تركيا.. عبور جسر الأحلام إلى أفريقيا   
السبت 1435/6/13 هـ - الموافق 12/4/2014 م (آخر تحديث) الساعة 14:15 (مكة المكرمة)، 11:15 (غرينتش)
منى عبد الفتاح


تجدد الأحلام العثمانية
الشراكة الإستراتيجية
مكانة تركيا

سعي تركيا الحثيث إلى تعزيز وجودها في أفريقيا من خلال النفوذ السياسي والتوسع التجاري، أعاد إلى الأذهان عصر الإمبراطورية العثمانية الذهبي الذي امتد فيه نفوذها إلى أفريقيا، فأحكمت سيطرتها على دول السودان ومصر وليبيا والجزائر.

وما بين تبدد فلسفة مصطفى كمال أتاتورك بتثبيت دعائم العلمانية في تركيا وعزلها عن المحيط الإسلامي وحصرها في الإطار الأوروبي، وبين تعرضها مؤخرا لضربات قوية في حجم تعاملاتها الاقتصادية مع أوروبا بسبب الأزمة المالية العالمية، جاءت العودة التركية إلى أفريقيا بقوة دفع زائدة، مما يصورها كتعويض عن بعدها عنها خلال الحرب الباردة.

وفي أفق التصور هذا تتراءى أرض أفريقيا السمراء كمسرح جديد لمشروعاتها وطموحاتها الاقتصادية والسياسية.

تجدد الأحلام العثمانية
شغل هذا التوجه التركي نحو أفريقيا بال الإعلام الغربي أكثر من الأفارقة أنفسهم، فلم يفت على صحيفة فايننشال تايمز في عددها الصادر بتاريخ السابع من يناير/كانون الثاني 2013، ومن خلال مقابلتها مع محافظ البنك المركزي التركي، ملاحظة أنّ المحافظ وضع أفريقيا في معية الشرق الأوسط وروسيا كمجموعة نهمة للاستيراد، بما يمكن أن يساعد تركيا على تنويع أسواقها خارج أوروبا.

ما بين تبدد فلسفة أتاتورك بتثبيت دعائم العلمانية في تركيا وعزلها عن المحيط الإسلامي وبين تعرضها مؤخرا لضربات قوية في حجم تعاملاتها الاقتصادية مع أوروبا، جاءت العودة التركية إلى أفريقيا

كما كتبت إيكونوميست في عدد 25 مارس/آذار 2010 مقالا بعنوان "الأحلام العثمانية"، ونوهت بأنّ زيارة الرئيس التركي عبد الله غول إلى الكاميرون والكونغو عام 2010 كانت ذات ثقل اقتصادي واضح، حيث اصطحب معه وفدا مكونا من 140 رجل أعمال.

وهذا العنوان "الأحلام العثمانية" يثير كثيرا من التساؤلات، ويختزن مرارات تاريخية تشير إلى "العهد العثماني" الذي تم فيه غزو شمال أفريقيا.

وعندما توغل الجيش العثماني جنوبا، شهدت حملات الغزو تعقيدات عديدة كادت أن تطيح بآمال العثمانيين، فلم تكن الأرض هي الأرض التي غزوها في شمال أفريقيا، ولا الناس هم الناس ولا الطبائع.

تجاوز نفوذ قائد الحملة محمد علي باشا بعد أن دخل مصر غربها إلى ليبيا وجنوبها إلى السودان وضمهما إلى إمبراطوريته. وجاء اختياره السودان لأسباب عديدة، منها التهديدات الأوروبية للإمبراطورية العثمانية، وتأمين حدوده الجنوبية، ثم البحث عن رجال أقوياء واستجلابهم كجنود من السودان ليكوّن منهم جيشا يصدّ به أي هجوم محتمل.

ومن الأهداف أيضا، البحث عن الذهب الذي كانت تحتاجه بلاده للإنفاق العسكري والصناعي والزراعي، وقد سرى خبر وجوده في مناطق فازوغلي وبني شنقول وجبل شيبون وجبال النوبة.

كما يُذكر كذلك أنّه في تلك الفترة كانت الحبشة مدعومة بسند إنجلترا، وتشكل تهديدا للمصريين والسودانيين بتحويلها مجرى نهر النيل، فكان من ضمن الأهداف لاستيلاء محمد علي باشا على السودان هو تأمين مياه النيل من أجل النهضة الزراعية.

ولتحقيق هذه الأهداف، أرسل محمد علي باشا وفدا وديّا إلى سلطان الفونج عام 1813 بمهمة أخرى هي الاستقصاء عن الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعسكري، فكان أن جمع الوفد من المعلومات التي تفيد بضعف السلطنة الزرقاء وخلو السودان من الأسلحة النارية.

تحرك محمد علي بعد الفرمان السلطاني الذي أوكل إليه أداء مهمة ضم سلطنة الفونج الإسلامية وعاصمتها سنار حتى سقطت على يد حملته عام 1821. ولكي يُخضع سلطنة الفونج، فإنّه ألقى في روع السودانيين بأنّ واجبهم الديني هو الاستسلام لقوات أمير المؤمنين السلطان العثماني، حيث ألحق الحملة بثلاثة علماء يمثلون المذاهب المالكية والحنفية والشافعية.

استغلت الإمبراطورية العثمانية موارد السودان، وحدث ازدهار في الإنتاج الزراعي والحيواني، ولكنه لم يوظف لمصلحة السودان بل أثقل كاهل السودانيين -خاصة الطبقات الفقيرة- بالضرائب الباهظة التي فرضها الغزاة عن طريق الوسائل القمعية لجمعها، والتي كان ينتهجها الجنود غير النظاميين (الباشبزق). ظل السودان طوال تلك الفترة مستعمرة فعلية لمحمد علي وأحفاده إلى قيام الثورة المهدية 1885.

وبالرغم من هذه الصفحة القاتمة، فإنّه لا يمكن إلقاء تبعات الاستعمار الذي تم في ذلك القرن على تركيا اليوم، كما أنّ تسمية ذلك الحكم بالتركي المصري فيه مجافاة للحقيقة، لأنّ مصر وقتها كانت ضمن ممتلكات السلطان العثماني الذي دخلها أولا قبل حملته الشهيرة إلى السودان.

الشراكة الإستراتيجية
جاء توسع تركيا نحو أفريقيا ضمن أهداف السياسة الخارجية التركية في العقود الأخيرة، التي بدأت تتحسس روحها القيادية القديمة، باعتماد المشاركة الفعّالة في القضايا العالمية.

تدير الوكالة التركية للتنسيق والتعاون مشروعات في نحو37 دولة أفريقية، معظمها في مجالات البنية التحتية لتقديم خدمات في مشاريع التعليم والصحة والزراعة وتنمية القدرات المؤسسية وتقديم المساعدات الإنسانية

ومما ساعد على ذلك إحساس تركيا المتفاقم بالبحث عن حلفاء إقليميين بعد رفض طلبها بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، حيث رأت أنّه آن الأوان للتخلي عن الحلم الأتاتوركي الذي عزل تركيا لصالح أوروبا.

ووفقا لهذا الهدف، ومع واقع النهضة الاقتصادية في تركيا، فقد بدأت بمدخل التنمية التي تتعطش لها القارة السمراء نتيجة الكوارث والنزاعات العديدة التي تكبّل سواعدها، وذلك من خلال الوكالة التركية للتنسيق والتعاون (TIKA). فأصبح وجودها كمراقبة للاتحاد الأفريقي عام 2002 وجودا شبه شرعي، لتعلن بعدها بثلاث سنوات -وتحديدا عام 2005- هو "عام أفريقيا" من خلال مكتبها الأول في أثيوبيا، وكان ذلك مرتبطا بطموحاتها في الحصول على أصوات المجموعة الأفريقية داخل الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة للحصول على مقعد في مجلس الأمن الدولي.

ثم فتحت مكتبي السودان والسنغال في العام نفسه، ومن خلال هذه المكاتب دعمت تركيا نشاطها الإقليمي في البلدان المجاورة. وفي أغسطس/آب 2008 استضافت تركيا "قمة التعاون الأفريقي- التركي" ليعلن الاتحاد الأفريقي بعدها مباشرة أنّ تركيا هي "شريكه الإستراتيجي".

وقد جنت تركيا ثمار ذلك مباشرة، فانتخبت عضوا في مجلس الأمن في الفترة 2009-2010، بعد مرور 48 عاما على عضويتها السابقة.

وخلال هذين العامين، عقدت تركيا عدة اجتماعات على مستوى عالٍ لمجلس الأمن واجتماعاته الدورية، خلصت إلى إطلاقها مع فنلندا "مبادرة الوساطة من أجل السلام"، ثم تلتها استضافة تركيا القمة الرابعة التي نظمتها الأمم المتحدة للدول الأقل نموا في العالم بإسطنبول في مايو/آيار 2011.

وفي عام 2011 نفسه، أطلقت تركيا حملة إنسانية تجاه الصومال لتأسيس وجود كبير هناك، وكان رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في عام 2011 هو أول زعيم غير أفريقي يزور الصومال منذ حوالى عقدين.

أنشأت تركيا سفارة لها في مقديشو، وتبنَّت مشروعات تهدف إلى مساعدة الصومال على تطوير بنيتها التحتية، وافتتحت مكاتب جديدة لها في مقديشو وطرابلس، ثم افتتحت أفرعا لها في نيروبي، والقاهرة، وتونس في 2012.

ومن خلال هذه المكاتب تدير الوكالة التركية للتنسيق والتعاون مشروعات في نحو 37 دولة أفريقية، معظمها في مجالات البنية التحتية لتقديم خدمات في مشاريع التعليم والصحة والزراعة وتنمية القدرات المؤسسية وتقديم المساعدات الإنسانية.

لم تكتف تركيا بفتح سفاراتها في القارة السمراء لتصل إلى 34 سفارة متبوعة ببعثات في تشاد وغينيا وجيبوتى بنهاية يناير/كانون الثاني الماضي فحسب، بل عبدّت الطريق كذلك حتى صار السفر من تركيا إلى أفريقيا أكثر سهولة من ذي قبل، لعلها تدرك جيّدا الآن أنّ هذا الطريق المعبّد هو ما سييسّر ترشحها لعضوية أخرى في مجلس الأمن الدولي للفترة 2015/2016 لتكون هذه المرة الثانية خلال الخمسين سنة الفائتة.

مكانة تركيا
بعد إعلان تركيا عام 2005 عام أفريقيا، تعلن تركيا مرة أخرى لسفراء 23 دولة أفريقية على لسان وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو في الاجتماع التمهيدي للقمة التركية الأفريقية المزمع انعقادها في النصف الأول من هذا العام أنّ القرن الـ21 سيكون قرن تركيا وأفريقيا، وأن علو شأن إحداهما يعني علو شأن الأخرى.

من الواضح أنّ الجهود التركية حصلت على مردود إيجابي بالنسبة لتحسين الأوضاع والتنمية ودعم الاستقرار في أفريقيا، كما أعطت تركيا مكانة دولية جديدة بصفتها قوة صاعدة في مجال المساعدات الإنسانية لأفريقيا.

توجه تركيا نحو أفريقيا يشبه توجه دول شرق آسيا كالصين والهند نحو القارة نفسها، إلا أنّ ما يحكم نجاح أيٍّ من هذه الدول هو الميزة التنافسية التي يمكن أن تنتهجها أية دولة لتحقيق مرادها

وإذا كانت تركيا أتاتورك استخدمت من قبل البعد العلماني في التوجه نحو أوروبا ولم تُقبَل رغم ذلك ضمن الاتحاد الأوروبي، فإنّ توجهها الجديد اتخذ البعد الديني ليدعم سياسة الانفتاح نحو أفريقيا كوسيلة لتحقيق المصالح القومية التركية بالقوة الناعمة.

وهذا ما ظهر في الاجتماع الثاني للقيادات الدينية الأفريقية بتركيا نوفمبر/تشرين الثاني 2011، حيث طالبت العديد من هذه القيادات تركيا بلعب دور أكبر في مجال التعليم الديني في المجتمعات الأفريقية فطورت منه وعملت على بناء المساجد. تدرك تركيا جيدا أنّ هذا الدور سوف يزيد من قوتها التنافسية بأكثر من مجرد التعاون الاقتصادي والدعم الإنساني، ويميزها عن فاعلين آخرين في القارة مثل الصين والهند.

وما حدث فعلا أنّ هذا البعد الديني قد عمل على مساعدة تركيا في خلق جسور من الثقة مع الأطراف الأفريقية ما كانت لتحققها الدول الأخرى.

توجه تركيا نحو أفريقيا يشبه توجه دول شرق آسيا كالصين والهند نحو القارة نفسها، إلا أنّ ما يحكم نجاح أيٍّ من هذه الدول هو الميزة التنافسية التي يمكن أن تنتهجها أية دولة لتحقيق مرادها.

وبالرغم من ذلك، يبقى التحدي الذي يواجه تركيا هو ما ستفضي إليه جهودها، فإمّا أن تنفتح على القارة أكثر وتحصل على مكانتها التي تسعى إليها على المستويين الإقليمي والدولي، وإما أن يكون كل ما تقوم به رهينا بظروف القارة المأزومة، وأسيرا لتعثر خطط ومبادرات الاستثمار والتنمية فيها.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة