المصلحة الأميركية في الإصرار على الانتخابات الفلسطينية   
الأحد 1426/12/22 هـ - الموافق 22/1/2006 م (آخر تحديث) الساعة 19:20 (مكة المكرمة)، 16:20 (غرينتش)


حلمي موسى

- العصا والجزرة
- الديمقراطية في المدرسة الإسرائيلية
- صفقة الانتخابات

لم تخف الإدارة الأميركية غاياتها من ذلك الإصرار على إجراء الانتخابات الفلسطينية في موعدها والعمل لدى الطرف الإسرائيلي لتسهيل إجرائها. وقد أثار هذا الإصرار حفيظة الكثيرين في الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي.

وقد رأى بعض الفلسطينيين وخصوصا من قادة حركة فتح في ذلك تكريسا للمصلحة الأميركية على حساب سمعة فتح ودورها القيادي. ورأى قادة اليمين الإسرائيلي أن إدارة بوش أجبرت حكومة أولمرت على قبول صيغة 1996 في القدس الشرقية على الضد من المصلحة الإسرائيلية.

والحقيقة أن إدارة بوش التي أعلنت في البداية عزوفها عن التدخل دوليا سارعت بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول إلى تبني سياسة العصا الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين وعدم السماح لهم بجني ثمار الانتفاضة، وتجلى هذا الموقف عمليا في تأييد أميركا لعملية السور الواقي الإسرائيلية في مدن الضفة الغربية عام 2002.

"
السياسة الإسرائيلية لا تؤمن بأن بوسع العرب أن يتغيروا, كما ترى أن انعدام الديمقراطية عند العرب يبعد الغرب عن الضغط على إسرائيل، وهي فوق ذلك تعتقد أن الديمقراطية تجلب أنظمة قد تكون أشد عداء لإسرائيل من الأنظمة غير الديمقراطية
"

العصا والجزرة
ولكن الإدارة الأميركية اختلفت مع إسرائيل في أنه من الواجب إرفاق هذه العصا بجزرة، ورأت أن الجزرة يمكن أن تقع في إطار أيديولوجيا هذه الإدارة التي ترتكز على ادعاء نشر الديمقراطية.

وقد شجع الإدارة الأميركية على ذلك الاعتقاد بأن الجمود السياسي على الصعيد الفلسطيني قد يترك آثارا مدمرة على المكانة الأميركية في المنطقة العربية، مما دفع بعض المراقبين إلى الجزم بأن "التساهل" الأميركي تجاه الفلسطينيين يتناسب عكسيا مع "المشاكل" التي تواجهها أميركا في العراق، وهذا ما تجلى مثلا في عرض ما سمي برؤية بوش والإعلان عن خريطة الطريق.

ورأت الإدارة الأميركية التي كانت قد جمدت علاقاتها مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات أن الانتخابات التشريعية الفلسطينية بوابة هامة للتغيير السياسي.

وبعد رحيل عرفات وفوز الرئيس الحالي محمود عباس في الانتخابات صارت ترى في إجراء الانتخابات التشريعية, بسرعة, بوابة لإحداث التغيير المطلوب بحيث لا يقتصر التغيير على القائد, وإنما ليشمل البنية القيادية.

واعتبرت أن الإصلاحات البنيوية التي طولبت السلطة الفلسطينية بإدخالها على أجهزتها الأمنية والمالية توفر الأساس لتغليب بنية جديدة تقرب الفلسطينيين من التحول إلى "فنلنديين" وفق معايير مستشار شارون دوف فايسغلاس.

ورغم دخول عناصر جديدة على الاعتبارات الأميركية بينها عدم جدية الإصلاحات التي أدخلتها السلطة الفلسطينية على أجهزتها الأمنية والإدارية فإن أميركا لم تتراجع عن هذا الإصرار على الانتخابات, ربما لافتقادها بدائل أخرى، ولم يتغير هذا الموقف أيضا عندما تبدى أن حركة حماس ومنظمات فلسطينية مسلحة أخرى تنوي المشاركة في الانتخابات.

ويرى كثيرون أن المقاربة الأميركية تجاه الانتخابات في المنطقة العربية عموما وفي فلسطين خصوصا تعرضت لتغييرات منذ تولي كوندوليزا رايس منصب وزيرة الخارجية، إذ اعترضت على الرؤية "الواقعية" التي كانت سائدة في الخارجية الأميركية تجاه هذا الأمر في عهد سلفها كولن باول.

وصارت ترفض منطق "السياسة الواقعية" الذي كان يحكم سلوك المسؤولين في الخارجية الأميركية والذي كان يساعد على استقرار الأنظمة القائمة طوال عقود، وعمدت إلى وضع مبدأ تعزيز الديمقراطية بوصفه ركنا أساسيا من أركان السياسة الخارجية.

فالرئيس بوش يوحي بأن المطلوب ليس فقط معالجة المخاطر العسكرية وإنما كذلك إحلال تغيير سياسي عميق في الشرق الأوسط عموما وفي فلسطين خصوصا.

وتختلف السياسة الإسرائيلية مع الأميركيين في جانب مهم من هذه الطروحات، فهي في الغالب لا تؤمن بأن بوسع العرب أن يتغيروا, كما أنها في قرارة نفسها ترى أن انعدام الديمقراطية عند العرب يبعد الغرب عن الضغط على إسرائيل، وفوق ذلك ترى أن الديمقراطية تجلب أنظمة قد تكون أشد عداء لإسرائيل من الأنظمة غير الديمقراطية.

وفي كل الأحوال يمكن لبيان وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس الذي صدر في أعقاب قرار الحكومة الإسرائيلية في العاشر من يناير/ كانون الثاني الجاري بخصوص مشاركة سكان القدس الشرقية في الانتخابات أن يوضح بعض معالم الموقف الأميركي.

فقد قالت رايس في بيانها إن "إجراء انتخابات حرة ونزيهة لاختيار أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني يوم 25 يناير/ كانون الثاني تمثل خطوة رئيسية في عملية بناء دولة فلسطينية مسالمة وديمقراطية".

وأضافت أن "اللجنة الرباعية أعلنت وجهة نظرها من قبل في أن الجماعات المسلحة ليس لها مكان في العملية الديمقراطية. وما زالت وجهة نظر الولايات المتحدة تتمثل في أنه ينبغي أن لا يكون هناك مكان في العملية السياسية لجماعات أو أفراد ممن يرفضون نبذ الإرهاب والعنف، والاعتراف بحق إسرائيل في الوجود، كما يرفضون التخلي عن السلاح".

وأشارت رايس إلى أن "وضع وتطوير الديمقراطية الفلسطينية على أساس التسامح والحرية، عنصر أساسي من عناصر خريطة الطريق. والمشاركة في عملية السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين تستدعي أن يقبل الشريك الفلسطيني حق إسرائيل في الوجود على أقل تقدير. ولكي تطبق الاتفاقيات الخاصة بالتنقل وحرية الحركة والدخول إلى المناطق الفلسطينية يجب أن يكون الشريك الفلسطيني ملتزماً بمنع العنف. وباختصار يجب أن يكون الشريك الفلسطيني ملتزماً بالتطورات السلمية".

وخلصت إلى أنه "كما قال الرئيس عباس، فإن الانتخابات الديمقراطية يمكن أن تكون مقدمة للقوانين والسياسات التي تتقبل السلام، ونبذ من يدعون إلى الإرهاب والعنف وتطبيق التزامات خارطة الطريق لتفكيك البنية الأساسية للإرهاب".

"
من أجل ترسيخ الديمقراطية لا بد من وضع شعوب منطقة الشرق الأوسط في المدرسة الأميركية وربما أيضا في المدرسة الإسرائيلية
"

الديمقراطية في المدرسة الإسرائيلية
وهكذا فإن من الواضح أن الديمقراطية الفلسطينية المطلوبة أميركيا هي تلك التي تتقبل السلام وتنبذ الإرهاب وتفكك البنية التحتية للإرهاب.

وهي ديمقراطية ليس فيها تأكيد على الحقوق بل إنها تطالب ضمنا بالتخلي عن الحقوق ومن بينها حق العودة وضرورة انسحاب إسرائيل إلى حدود الرابع من حزيران 1967. وبهذا المعنى, وعلى الرغم من أن الانتخابات ضرورة فلسطينية, فإن إسرائيل كانت مستعدة لقبول "ديمقراطية" فلسطينية مشروطة كهذه.

فالديمقراطية المطلوبة أميركيا ديمقراطية تضمن لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل مصالحهما، كما أنها يمكن أن تشكل عنوانا جديدا للصراع والخلاف ينطلق من أن أساس المشكلة في المنطقة ليس إسرائيل والهيمنة الأجنبية وإنما غياب الديمقراطية.

ولكن من أجل ترسيخ الديمقراطية لا بد من وضع شعوب هذه المنطقة في المدرسة الأميركية وربما أيضا في المدرسة الإسرائيلية، وليس صدفة أن الإدارة الأميركية قررت الخروج عن موقفها القديم بتجنب إشراك إسرائيل في مساعي بناء الديمقراطية في المنطقة.

وقد كشفت صحيفة هآرتس قبل أسابيع النقاب عن موافقة الولايات المتحدة على تغيير مقاربتها للشرق الأوسط الكبير واستعدادها لإدراج إسرائيل في مساعي بناء الديمقراطية وحقوق الإنسان في المنطقة.

وقالت الصحيفة أن إسرائيل سوف تدرج في المساعي الديمقراطية الأميركية وستغدو جزء من الحوار الإقليمي الذي تديره أميركا.

وبحسب "هآرتس" فإن رايس أبلغت وزير الخارجية الإسرائيلية سيلفان شالوم أثناء لقائهما في القدس المحتلة أن "هناك مجالا لإشراك إسرائيل, وقد قالت ذلك أيضا لزعماء عرب"، وقالت إنه سيتم إدراج إسرائيل في المبادرة الأميركية لتعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان في "الشرق الأوسط الكبير وشمال أفريقيا".

وكان المدير العام لوزارة الخارجية الإسرائيلية لشؤون أميركا الشمالية يورام بن زئيفي, قد طلب في العام الأخير من الأميركيين تغيير مقاربتهم.

وقد عرضت إسرائيل أن تسهم في عملية الإصلاحات الجارية في المنطقة العربية من الخبرة التي اكتسبتها في غرس القيم الديمقراطية في صفوف عرب إسرائيل. ووفق العرض, تندرج إسرائيل بواسطة المنظمات غير الحكومية التي تقيم مشاريع تربوية وغرس الديمقراطية, والتعليم العلمي وإجراء الانتخابات.

 
"
الدور الأميركي في الانتخابات الفلسطينية محكوم بدوافع أيديولوجية ومصلحية وسياسية، إذ أن التعقيدات التي تواجه بوش في العراق تدفعه إلى محاولة ترميم مكانته في مناطق أخرى بينها فلسطين
"
صفقة الانتخابات

بعيدا عن المنطق الأيديولوجي والسياسي العام هناك من يحاول القول إن الرئيس الأميركي جورج بوش وإدارته يتطلعون إلى الانتخابات الفلسطينية بوصفها اختبارا حقيقيا لمقدار التأثير في الواقع.

ولذلك اشترطوا على الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي جملة اشتراطات بعضها معلن والآخر مستتر، ومن ضمن ما هو معلن تصريح رايس الآنف والجهد الكبير الذي بذلته للضغط على إسرائيل في كل ما يتعلق باتفاق المعابر.

وقد كشف وزير الخارجية الإسرائيلية المستقيل سيلفان شالوم النقاب عن أن إصرار أميركا على الانتخابات يعود جزئيا إلى تعهد فلسطيني بتجريد الفصائل الفلسطينية من أسلحتها خلال ستين يوما.

وقال إنه يؤمن بأن هذه السلطة التي عجزت عن تحقيق ذلك خلال سنوات سوف تفشل في تجريد الفصائل في المدة المطلوبة.

ولذلك, وحسب رأيه, لم يكن هناك ما يدفع إسرائيل إلى تقديم "التنازل الكبير" في القدس الشرقية بالسماح للفلسطينيين بالتصويت وفق صيغة 1996.

وهو يرى أن هذا التصويت كارثة على الجهد الإسرائيلي الذي بذل في السنوات الأخيرة لطرد مظاهر السلطة الفلسطينية من القدس.

غير أن هناك من بين الإسرائيليين من يعتقد أن إيهود أولمرت الذي تولى رئاسة الحكومة بالوكالة بسبب مرض شارون كان بحاجة إلى اكتساب ثقة الإدارة الأميركية به.

لذلك فإنه, كرئيس سابق لبلدية القدس تصرف بهذا القرار على عكس كل قناعاته السابقة, وتدل على ذلك محاولاته إظهار موقف متشدد من الدعاية الانتخابية لحماس هناك وتأكيده على أن الجوانب التفصيلية لعملية التصويت في القدس لم تنجز بعد.

وفي هذا السياق تبرز أهمية ما كتبه المعلق الإسرائيلي جدعون ليفي في هآرتس، حيث أشار إلى أنه "خلال أشهر أعلنت إسرائيل أنها تعارض بشدة إجراء الانتخابات في القدس، وها هو اتصال هاتفي أميركي واحد يقلب كل شيء دفعة واحدة. الذئب موفاز تحول إلى خروف إن لم نقل أرنب".

وأضاف أن "أحداث الأشهر الأخيرة برهنت بصورة صارخة على أنه في كل مرة تضغط فيها الولايات المتحدة على إسرائيل ولو بصورة لينة، تقوم هذه الأخيرة بالتراجع".

وخلص إلى أنه ينبغي "أن نأمل بقدوم الرئيس الأميركي الجريء الذي يعرف كيف يتسامى على ضغوط اللوبي اليهودي والمسيحي القويين".

وفي كل الأحوال, ورغم ما أوضحته بعض الدوائر الأميركية والإسرائيلية بشأن الرغبة في إزاحة كل الذرائع من أمام السلطة حتى تقوم بمهمة نزع الأسلحة, فإن الصورة الكاملة للدور الأميركي في الانتخابات سوف تتبدى لاحقا.

إذ أن هناك اتهامات من جانب بعض الجهات الفلسطينية لجهات أخرى بتلقي دعم أميركي، وهناك تهديدات أميركية حكومية وبرلمانية بمنع المساعدات عن الشعب الفلسطيني إن تجرأ على انتخاب حماس. وهناك تخويف من جانب جهات فلسطينية لجمهور الناخبين من غضب أميركي وأوروبي إن جاءت النتائج بغير ما تريد أميركا.

"
الفكرة التي تم تسويقها على أساس أن إشراك حماس والفصائل الأخرى في اللعبة السياسية كفيل بتقريبها من مبدأ خضوع الأقلية لقرار الأكثرية. لم تثبت صلاحيتها بعد
"

والخلاصة أن الدور الأميركي في الانتخابات الفلسطينية محكوم بدوافع أيديولوجية ومصلحية وسياسية، إذ أن هناك من يعتقد أن التعقيدات التي تواجه بوش في العراق تدفعه إلى محاولة ترميم مكانته في مناطق أخرى بينها فلسطين.

ولا ريب أن إدارة بوش عولت كثيرا على إصلاح الوضع الفلسطيني وإمكانية تحقيق اختراق سياسي مع الرئيس أبو مازن، ولكن يبدو أن هذا التعويل وكذلك رؤية بوش باتت اليوم أكثر من أي وقت مضى أبعد ما يكونا عن الواقع.

والفكرة التي تم تسويقها على أساس أن إشراك حماس والفصائل الأخرى في "اللعبة السياسية" كفيل بتقريبها من مبدأ خضوع الأقلية لقرار الأكثرية لم تثبت صلاحيتها بعد، وهي في نظر البعض وسيلة للتطويع لن تنطلي على الفصائل الفلسطينية.

هذا ما تردده بعض الفصائل التي رفضت فكرة طرحتها وزارة الداخلية الفلسطينية مؤداها جمع الأسلحة كوديعة في مخازن الوزارة إلى أن تنتهي عملية الانتخاب.

ولم يجد وزير الداخلية الفلسطينية ما يقوله عندما سأله أحد قادة الفصائل عما سيقوله للأميركيين عندما يعيد "للفصائل الإرهابية" أسلحتها بعد انتهاء الانتخابات.
__________________
كاتب فلسطيني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة