الإسلاميون والعلاقة مع الولايات المتحدة   
الخميس 7/7/1429 هـ - الموافق 10/7/2008 م (آخر تحديث) الساعة 16:52 (مكة المكرمة)، 13:52 (غرينتش)
ياسر الزعاترة


كنت أعرف أن هناك من بين العلمانيين التابعين للأنظمة، وكذلك بقايا المتشبثين بفكر اليسار شكلاً والانحياز للأنظمة مضموناً، من يكرهون الإسلاميين، بل يكرهون الإسلام ذاته، ويتمنون لو أنهم يستيقظون ذات صباح ليجدوا الدنيا قد خلت من المساجد واللحى والجلابيب، وقبل ذلك المصاحف.

"
أن ينكر البعض أن الظاهرة الإسلامية بحركاتها وعلمائها وجمهورها العريض هي العنوان الأبرز لمسيرة التصدي للغطرسة الأميركية، فذلك ما لا يمكن تصديقه بحال
"
ولكن أن يصل الحال بأولئك أن ينكروا أن الظاهرة الإسلامية بحركاتها وعلمائها وجمهورها العريض هي العنوان الأبرز لمسيرة التصدي للغطرسة الأميركية، فذلك ما لا يمكن تصديقه بحال.

يقول غراهام فولر، النائب السابق للمجلس القومي للاستخبارات الأميركية في مقاله "العالم بدون الإسلام" الذي نشر في دورية فورين بوليسي (عدد يناير 2008) "في عالم بدون الإسلام ربما وجد الاستعمار الغربي مهمة تقسيم واحتلال وإخضاع الشرق الأوسط وآسيا أكثر سهولة، وربما لم تكن لتبقى هناك ذاكرة تاريخية فيما يتعلق بالاضطهاد والهزيمة على نطاق منطقة جغرافية كبيرة".

ويضيف الرجل قائلاً "هذا هو السبب الرئيس الذي جعل أنياب الولايات المتحدة تتكسر في الصراع مع العالم الإسلامي".

لسنا في حاجة إلى شهادة غراهام فولر، لكننا نضطر إليها في ظل هذا الجنون الفكري الذي ينتاب البعض عندما يذكر الإسلام أو الظاهرة الإسلامية، فيميل إلى إنكار أية حسنة لها، مستعيداً جملة من الوقائع التاريخية حول علاقتها بالولايات المتحدة، وهي للمفارقة واقعة واحدة، تتمثل في الدعم الذي قدمته واشنطن للمجاهدين الأفغان إبان الاحتلال السوفياتي لبلادهم.

والواقع أن الجهاد الأفغاني قد انطلق وسار ما يقرب من أربع سنوات قبل أن تدخل الولايات المتحدة على الخط، وتدرك أن بوسعها استثماره في سياق ضرب النفوذ السوفياتي، ويعلم المعنيون أن فصائل بعينها هي التي كانت تتلقى الدعم من الولايات المتحدة، بينما كانت الأكثرية تعتمد على الدعم الوارد من الدول العربية والإسلامية.

صحيح أن ذلك الدعم لم يكن ليتوفر على ذلك النحو لولا التأييد الأميركي، لكن الأكيد أيضاً هو أن تلك الدول كانت معنية بمحاصرة التمدد الشيوعي حفاظاً على وضعها ومصالحها.

أياً ما كان الأمر، فالموقف قبل منتصف الثمانينيات شيء والموقف بعده شيء آخر، مع العلم أن أحداً من الإسلاميين خارج أفغانستان ممن انخرطوا في دعم المعركة لم يشعر يوماً أنه عميل للولايات المتحدة، بل حتى متحالف معها، ولو أثناء اللقاء على التصدي للمد الشيوعي الذي رآه الإسلاميون أكثر خطراً من المشروع الأميركي، بصرف النظر عن صواب هذه الرؤية أو خطئها.

مع نهاية الثمانينيات، وعلى نحو أكثر وضوحاً بعد نهاية الحرب الباردة وحرب الخليج الأولى انقلبت المعادلة، فقد تحولت الولايات المتحدة وحلفاؤها من العرب إلى مناهضين للظاهرة الإسلامية بعد أن انجلى المشهد عن تصدرها للساحة السياسية وتهديدها لاستقرار عدد من الأنظمة العربية التي باتت جميعاً مهمة بالنسبة للولايات المتحدة، سواء كان ذلك لمصلحة نفوذها المباشر، أم لمصلحة حليفتها العبرية.

لندع التاريخ، وليقل المناهضون للظاهرة الإسلامية فيه ما يشتهون، لكن الحاضر مسألة أخرى، وما يعنينا اليوم هو هذه الحالة من الإنكار لدور الظاهرة الإسلامية في التصدي للهجمة الأميركية على الأمة، واستخدام بعض الشواهد هنا وهناك كأدلة على عكس هذه النظرية الواضحة لأي منصف على وجه الأرض.

ثمة بعد بالغ الأهمية ينبغي التطرق إليه يتمثل في السبب الكامن خلف العداء الأميركي للظاهرة الإسلامية بكل تلاوينها، مع العلم أن استخدام بعضها ضد بعض هو محض تدرج في الحرب عليها، كما أن التعامل مع بعض فروعها أو تياراتها هو خيار المضطر في بعض الأحيان، من دون أن يعني ذلك تبريراً للطرف الإسلامي.

لكننا نؤكد أن الظاهرة برمتها ستبقى مستهدفة، ولو نجح استهداف أكثرها عداء "تطرفا بحسب التعبير الآخر" لما وفرت الحرب أطيافها الأخرى.

"
ما دام الدين حاضراً في وعي الأمة فمن الطبيعي أن ينتج تدينا، بينما ينتج التدين مطالب الوحدة والتحرر ورفض الغطرسة الخارجية، الأمر الذي بدوره ينتج مقاومة أو عنفا أو إرهابا، ليسمّه كل طرف كما يشاء
"
نقول ذلك لأن الأميركان ما زالوا يتبنون بلسان الحال، وأحياناً بلسان المقال نظرية المستنقع والبعوض التي صاغها الصهاينة، والتي تقول إن من المستحيل مواجهة البعوض من دون تجفيف المستنقع.

والبعوض هنا هو العنف أو الإرهاب أو الجهاد، بحسب الحالة ومن يوصفها، وحين نتأمل في ماهية المستنقع سنكتشف بكل بساطة أنه الإسلام ذاته، فما دام الدين حاضراً في وعي الأمة، فمن الطبيعي أن ينتج تدينا، بينما ينتج التدين مطالب الوحدة والتحرر ورفض الغطرسة الخارجية، الأمر الذي بدوره ينتج مقاومة أو عنفا أو إرهابا، ليسمّه كل طرف كما يشاء.

هكذا لن يكون بوسع أحد أن يسمح بامتداد حالة التدين، ما دام يتحكم بمسارها وتحولاتها، لكن الموقف القائم يضطر البعض إلى استخدام السلفية التقليدية في حرب الإسلام الحركي والسلفية الجهادية، مع العلم أن تحول أناس من اللون الأول إلى اللون الثاني في ظل توفر المعطيات الموضوعية وعلى رأسها الاستهداف الخارجي يبقى ممكنا.

كما يستخدم البعض المجموعات الصوفية في نفس الاتجاه، لكن هذه الأخيرة أفرزت الكثير من ظواهر الجهاد في مراحل تاريخية معروفة أيام الاستعمار وقبله (عمر المختار والمهدي وسواهما).

في سياق أسباب العداء تبرز الطبيعة الإمبريالية للولايات المتحدة وكثير من الدول الغربية، وهي طبيعة تفرض تكريس شرذمة الأمة وضرب عناصر القوة والتماسك والمقاومة فيها، وبالطبع كي تبقى دولها سوقا للاستهلاك ومصدرا للمواد الخام.

لكن البعد الأكثر أهمية الذي برز في العقود الأخيرة هو العامل الإسرائيلي، ثم ازداد وضوحاً وقوة خلال العقد الأخير بعد مجيء قيادة أميركية تقدم المصلحة الإسرائيلية حتى على مصالح الولايات المتحدة ذاتها، الأمر الذي لا يبدو في وارد التغير سريعاً حتى لو تغيرت القيادة في البيت الأبيض، وبالطبع لأن النفوذ الصهيوني قد بلغ من القوة حداً لن يكون بوسع أي رئيس مقاومته، هو الذي يشمل الكونغرس بجمهورييه وديمقراطييه، لاسيما بعد سيطرة اليمين المسيحي المتصهين على الحزب الجمهوري.

على هذه الخلفية يتجذر العداء وتتجذر المواجهة بين الظاهرة الإسلامية وبين الولايات المتحدة، في حين تزداد محاور الصدام المسلح بين الطرفين.

وفي هذا السياق تبرز الحالة الفلسطينية والحالة العراقية والحالة الأفغانية والحالة اللبنانية كمواقع اشتباك ساخنة بين الطرفين. وأعمى، بل موتور من لا يعترف بأن المقاومة الإسلامية في العراق هي التي أفشلت مشروع إعادة تشكيل المنطقة لحساب الدولة العبرية. وأعمى، بل موتور من لا يقدر الهزيمة الأولى للصهاينة على يد حزب الله عام 2000، ثم الثانية في حرب تموز عام 2006. وأعمى وموتور من لا يعترف بالتهديد الوجودي الذي شكلته المقاومة الإسلامية الفلسطينية للمشروع الصهيوني في عقر داره حتى لو لم تتحقق إنجازات كبيرة باستثناء الانسحاب من قطاع غزة وتفكيك المستوطنات.

وأخيراً أعمى من لا يري أن طالبان التي تسامحت معها الولايات المتحدة في البداية بهدف ضرب القوى الإسلامية الحركية في أفغانستان هي التي تستنزف الولايات المتحدة وتعمق جراحها هذه الأيام.

لا يتوقف الأمر عند حدود هذه الحالات التي ذكرنا، فالظاهرة الإسلامية بكل ألوانها هي التي تشكل قوة الممانعة الرئيسة في الأمة، سواء كان ذلك مباشرة عبر الخطاب والممارسة السياسية اليومية، أم عبر دعم محاور الاشتباك المشار إليها آنفا.

"
الظاهرة الإسلامية بحركاتها وجماهيرها ومساجدها كانت ولا تزال عنوان التصدي للهجمة الأميركية الصهيونية وصانعة ثقافة المقاومة والجهاد والاستشهاد، من دون أن ننكر بحال جهود قوميين ويساريين شرفاء لهم دورهم في المواجهة
"
هنا سيرد علينا بعض الموتورين بما يسمونه "حقائق دامغة" حول علاقة الإسلاميين بالولايات المتحدة، وحين نسأل عن ماهيتها تبرز قصة الحوارات التي تجري بين بعض مجموعاتها وبين جهات أميركية هنا وهناك، كما تبرز جملة من العناوين حول علاقات واضحة بين بعض مجموعاتها والولايات المتحدة.

في السياق الأول يبدو الأمر بالغ السخف لأن القوى السياسية لا تجد في العادة حرجاً في محاورة أي أحد، ربما باستثناء الصهاينة، مع خلافنا مع بعضها في هذا الشأن، نحن الذين نرى ضرورة تقدير الموقف قبل الحوار وما إذا كان سيضر الحركة أم سينفعها من مختلف الزوايا، والمهم هو ما سيفضي إليه الحوار.

هنا يمكن القول بكل بساطة إن كل الحوارات التي تمت هنا وهناك لم تفض إلا إلى مزيد من قناعة الولايات المتحدة بأفضلية الأنظمة القائمة بالنسبة إليها، وهو بالضبط ما دفعها إلى تجاوز قصة الإصلاح بعد التأكد من أنها لن تأتي إلا بالأكثر عداء للسياسات الأميركية.

ودليلنا هو هذا التفويض الضمني الذي منح للأنظمة لكي تقمع معارضتها وتزور الانتخابات كيفما تشاء بعد جولات معقولة هنا وهناك، وإن بقيت بعيدة عن النزاهة الحقيقية، مع العلم أن استخدام عصا الإصلاح في ابتزاز الأنظمة لن يتوقف.

الجانب الثاني الذي يشهره القوم في وجوهنا هو المتعلق بتعاون بعض فروع الظاهرة الإسلامية مع الولايات المتحدة، كما هو الحال في العراق (قوى سنية وشيعية). وهنا نقول بالفم الملآن إن الإسلاميين يدينون هذا التعاون الذي لم يبادر إليه الأميركان إلا مضطرين، كما يدينون تعاون بعض الإسلاميين الأفغان مع المحتلين أيضا.

أما حزب العدالة والتنمية التركي فهو سياق آخر، ليس فقط لأن العلاقة مع واشنطن وتل أبيب هي خيارات الدولة التركية منذ عقود، الأمر الذي يصعب تغييره خلال مدة وجيزة، بل أيضاً لأن الحزب ما زال يعلن أنه علماني وليس إسلاميا، وهو كذلك في ممارسته، مع العلم أن هناك إسلاميين آخرين في تركيا يدينون ذلك، كما ندينه نحن من دون تحفظ.

ويبقى أن علامات استفهام ما زالت تتوفر حول حقيقة الموقف الأميركي والغربي من العدالة والتنمية التركي بسبب خلفية قادته الإسلامية.

نقول ذلك لأننا لا نسمع عن موقف حقيقي مناصر له في مواجهة الهجمة العلمانية المتطرفة عليه، والتي تنذر بشطبه من المعادلة السياسية.

خلاصة القول إن الظاهرة الإسلامية بحركاتها وجماهيرها، ومساجدها كانت وما تزال عنوان التصدي للهجمة الأميركية الصهيونية وصانعة ثقافة المقاومة والجهاد والاستشهاد، من دون أن ننكر بحال جهود قوميين ويساريين شرفاء لهم دورهم في المواجهة.

لكن هؤلاء أنفسهم يقرون بتصدر الإسلاميين للمعركة حتى لو أنكروا ممارسات بعضهم هنا وهناك، تماماً كما ننكرها نحن وينكرها جميع المخلصين من أبناء الأمة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة