعلام الموظفة في خدمة برنامج إفشال الحكومة عثرت على كنز ثمين، حتى بعدما أدرك الجميع أن هذه أموال عربية ترفض البنوك المحلية إدخالها!

ثانيا- الجانب الأمني
ليس سرا أن هناك العديد من حالات القتل والاعتداء تنفذ يوميا بحق المواطنين، ولما طلب جميع الفلسطينيين من السلطة القيام بمهامها لحفظ الأمن، عجزت أجهزة الأمن بحجة أن الاحتلال دمر المقرات ولا وجود للمعدات، ولذلك انتشرت الفوضى الأمنية وزادت حالات القتل والاختطاف، الأمر الذي دعا وزير الداخلية للقيام بالمهام الموكلة إليه لضبط الأمن ودفعه إلى نشر القوة المساندة التي يحتمل قرار تشكيلها ونشرها بعض المداخلات القانونية والسياسية والأمنية.

ثالثا- الخطاب السياسي للحكومة
لقد تركزت محاور الخطاب السياسي الذي قدمته حركة حماس في الاستعداد لبحث صيغ سياسية متفق عليها بين الأطراف ذات الصلة، تضع حدا للمواجهة الدموية مؤقتا وتعاد فيها الحقوق لأصحابها، لتترك للأجيال القادمة مهمة مواصلة الصراع. ويمكن للمراقبين تتبع خطاب حماس السياسي منذ الإعلان عن برنامجها الانتخابي، ومراحل الأخذ والرد التي أتت على برنامجها السياسي خلال مشاوراتها البرلمانية لتشكيل الحكومة مع الكتل النيابية الأخرى، وانتهاء بجولات الحوار الوطني الأخير وقرب الاتفاق على وثيقة الأسرى.

وقد عكست هذه المرونة باعتراف الكثيرين حجم النضج السياسي الذي وصلته الحركة وأنها لم تعد -كما أشيع عنها- حركة متصلبة ذات مواقف دوغمائية جامدة، وإنما تعيش الواقع الدولي وتتفهم المستجدات الدولية، لكن دون أن يكون هذا الفهم على حساب الثوابت.

السيناريوهات المتوقعة
"
من سيناريوهات الأزمة الخانقة التي تحيط بالفلسطينيين استمرار الأزمة المالية على حالها، والإبقاء على حالة الشد والجذب بين مؤسستي الحكومة والرئاسة، وتسيير المظاهرات والإضرابات, وإقدام محمود عباس على إقالة الحكومة
"
يمكن أن يسفر الحوار الوطني الفلسطيني عن الاتفاق على وثيقة الأسرى التي تضمنت مقترحات للخروج من الأزمة الخانقة التي تحيط بالفلسطينيين، حكومة ورئاسة وفصائل، الأمر الذي يبقي الباب مشرعا أمام سيناريوهات وبدائل عديدة تتبدى بعض معالمها في الأفق. ومع ذلك فمن الضرورة بمكان قبل استعراض هذه البدائل أن نستشرف جزءا من السيناريوهات المتوقعة من الأطراف الأخرى، ومنها:

1- استمرار الأزمة المالية على حالها، واشتدادها كلما زادت الأيام.

2- الإبقاء على حالة الشد والجذب بين مؤسستي الحكومة والرئاسة، والمزيد من تداخل الصلاحيات بينهما.

3- البدء بإجراءات ميدانية مثل إخراج مسيرات للموظفين، والإضراب داخل بعض الوزارات، ومحاولة تعطيل الدوام في بعضها الآخر.

4- إمكانية سير بعض الأطراف سريعا في مخطط الإفشال وخاصة إسرائيل، من خلال استهداف حركة حماس مجددا عبر تنفيذ سلسلة اغتيالات لقيادات الحركة والحكومة، في ضوء التصريحات الإسرائيلية الأخيرة.

5- إقدام الرئيس محمود عابس على إقالة الحكومة، ما يعني الدخول في أزمة دستورية.

الخيارات المتوقعة أمام الحكومة
والآن إلى السيناريوهات والخيارات المتوقعة أمام حركة حماس وحكومتها الوليدة، ونقاط الضعف والقوة لكل منها:

الخيار الأول، ويتلخص في بقاء الحكومة على موقفها والثبات على برنامجها المعلن، وعدم التساوق مع ما هو مطروح محليا وإقليميا ودوليا.

ومما يعزز هذا الخيار نقاط القوة التي تحيط به، وأهمها:
- تسجيل موقف تاريخي وطني مشرف يكسب الحكومة احترام الجماهير، بعد أن رفضت معادلة الخبز أمام الوطن.

"
من الخيارات المتاحة أمام حماس بقاء الحكومة على موقفها والثبات على برنامجها المعلن. ويعزز ذلك لدى حماس عدة عوامل أهمها تسجيل موقف تاريخي وطني مشرف، لكن يعيب هذا الخيار إمكانية انفضاض الجمهور عن الحكومة رويدا رويدا
"
- إمكانية تراجع بعض القوى لاسيما الإقليمية عن مواقفها من الحكومة، وتخفيض السقف السياسي المطلوب منها.

- اللعب على ورقة الزمن وتحقيق بعض الاختراقات وخاصة على الصعيد الدولي، والمراهنة على الأزمة الأخلاقية للغرب في محاربة حكومة منتخبة.

- تجميع المزيد من قوى المقاومة الفلسطينية حول الحكومة.

- فشل سياسة التطويع والترويض للحركة، بما في ذلك الجهود الجارية لمساومة الحركة للاختيار بين السلطة والثوابت.

- إبقاء الكرة في ملاعب الأطراف الأخرى وتحميلها ما قد يترتب على انسداد الأفق.

ومع ذلك فإن هناك بعض نقاط الضعف التي تكتنف هذا الخيار، ومنها:
- تشديد الحصار المالي والسياسي على الحكومة وإمكانية المضي فيه قدما.

- إمكانية انفضاض الجمهور عن الحكومة رويدا رويدا.

- قد يشكل هذا الخيار إقدام محمود عباس على خطوة إقالة الحكومة.

- قد تصل الأمور اقتصاديا وسياسيا إلى انهيار كامل للسلطة خلال فترة زمنية وجيزة، ما قد يحمل حماس مسؤوليات تاريخية وسياسية بعيدة المدى.

- إفساح المجال لسيناريو "الفوضى الخلاقة"، ودخول الوضع في انفلات أمني "منظم" غير مسبوق.

الخيار الثاني، ويتمثل في استقالة الحكومة طوعيا والبحث في حكومة تكنقراط أو حكومة وحدة وطنية. وربما تبدو جدية هذا الخيار بفعل نقاط القوة التي تدعمه، وأهمها:

- اكتساب موقف الاحترام الشعبي لاسيما أن خيار الاستقالة عرف ديمقراطي معمول به عالميا.

- إحداث اختراق في الحصار المالي المفروض على الشعب الذي منح حماس ثقته.

- إطلاق يد كتلة حماس في المجلس التشريعي في محاسبة المتورطين بقضايا الفساد بعيدا عن التسييس، وتشكيل معارضة برلمانية قوية، وتأمين الوضع الداخلي واستقراره دستوريا وسياسيا.

- بقاء حركة حماس على برنامجها السياسي وثوابتها المعلنة دون اضطرارها للتراجع.

- تفادي إقدام عباس على إقالة الحكومة بنفسه، والإقدام على الخطوة طوعيا بما يحفظ ماء وجه الحكومة.

ومع ذلك فإن هذا الخيار تكتنفه نقطتا ضعف هامتان هما:
- تصوير الاستقالة على أنها فشل لحكومة حماس عند أول اختبار للحكم، وتعزيز مقولة أن الإسلاميين أصحاب شعارات وقد عجزوا عن مواجهة التحديات عند أول تجربة.

- عودة الأمور إلى ما كانت عليه قبل 25 يناير/كانون الثاني 2006، وتحكم خصوم حماس في مقاليد الأمور كما كان الوضع عليه منذ 12 عاما.

الخيار الثالث، ويتمثل في التعاطي نسبيا مع المبادرات السلمية، وخاصة المبادرة العربية وخارطة الطريق ووثيقة الأسرى مع إبداء التحفظات.

ربما يشكل هذا الخيار المطلب الأكثر إلحاحا على حركة حماس وحكومتها، سواء على الصعيد المحلي أو الإقليمي أو الدولي، لاسيما أن نقاط قوة تعزز من فرضية بحثه بجدية، وأهمها:

- إحداث خلخلة في الموقف العربي -السعودية ومصر خصوصا- وبالتالي إمكانية إحداث ثغرات في الحصار المالي والسياسي.

- الانتقال من حالة الدفاع إلى الهجوم، وكسب الحكومة للمزيد من الوقت، وكسب مناصرين جدد لها إقليميا وعالميا خاصة في أوروبا.

- حشر إسرائيل في الزاوية وتحميلها مسؤولية التأزم السياسي.

- منح الحكومة بعضا من الهامش التي قد لا تحتمله الحركة، وبالتالي إحداث التمايز الإيجابي، ما سيطلق يد الحركة في برنامج المقاومة -لو اضطرت- وبقاء الحكومة في مجالها السياسي.

- الانتقال إلى تنفيذ البرنامج الاقتصادي والأمني بعيدا عن إشغال الحكومة بالملف المالي وممارسة الضغوط عليها.

ولكن في ذات الوقت لا يعتقد المراقب أن هذا الخيار سهلا على حركة أيديولوجية كحركة حماس، الأمر الذي يجعل القبول به مغامرة مكلفة لها غير محسوبة العواقب في ضوء نقاط الضعف المحيطة به، وأهمها:

- التنازل عن مواقف الحركة المعلنة منذ سنوات خلال أشهر معدودة مقابل هدف آني يتمثل في الرواتب والمساعدات المالية، ما قد يعتبر ثمنا زهيدا.

- إمكانية ممارسة مزيد من الضغوط عليها لانتزاع تنازلات أخرى، بمعنى إقدام الحركة على "الانتحار السياسي" طوعيا.

- فقدان جزء من الجمهور الذي انتخبها بناء على برنامج المقاومة، خاصة في الصف الداخلي لحماس الذي لم يصل إلى مرحلة الجهوزية لهذا الموقف السياسي المتقدم.

- وضع الحركة أمام ضغوط وشروط وتفسيرات مختلة للمبادرات السياسية، وبالتالي اعتبار الأزمة خاصة بالحركة والحكومة وليس بالاحتلال الإسرائيلي.

الخيار الرابع، ويتمثل في حل السلطة والتهديد به مبدئيا، وتصعيد برنامج المقاومة، وهو الخيار الذي بدأت به حماس مؤخرا ولو من بعيد، لاسيما أن الأجواء الميدانية والممارسات الإسرائيلية تشجع على تبنيه، في ضوء احتوائه لنقاط قوة هامة، ومنها:

- إبقاء الكرة مشتعلة في ملاعب الأطراف التي تحاصر الحكومة، وإرباك مخططاتها الهادفة إلى ترويض الحركة وجلبها إلى مربع التنازلات السياسية.

- تحميل العالم كله مسؤولية ملايين الفلسطينيين في الضفة والقطاع، وما قد يعنيه من أعباء اقتصادية وسياسية، وبالتالي فإن مجرد التهديد بهذا الخيار سيشعر العالم -وخاصة الغرب- بأنه قد يدفع ثمنا باهظا جراء حصاره المالي وما يمارسه من نفاق سياسي مع الفلسطينيين.

"
الخيارات أمام صانع القرار السياسي في حماس وحكومتها صعبة، وسيحار في البحث عن أفضلها أو عن أقلها كلفة، وهنا تتجلى حكمة السياسي ليس في معرفة الخير من الشر وإنما في إدراك واختيار الخير بين الشرين
"
- أعلنت حماس غير مرة أن السلطة لم تكن هدفا بحد ذاته، وبالتالي فقد جاءت "كجملة اعتراضية"، وإن ذهبت فلا بكاء عليها طالما أنها باتت تشكل عبئا على الحركة والقضية.

- العودة من جديد إلى برنامج المقاومة الذي أثبت جدارته، ولم تغادره الحركة نهائيا.

- إمكانية وقف مخطط الانفصال الإسرائيلي وإشغاله بالمقاومة، ما قد يعني إرباكا للساحة الحزبية الإسرائيلية.

في المقابل فإن هذا الخيار -على جديته وخطورته- ليس من السهولة بمكان أن تتورط فيه الحركة، لاعتبارات أهمها:

- حماس أو الحكومة لا تملك قانونيا هذا الخيار، وهي بحاجة إلى إجراءات دستورية وسياسية معقدة تستغرق وقتا طويلا.

- النتائج المترتبة قد تطال حماس بصورة سلبية، خاصة في ظل افتقاد الأمن وشيوع أجواء الفوضى العارمة.

- قد يفسر هذا الخيار على أن الحركة فشلت في برنامج الحكم، وبالتالي لجأت باعتباره خيار المفلس.

- تحمل الحركة لهذا الخيار قد يفقدها جزءا من جمهورها الذي تشوق لبرنامج الإصلاح وليس الفوضى.

- إمكانية دخول أطراف خارجية على الخط الداخلي واستغلال الفوضى، وتنفيذ برنامج اغتيالات يورط الحركة بما لا تطيقه.

- إمكانية أن ترد إسرائيل على ذلك بتصعيد غير مسبوق، وربما إعادة احتلال غزة بالكامل.

وأخيرا.. هي خيارات صعبة لا شك في أن صانع القرار السياسي في حماس وحكومتها سيحتار في البحث عن أفضلها، أو إن شئت عن أقلها كلفة، فحسابات المرحلة تتحدث عن أقل الخسائر بعدما غدا حصد المكاسب مطلبا عسيرا، وهنا تتجلى حكمة السياسي ليس في معرفة الخير من الشر، وإنما في إدراك واختيار الخير بين الشرين!!

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة