الميل الأخير في سباق السلام بالسودان   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

* بقلم/ خالد التيجاني النور

- إطار التسوية السلمية
- لقاء طه – قرنق لكسر الجمود
- اتفاق الترتيبات الأمنية
- ثلاثة جيوش سودانية
- ردود الفعل على اتفاق الترتيبات الأمنية
- تحديات أمام عملية السلام
- ما الذي سيحدث في الجولة القادمة؟
- توقعات مستقبلية

خطوة كبيرة ومهمة قطعتها مفاوضات السلام السودانية بالتوصل أخيرا إلى اتفاق بين الحكومة والجيش الشعبي بشأن الترتيبات الأمنية الانتقالية بما يعني عمليا أن الحرب قد وضعت أوزارها، إلا أنها لا تزال بحاجة إلى قطع مشوار إضافي من التفاوض حول أجندة مهمة تتعلق باقتسام السلطة والثروة والوضع في مناطق ثلاث متنازع عليها حتى يمكن القول إنها وصلت إلى اتفاق سلام شامل ينهي عشرين عاما من الحرب الأهلية، نجح خلالها الجيش الشعبي في زعزعة مسلمات سائدة في السودان ارتكزت على غلبة الهوية العربية والإسلامية، ولتصبح البلاد أمام تحدي تشكل جديد يلعب فيها البعدان العلماني والإفريقي دورا مؤثرا، فالحرب توقفت لكن الصراع على تشكيل المستقبل سيبقى مفتوحا لدورة جديدة من التدافع.


رفضت الحكومة بشدة مسودة اتفاق قدمها وسطاء إيغاد لإقرار وجود جيشين على قدم المساواة أثناء الفترة الانتقالية بقيادتين منفصلتين، واعتبرت أن في ذلك تكريسا منذ البداية لإنشاء كيانين في البلاد
إطار التسوية السلمية

منذ أن شهدت مفاوضات السلام السودانية التي تتوسط فيها الهيئة الحكومية للتنمية ومكافحة التصحر (إيغاد) برعاية أميركية اتفاق الطرفين على إطار التسوية بإعطاء الجنوب حق تقرير المصير والشمال حق الاحتكام إلى الشريعة الإسلامية في يوليو/ تموز 2002، فإن كل جولات التفاوض اللاحقة لهذه المقايضة كانت تهدف إلى الاتفاق على ترتيبات فترة انتقالية مدتها ست سنوات ونصف السنة تنتهي باستفتاء الجنوبيين بين اختيار بقاء السودان موحدا على الأسس التي أقرتها الترتيبات الانتقالية أو اختيار الانفصال في دولة مستقلة.

وشهدت الجولة السادسة من المفاوضات التي جرت في يوليو/ تموز الماضي ببلدة ناكورو الكينية تحديا كاد يؤدي إلى انهيار المحادثات حين رفضت الحكومة بشدة مسودة اتفاق قدمها وسطاء إيغاد بشأن القضايا العالقة، حيث اعتبرت أن هذه المقترحات جاءت مخالفة للقواعد التي أقرت في اتفاق ماشاكوس الإطاري الذي شدد على إعطاء وحدة البلاد الأولوية أثناء الفترة الانتقالية.

وذكرت الحكومة في تبرير رفضها لتلك المسودة اقتراحها إقرار وجود جيشين, القوات المسلحة السودانية والجيش الشعبي, على قدم المساواة أثناء الفترة الانتقالية بقيادتين منفصلتين، واعتبرت أن في ذلك تكريسا منذ البداية لإنشاء كيانين في البلاد، كما انتقدت مراجعة المسودة لموضوع علاقة الدين بالدولة الذي أقر في اتفاق ماشاكوس باقتراح يتضمن إقامة جيب علماني في الخرطوم ليصبح عاصمة للحكومة الفدرالية التي تشارك فيها الحركة.

لقاء طه – قرنق لكسر الجمود
قادت الولايات المتحدة الراعي الرئيس لعملية السلام السودانية تحركا حثيثا بمشاركة كينيا ومصر التي تشترك لأول مرة في دفع جهود التسوية التي تقودها إيغاد، وكان لها موقف متحفظ حيالها ازداد بعد إقرار حق تقرير المصير الذي كانت القاهرة تتخذ موقفا رافضا له وتعتبره مدخلا لتقسيم السودان مما يهدد العمق الإستراتيجي في نظرية أمنها القومي، ولكنها غيرت موقفها لاحقاً وقررت الانخراط بصورة نشطة في عملية السلام بغرض دعم الجهود الهادفة إلى تحبيذ الوحدة للجنوبيين عند استفتائهم.

أدت هذه الجهود إلى رفع مستوى التفاوض بما يمكن من اتخاذ قرارات من الطرفين قادرة على تحريك جمود المفاوضات، ليتم أول لقاء بين علي عثمان محمد طه النائب الأول للرئيس السوداني وجون قرنق قائد الجيش الشعبي لتحرير السودان، وتحول اللقاء الثنائي الذي كان مقدرا له أن يستغرق ثلاثة أيام إلى جولة مفاوضات كاملة لم يكن مرتبا لها أن تكون كذلك استغرقت ثلاثة أسابيع.

اتفاق الترتيبات الأمنية
انتهت محادثات طه وقرنق بالتوقيع على اتفاقية الترتيبات الأمنية الانتقالية يوم 25 سبتمبر/ أيلول 2003، فإن كان اتفاق ماشاكوس الإطاري أقر عمليا قيام نظامين سياسيين في بلد واحد أثناء الفترة الانتقالية، فإن اتفاق نيفاشا الأمني الإطاري أقر كذلك إنشاء كيانين عسكريين متوازيين على قدم المساواة والمشروعية أثناء الفترة الانتقالية، فقد نصت اتفاقية نيفاشا على أنه (وكجزء من اتفاقية السلام ومن أجل إنهاء الحرب يتفق الطرفان على أن تظل القوات المسلحة السودانية والجيش الشعبي لتحرير السودان قوتين منفصلتين خلال الفترة الانتقالية كما يتفقان على اعتبار أن كلا الجيشين متساويين ويعاملان على أساس أنهما القوات الوطنية المسلحة للسودان أثناء فترة الانتقال).

ثلاثة جيوش سودانية
بموجب هذا الاتفاق يصبح للسودان عمليا ثلاثة جيوش أثناء الفترة الانتقالية, حددت الاتفاقية مواقع انتشارها الجيش الأول هو القوات المسلحة السودانية وتتركز منطقة انتشارها في شمال السودان، حيث نصت الاتفاقية على أن تنسحب قواتها المنتشرة حاليا في جنوب السودان إلى الشمال من حدود جنوب السودان المحددة عند استقلال البلاد عام 1956، خلال مدة أقصاها سنتان ونصف السنة من بدء سريان اتفاق السلام.

والجيش الثاني فهو الجيش الشعبي لتحرير السودان وتتركز منطقة انتشاره في جنوب السودان حيث يتم سحب قواته المنتشرة حاليا في شمال السودان في منطقتي جبال النوبة وجنوب النيل الأزرق إلى داخل حدود جنوب السودان بعد تشكيل الوحدات المشتركة في المنطقتين. أما قوات الجيش الشعبي المنتشرة بشرق السودان فيتم سحبها إلى داخل حدود جنوب السودان خلال سنة واحدة من سريان اتفاق السلام.

أما الجيش الثالث فهو القوات المشتركة التي تتكون بأعداد متساوية من الجيشين الأول والثاني وقوامها 39 ألف جندي فينشر في الشمال والجنوب حيث ينشر أربعة وعشرون ألفا منها في جنوب السودان, وخمسة عشر ألفا في شمال السودان، ستة آلاف منها في جبال النوبة, وستة آلاف في جنوب النيل الأزرق, وثلاثة آلاف في العاصمة الخرطوم.


أغلب القوى السياسية المعارضة ترى أن لا بديل أمامها حاليا سوى تأييد التوصل إلى اتفاق السلام على أي نحو وبأسرع وقت ليوفر لها وسيلة لتحريك الجمود السائد حاليا في قدرتها على تغيير المعادلة السياسية الراهنة
ردود الفعل على اتفاق الترتيبات الأمنية
خلف التوصل إلى الاتفاق على الترتيبات الأمنية الانتقالية ردود فعل واسعة غلب عليها الترحيب ولكنها لم تخل من بعض التحفظات, فعلى الصعيد الشعبي العام لقي هذا النبأ عند إعلانه ارتياحا بالغا عند المواطنين الذين باتوا ينتظرون تحقيق السلام بفارغ الصبر وقد أنهكتهم تبعات وتداعيات الحرب.

أما القوى السياسية المعارضة فقد رحبت بالتقدم المهم الذي حدث باتفاق الترتيبات الأمنية, غير أن تأييدها جاء مشروطا، فهي كانت تعارض اقتصار التفاوض على الحكومة والحركة، وكانت تطالب بضرورة إشراكها في المفاوضات لأن نتيجتها لا تهم الطرفين فحسب بل ستشكل مستقبل السودان في الفترة القادمة.

غير أن كلا من الحكومة والحركة الشعبية زهد, على الرغم من أن الأخيرة جزء من تحالف المعارضة الرئيس، في إشراك الآخرين في العملية التفاوضية, إضافة إلى أن الراعي الأميركي ووسطاء إيغاد أيضا اتخذوا موقفا واضحا بضرورة أن تقتصر العملية السلمية على الطرفين المتحاربين، وأن الأولوية هي لوقف الحرب، وأن إشراك الآخرين يأتي في وقت لاحق للتوصل إلى تسوية.

كل هذه الأسباب غير المرحبة بمشاركة القوى السياسية المعارضة في المفاوضات جعلها تصمت عن المطالبة بالمشاركة في التفاوض وتقرر تشجيع الطرفين على التوصل إلى تسوية، ولكنها تريد في المقابل مشاركة مؤثرة في ترتيبات الفترة الانتقالية.

إلا أنه من المؤكد أنه لن يكون بإمكانها ممارسة هذا الدور على نحو مؤثر على الأقل حتى موعد إجراء انتخابات عامة يقدر لها أن تعقد في أو قبل منتصف الفترة الانتقالية، حيث يتسنى لها أن تشارك حينها حسب كسبها الانتخابي.

بيد أن أغلب القوى السياسية المعارضة التي تدرك أن أمامها خيارات محدودة في ظل الأوضاع الراهنة لتعديل موازين القوى لصالحها ترى أن لا بديل أمامها حاليا سوى تأييد التوصل إلى اتفاق السلام على أي نحو وبأسرع وقت ليوفر لها وسيلة لتحريك الجمود السائد حاليا في قدرتها على تغيير المعادلة السياسية الراهنة.

تحديات أمام عملية السلام
أهم تحد يواجه عملية السلام السودانية ويحدد مدى استدامتها هو نجاحها في إقرار اتفاق قادر على إقناع كل القوى والجماعات السودانية المؤثرة بارتكازه على أسس من العدل والمساواة والشمول، وأنه ليس صفقة ثنائية مفروضة بإرادة خارجية، وعلى توفيره صيغة تمكن كل السودانيين من تحقيق تطلعاتهم بوسائل سلمية، وأنه ليس هناك طرف حقق مكاسب غير عادلة بقوة السلاح.

وتحد آخر يأتي بوجه خاص من قبل القوى الجنوبية الأخرى التي ترى في التسوية الجارية تسليما لجنوب السودان بكامله للجيش الشعبي وتقزيما لدورها، خاصة إذا وضعنا في الاعتبار الحسابات المعقدة للدينامية السياسية في جنوب السودان, حيث التنافس القبلي معروف بحدته وكان سببا في انهيار اتفاقية أديس أبابا التي أنهت الحرب الأهلية الأولى في جنوب السودان عام 1972.

وقد حاولت اتفاقية الترتيبات الأمنية تهدئة مخاوف هذه الجماعات بالوعد بمخاطبة همومها واستيعابها في إطار الترتيبات الجديدة، ولذلك فإن نجاح التعامل مع هذه المعضلة الشائكة في السياسة الجنوبية سيحدد بدرجة كبيرة مستقبل عملية السلام وما إذا سيتوفر لها الشمول والاستدامة أم أنها ستتحول إلى استراحة محاربين لتولد تمردا آخر.


تشير التوقعات إلى أنه لن ينتهي العام الجاري إلا ويكون قد تم التوصل إلى اتفاقية سلام شاملة في السودان
ما الذي سيحدث في الجولة القادمة؟
الأجندة الرئيسة المتبقية في المفاوضات تتعلق بأسس اقتسام السلطة والثروة والوضع في المناطق الثلاث المتنازع عليها، وهي موضوعات جرى التباحث بشأنها خلال الجولات السابقة.

وعلى الرغم من أن أيا منها لم يحسم بصورة نهائية إلا أن ثمة تفاهمات كثيرة جرت بشأنها، لذلك يقول المتحدثون باسم الطرفين إن ما تبقى من جدول المفاوضات أقل تعقيدا مما حسم.

إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة أن القضايا محل التفاوض سهلة وسيُتفق عليها تلقائيا، إلا أنه يُتوقع أن يؤدي الزخم الذي وفره الاتفاق بشأن الترتيبات الأمنية الانتقالية الذي اعتبر الأكثر تعقيدا إلى تشكيل عامل دفع خاصة في ظل حرص الراعي الأميركي والوسطاء على قطع الميل الأخير من السباق على السلام بأسرع وقت ممكن.

غير أن قضية مثل وضعية العاصمة الخرطوم القانونية قد تكون واحدة من القضايا المعقدة، فالحركة الشعبية تطالب بعلمانيتها لتأكيد وحدة البلاد في حين ترى الحكومة أن حق كل شمال السودان في الاحتكام إلى الشريعة الإسلامية قد حسم منذ اتفاق ماشاكوس الإطاري.

وتتداول بين الموقفين أفكار منها ما يدعو إلى إقامة جيب علماني داخل الخرطوم ليعتبر عاصمة للحكومة الاتحادية، وتُطرح أفكار أخرى تدعو إلى تطبيق الشريعة على أساس فردي بحيث لا يحاكم بها غير المسلم في الجرائم الحدية.

توقعات مستقبلية
تشير التوقعات إلى أن الجولة القادمة للمحادثات خلال شهر أكتوبر/ تشرين أول 2003 ربما لا تكون كافية لحسم الأمور بصورة نهائية لجهة تشعب الأجندة المتبقية، وإن كانت أقل تعقيدا، مما يحتم إجراء جولة محادثات ثانية أو أكثر، إلا أن التوقعات كافة تشير إلى أنه لن ينتهي العام الجاري إلا ويكون قد تم التوصل إلى اتفاقية سلام شاملة في السودان.

ومع ذلك فإن السودان معروف بالمفاجآت وتعقيدات ساحته السياسية وتقلباتها، ولذا يبدو الجزم بأن الأمور ستسير فيه نحو وجهة محددة لتصل في وقت محدد لا يعدو أن يكون مغامرة غير محسوبة, ولكن في كل الأحوال فإن السودان الذي عرف على مدى الخمسين عاما الماضية لن يكون هو السودان ذاته في المستقبل القريب.
ــــــــــــــــــ
* كاتب سوداني

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة