مكابدات التيارات الإسلامية بين الشريعة والشرعية   
الأحد 9/12/1434 هـ - الموافق 13/10/2013 م (آخر تحديث) الساعة 15:35 (مكة المكرمة)، 12:35 (غرينتش)
ماجد كيالي

 

حاولت التيارات الإسلامية في سياق صعودها إلى سدّة السلطة، لأول مرة في تاريخها في العديد من البلدان العربية محمولة على رياح ثورات "الربيع العربي"، أن تضفي شرعية زائدة على محاولتها فرض أجندتها، بدعوى أن التيارات الأخرى، القومية والعلمانية واليسارية والليبرالية، أخذت فرصتها في الحكم، وأخفقت في جلب التقدم والازدهار والطمأنينة إلى المواطنين، وبالتالي فقد جاء دورها لإثبات طريقها، وهذا هو مغزى رفع شعارات من نوع "الإسلام هو الحل".

ويبدو في ذلك أن هذه القوى تحاول استغلال مظلوميتها في المرحلة الماضية، حيث تعرضت للاضطهاد والقمع والمنع، لتبرير سعيها للاستئثار بالسلطة.

وإذ لا يمكن إنكار هذه المظلومية، فإن الواقع يقول شيئاً آخر، أيضاً، إذ أن أيا من البلدان العربية لم يحكم، في المرحلة السابقة، من تيار بعينه، فإذا تجاوزنا التجربة الناصرية/القومية، وهي لم تكن فترة طويلة في تاريخ مصر الحديث، ولها مالها وعليها ما عليها، فإن البلدان العربية لم تحكم لا من قبل القوميين ولا اليساريين ولا الليبراليين ولا العلمانيين.

هكذا لا يمكن، مثلا، احتساب كل من النظام الليبي أو السوري أو العراقي أو اليمني، أو غيرهم، على تلك التيارات، رغم ادعاءاتهم التي كانت مجرد شعارات للتوظيف والتعمية.

أما لجهة المظالم فإن الدولة الاستبدادية لم تقدر أي تيار، ففي سوريا والعراق وليبيا، مثلا، اضطهد يساريون وعلمانيون وليبراليون، مع الاسلاميين، ومنعت كل الأحزاب من العمل، وهمشت المجتمعات، وحكمت من قبل أجهزة المخابرات.

مشكلة التيارات الإسلامية أنها لا تميز في قناعاتها بين الدين وشؤون العبادات والقيم الدينية السمحاء المتعلقة بالحرية والعدالة والمساواة والكرامة، وبين المعاملات والأحكام المتعلقة بإدارة أحوال البشر وتدبير شؤونهم

ومشكلة التيارات الإسلامية أنها لا تميز في قناعاتها تلك بين الدين وشؤون العبادات والقيم الدينية السمحاء المتعلقة بالحرية والعدالة والمساواة والكرامة، وبين المعاملات والأحكام المتعلقة بإدارة أحوال البشر وتدبير شؤونهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتقنية وغيرها، وهي أمور تتغير مع تطور الحياة البشرية، والعلوم والتكنولوجيا، وإذا كان القسم الأول يخضع لأحكام الإيمان والنص المقدس، فإن الثانية تخضع لإحكام العقل، والتفكير والتدبير البشريين.

ولا نأتي بجديد في تحديد هذه المسائل، فثمة داخل التيارات الاسلامية اجتهادات مختلفة تتعلق بهذا الأمر، وعن ذلك يقول الشيخ محمد عبده "ليس في الإسلام سلطة دينية سوى سلطة الموعظة الحسنة، والدعوة إلى الخير، والتنفير من الشر، وهي سلطة خولها الله لأدنى المسلمين يقرّع بها أنف أعلاهم، كما خولها لأعلاهم يتناول بها أدناهم" (الأعمال الكاملة للشيخ محمد عبده، المجلد الأول، دار الشروق، 1993/ ص.106).

وهذا ما تحدث عنه، أيضاً، الشيخ راشد الغنوشي زعيم حركة "النهضة" في تونس، والعديد من قادة حركة الإخوان في سوريا ومصر، من دون الجزم بما إذا كان ذلك مجرد سياسة أو موقف مبدئي، لكن مجرد صدوره يعني أن ثمة اختلافات بين التيارات الاسلامية، وأن ثمة محاولة لمقاربة واقع التنوع والتعددية في المجتمعات العربية، وأن ثمة في التيارات الاسلامية من يعتقد بقصور فكرة الدولة الدينية.

في مقابل ذلك فإن التيارات المدنية، وهي تيارات علمانية وليبرالية ويسارية وقومية، ومن أتباع كل الديانات والمذاهب، تبدي نوعاً من الحذر والتوجّس من الادعاءات والأطروحات التي تتبناها التيارات الإسلامية، وترى فيها نوعاً من محاولة لاحتكار الحكم والسلطة، وفرض وجهة نظر واحدة، وإقصائية، على عموم المجتمع.

التيارات المدنية، وهي تيارات علمانية وليبرالية ويسارية وقومية، ومن أتباع كل الديانات والمذاهب، تبدي نوعاً من الحذر والتوجّس من الادعاءات والأطروحات التي تتبناها التيارات الإسلامية

وتعتقد تلك التيارات أن صعود التيار الإسلامي إلى السلطة سيؤدي إلى مشكلات عدة، أهمها: أولاً، احتكار السلطة والدولة، وثانياً، تطييف المجتمع وكسر هويته الوطنية، وثالثاً، إحداث قطيعة مع العصر ومع العالم.

أما البديل الذي تقدمه تلك التيارات فيتمثل في صياغة دستور يراعي التنوع والتعددية في المجتمع، ويضمن للمواطنين الحرية والمساواة والعدالة والكرامة، من دون تمييز ولا لأي سبب.

في هذا السياق، أي في سياق المنازعات والمجادلات والصراعات بين التيارات الدينية والمدنية، برز مصطلح الدولة المدنية، التي لا هي عسكرية ولا دينية (كما جاء في البرنامج الانتخابي لحزب العدالة والتنمية)، و"وثيقة العهد والميثاق"، الصادرة عن جماعة "الإخوان" السورية (آذار/مارس/2012)، كبديل لمصطلح الدولة "العلمانية"، الذي يثير التيارات الإسلامية بسبب الخلط بينه وبين مفهوم الإلحاد، أو اللادينية.

اللافت أن البعض رأى في المصطلح نوعا من التلفيق أو المداهنة للتيارات الإسلامية، لكن الأمر يتعلق بأن بعض المصطلحات (مثل العلمانية) لم تتوطّن في البيئة الشعبية، لأسباب منها اتساع نسبة الأمية، وضعف الاهتمام بالثقافة، ومعاداة الثقافة الغربية عند قطاع من الناس.

فليس ثمة خطأ في استبدال مصطلح ما بمصطلحات يمكن أن تتفهمها، وتتقبلها، أوسع قطاعات المجتمع. هكذا لا يأتي الاستبدال كنوع من المساومة والتنازل، لأن الأساس هو المضامين المحملة بمفهوم الدولة المدنية، والتعامل مع المواطنين بغض النظر عن دياناتهم، وحياد الدولة إزاء المسألة الدينية، وضمان الحريات الدينية، وعدم اقحام الديني في الشأن الدنيوي، والمقدس بالبشري، والنص على ذلك في دستور، يضمن الحقوق والحريات والمساوة لجميع المواطنين.

لكن المشكلة لا تتوقف عند الإقرار بمدنية الدولة، فثمة مشكلتان إضافيتان، الأولى تتعلق بطبيعة النظام السياسي أو بمستوى الديمقراطية، والثانية تتعلق بمفهوم المواطنة والحرية والهوية.

ومعلوم أن مصطلح الديمقراطية كان أوفر حظاً في الانتشار في البيئة الشعبية من مصطلح العلمانية، حتى إنه غدا مطلباً للتيارات الإسلامية ذاتها، التي كابدت ويلات القمع والمنع من النظم الاستبدادية، التي تحكمت لعقود في البلاد والعباد.

لكن مشكلة التيارات الإسلامية مع الديمقراطية متفاوتة من ناحيتي القبول والصدقية، فثمة تيارات معتدلة تؤمن بها، وثمة تيارات ترى فيها مجرد جسر إلى السلطة، إن مباشرة أو مواربة.

وإذا تجاوزنا مسألة الديمقراطية المتعلقة بفصل السلطات، والمشاركة السياسية والتداول والاحتكام إلى صناديق الاقتراع، فإننا سنقف إزاء بعد آخر يتعلق بفهم التيارات الإسلامية (أو الدينية عموماً) لمسائل المواطنة والهوية والحرية.

ما عاد في الإمكان تنميط الناس وفق دياناتهم، فالديانة الواحدة باتت تتمظهر وفق تفسيرات متعدّدة، فثمة عند السنّة، كما الشيعة، مذاهب وطرق كثيرة، ما ينطبق على المسيحية، فضلاً عن أن ثمة في كل مذهب متطرفين ومعتدلين ومتسامحين

إذ أن هذه التيارات تميل إلى إضفاء طابع هوياتي على الاختلافات الدينية والمذهبية في المجتمع، والتعامل مع كل جماعة دينية بشكل جمعي، بوصفها طائفة من طوائف المجتمع، وإزاء الطوائف الأخرى.

وبديهي أن ذلك لا يؤدي إلى تحقيق الاندماج المجتمعي، ولا إلى صياغة هوية وطنية وسردية جمعية ومشتركة، كما أنه يصادر حرية الفرد/المواطن، ويلغي حيزه الخاص، والمستقل عن أي جماعة، ما يرسخ الانقسامات العمودية، بدل الانقسامات الأفقية من حول قضايا معيشية ومطلبية وسياسية واقتصادية.

فوق ذلك، ما عاد في الإمكان، في عصرنا، تنميط الناس وفق دياناتهم، فالديانة الواحدة باتت تتمظهر وفق تفسيرات واجتهادات متعدّدة، فثمة عند السنّة، كما الشيعة، مذاهب وطرق كثيرة، ما ينطبق على المسيحية، فضلاً عن أن ثمة في كل مذهب متطرفين ومعتدلين ومتسامحين.

كذلك، فإن أفراد أي جماعة دينية هم كذلك من ناحية وراثية، أما عملياً فثمة بينهم متدينون وغير متدينين، وثمة يساريون وعلمانيون وليبراليون وقوميون، فالصفة الدينية باتت تقصر عن صبغ فرد ما باعتبار ديانته أو مذهبه، ويمكن للمرء مثلا أن يكون متديناً وبذات الوقت علمانياً وقومياً وليبراليا ويسارياً.

ويمكن أن يكون العلماني أو اليساري أو الليبرالي أو القومي أقرب إلى مثيله الفكري والسياسي، من أتباع دين آخر، أكثر من قربه إلى مثيله الديني المختلف معه سياسياً، بدليل أن كثيرا من الأحزاب والحركات السياسية التي سادت خلال العقود الماضية كانت عابرة للأديان. 

يقول رضوان السيد "الحركة الإسلامية الصحوية في اتجاهها الرئيسي قامت أو تكونت للحفاظ على الهوية. والهوية مفترسة، وتأكل ولا تؤكَل. لأنّ مطالبها وتطلباتها لا تنفذ.. لا يستطيع فكر الهوية، وظواهره أو أدواته التأصيلية العقدية أو الإلهية أن يُنشئ نظاماً سياسياً أو اقتصادياً. لكنّ هذا الفكر وتنظيمه الحديدي يتوق إلى إقامة نظامٍ للأمر والنهي باسم الدين، دون أن يكون ذلك "دولة دينية"!(الحياة ـ 17/11/2012).

الآن، يبدو أن ثمة تفهّما من بعض التيارات الإسلامية لمسألة الحرية الفردية والمواطنة، ويمكن تلمّس ذلك في تصريح للشيخ راشد الغنوشي يقول فيه "لا أحد يفقه تاريخ التشريع في الإسلام يسمح لنفسه بأن يغير أنماط الحياة من مأكل وملبس ومشرب عن طريق القسر والإكراه والتهديد، فالله خلق الناس أحرارا، ولم يعط لأحد سلطة في أن يقود الناس، حتي للجنة، بالسلاسل".

وهذا سعد الكتاتني (من قادة حزب الحرية والعدالة ورئيس البرلمان المصري المنحل) يحدّد موقف حزبه من قضية الأقباط والمرأة والحجاب بالتالي "الأقباط شركاء لنا في الوطن، وحقوقهم مصونة بحكم الشريعة الإسلامية نفسها وبأمر إلهي، ثم إننا لن نفرض ارتداء الحجاب لا على المسلمات ولا على غيرهن، فللمسلمة علينا حق الدعوة والنصيحة.. وهي تعلم أن الحجاب واجب.. لكن الفرض بقوانين وتشريعات غير وارد ولا مقبول".

وعن الموقف من دور السينما والمسارح والملاهي والإنترنت، والشائعات عن إغلاقها، قال الكتاتني "إننا نطالب بالالتزام بالأخلاق، وهذا بالدعوة الطيبة وليس بالقانون". (المجلة العربية ـ لندن 3/10/2011) ومع أهمية تلك التصريحات إلا أن ذلك لا يقلل من مخاوف التيارات المدنية، ما يفسر كل هذا الاختلاف في مصر وتونس بشأن صوغ الدستور.

في هذا الإطار يمكن اعتبار الوثيقة الصادرة عن مؤسسة "الأزهر"، في القاهرة (يونيو2011)، بمثابة خطوة متقدمة في سياق التفاهم بين التيارات الدينية والمدنية، وقد تضمنت التأكيد على "تأسيس الدولة الوطنية الدستورية الديمقراطية الحديثة"، واعتماد النظام الديمقراطي القائم على الانتخاب الحر المباشر والالتزام بمنظومة الحريات الأساسية في الفكر والرأي.

عموماً، فإن قابلية التيارات الإسلامية (والعلمانية أيضاً)، لهضم مسائل الديمقراطية والدولة المدنية والمواطنة هي مسألة صراعية وثقافية ينبغي مواصلة الاشتغال على تطويرها، لتفنيد الأطروحات التي تروّج لفكرة مفادها أن ثمة شيئا جوهريا في الإسلام يميل إلى العنف، ونبذ الديمقراطية، والتي غذّتها النظم الاستبدادية، وبعض النظرات الاستشراقية العنصرية، التي دأبت على شيطنة التيارات الإسلامية، بنفس القدر الذي أسهمت فيه، ولو عن غير قصد، في صعودها بإعطاء الانطباع بأنها البديل.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة