تأجيل الملف الإيراني لما بعد الانتخابات الأميركية   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

بقلم/ صالح السيد باقر

-السيناريو يتكرر في إيران
-شد وجذب مزمن
-جوهر الأزمة
-الملف الإيراني والانتخابات الأميركية

تفاجأ زميلي من توقيع طهران على البروتوكول الملحق لمعاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية, إذ كان يعتقد أن الوقت مناسب لتتمرد الحكومة الإيرانية على الضغوط الدولية التي تقودها واشنطن ضدها, فبما أن الأخيرة متورطة في المستنقع العراقي ليس باستطاعتها أن تصعد الضغوطات إلى تهديدات ومن ثم الهجوم العسكري ضد إيران.

ويعود سبب استغرابه إلى أنه واكب عمليات تفتيش الوكالة الدولية للطاقة الذرية في العراق خطوة بخطوة وبحكم عمله مترجما للفرق كان يطلع على كافة تفاصيل عملهم وخطواتهم.

ويؤكد زميلي أن الفرق كانت تضم عسكريين أميركيين وإسرائيليين سربوا معلومات عن القدرات العسكرية العراقية ومواقعها لدولهم, ومن هنا ينبغي أن لا نستغرب عجز الدفاعات العراقية في التصدي لأية غارة جوية أميركية وإفشالها, فقد شلت هذه الدفاعات في الضربات الأولى التي سددتها الصواريخ الأميركية لها.


بعد توقيع طهران على البروتوكول الذي يتيح للمفتشين الدوليين التقصي المفاجئ عن حجم وتقنية القدرات العسكرية الإيرانية زالت أبرز عقبة أمام الهجوم العسكري الأميركي ضد إيران
السيناريو يتكرر في إيران

بعد إسقاط نظام صدام مباشرة شنت الإدارة الأميركية هجوما إعلاميا عنيفا ضد النظام الإيراني مما جعل بعض المراقبين يعتقدون أن الهجوم العسكري الأميركي ضد إيران بات وشيكا بل قاب قوسين أو أدنى, لكني كتبت حينها مقالا في الجزيرة نت استبعدت فيه عزم واشنطن شن أي هجوم على إيران ما لم تحصل على معلومات دقيقة عن قدراتها العسكرية وخاصة الدفاعية, فقد تعلمت إدارة البيت الأبيض من تجربة الصومال وفيتنام أن المجازفة قد تعرضها لأخطاء ليس باستطاعتها تداركها, فما لم تتأكد من النسبة الكبيرة للنجاح فإنها لن تقدم على أية مجازفة.

ولكن بعد توقيع طهران على البروتوكول الذي يتيح للمفتشين الدوليين التقصي المفاجئ عن حجم وتقنية القدرات العسكرية الإيرانية, وإطلاع واشنطن بشكل أو بآخر على حجم هذه القدرات ومواقعها، زالت أبرز عقبة أمام الهجوم الأميركي ضد إيران.
فهل هذا يعني أن على طهران أن تترقب الهجوم العسكري الأميركي فور انتهاء فرق التفتيش من عملها؟

شد وجذب مزمن
من يراقب عن كثب تقلبات العلاقة بين طهران وواشنطن لن يتجرأ على الإجابة بصورة قاطعة على السؤال, فعلى سبيل المثال ظهرت خلال الشهرين الماضيين بوادر الانفراج في علاقات البلدين حتى اعتقد الكثير من المراقبين إن استئناف العلاقات بات قاب قوسين أو أدنى, ولكن لم تمض فترة على هذه البوادر حتى تبدد كل شيء فتراشق البلدان الانتقادات مما جعل البعض يتوقع اندلاع حرب دامية بينهما.

ولمزيد من التوضيح واست الإدارة الأميركية الحكومة والشعب الإيراني إثر وقوع زلزال بم ولم يتوقف الأمر على مبادرة واشنطن بالتصريح بالكلمات الحميمة بل تعدى ذلك إلى الإلغاء المؤقت للحظر المالي الذي فرضته إدارة البيت الأبيض ضد النظام الإيراني, الأمر الذي يعد تطورا كبيرا في حالة الشد والجذب التي امتازت بها علاقات البلدين طيلة الـ25 عاما الماضية.

ولم تمض فترة طويلة على الوئام المؤقت حتى انتقد البيت الأبيض بشدة الإجراءات التي اتخذها مجلس الرقابة الدستورية في الانتخابات البرلمانية الأخيرة, وتواصلت الانتقادات بعد الانتخابات وتطورت من الاعتراض على تحديد الحريات السياسية إلى إثارة الملف النووي, وبقيت واشنطن تصر على انتقاداتها حتى أظهرت الأسبوع الماضي، وتزامنا مع اجتماع مجلس أمناء الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مؤشرات توحي بأنها لن تطالب في الاجتماع بإحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن.

كان لدى طهران ثقة عالية بعدم إحالة ملفها النووي إلى مجلس الأمن, وهذا تكهن طبيعي لا تتوصل إليه دولة تمتلك جهازا دبلوماسيا يعكف على تحليل الأوضاع السياسية ويقرأ الواقع والمستقبل بدقة متناهية وحسب, وإنما يتوصل إليه كل مراقب يتابع الظروف التي تحيط بالعالم والخطوات التي يقدم عليها اللاعبون الأساسيين في الساحة الدولية.

فلا تزال واشنطن ولندن ومجلس الأمن الدولي عالقين في ملف أسلحة الدمار الشامل العراقية الذي استخدمته الإدارة الأميركية ذريعة لتمرير مشروعها في المنطقة. لكن الإدارة الأميركية لم تخرج بسهولة من هذه المشكلة حسبما كانت تتصور.

فإذا كان الرئيس الأميركي جورج بوش ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير ومجلس الأمن لم يتخلصوا من لعنة أسلحة الدمار الشامل العراقية رغم مضي نحو عام على سقوط بغداد, فهل من المعقول أن يقوموا بإثارة زوبعة حول السلاح الإيراني من أجل تفعيله؟.


لو انتصر بوش في الانتخابات فليس من المستبعد أن يقوم المحافظون الجدد بتفعيل الملف الإيراني من جديد
جوهر الأزمة

قراءة طهران الآنفة للأزمة التي تمر بها المنظمة الدولية والرئيس الأميركي, ألقت في نفس المسؤولين الإيرانيين الشجاعة والجرأة, فلم تكتف طهران بدعوة الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى إغلاق ملفها النووي بشكل نهائي وحسب, بل وهددت بتخصيب اليورانيوم إذا لم تذعن المنظمة الدولية لطلبها.

وليس القراءة وحدها تدفع طهران إلى الإصرار على مطلبها, وإنما لا تجد مبررات ودواعي من تشكيك الوكالة وواشنطن بسلمية مشروعها النووي, فبالإضافة إلى أنها وقعت على البروتوكول الذي يتيح للوكالة تفتيش منشآتها بشكل مفاجئ، فإنها أثبتت حسن نيتها عندما جمدت بشكل مؤقت تخصيبها لليورانيوم, بل أثبتت حسن نيتها أكثر من ذلك عندما سمحت للمفتشين الدوليين بزيارة المواقع التي يشكون بها, قبل التوقيع على البروتوكول.

غير أن الوكالة تأخذ على طهران مأخذين أساسيين:
الأول: أن توقيع طهران على البروتوكول لم يصادق عليه البرلمان الإيراني, وإنما وقعه حسن روحاني سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي, ومع أن الوكالة منحت طهران شهرين ليصادق البرلمان عليه ويكتسب شرعية كاملة, إلا أن الفترة انتهت والبرلمان لم يبحث الموضوع, وتعتقد الوكالة إن عدم مصادقة البرلمان يتيح في المستقبل لطهران التملص من التوقيع بذريعة أن البرلمان بحث القضية ولم يصادق عليها.

الثاني: أن طهران لم تنجح في تبديد مخاوف وقلق المجتمع الدولي من مشروعها النووي, فلا تزال الشكوك تراود الوكالة وبعض القوى من استخدام الحكومة الإيرانية منشآتها النووية في صنع أسلحة الدمار الشامل.

وبناء على ذلك إذا أرادت طهران إثبات حسن نيتها فعليها التعهد بعدم تخصيب اليورانيوم بشكل دائم, أو بشكل مؤقت ولكن لفترة لا تقل عن 3 سنوات.

وهذا يعني تأجيل البت في الملف الإيراني إلى أجل غير مسمى, وقد رفض محمد البرادعي رئيس الوكالة بشكل واضح وصريح إغلاق الملف النووي الإيراني.


إذا كانت واشنطن صادقة في سعيها لإرساء أسس الديمقراطية وعازمة على دعوة الشيعة إلى مساندتها في تحقيق هذا الهدف، فليس من مصلحتها إسقاط النظام الإيراني
الملف الإيراني والانتخابات الأميركية

بطبيعة الحال إن بوش بحاجة إلى هدوء تام, ليتمكن من التأثير على المواطن الأميركي حينما يستعرض له الإنجازات التي حققها طيلة فترة حكمه, فقد يؤدي اندلاع أحداث أو ظهور قضايا لم تكن في الحسبان, إلى تعكير مزاج الأميركيين وزهوهم بأنفسهم وهم يشاهدون فيلم هيمنتهم على العالم.

من هنا قد يكون بوش بحاجة إلى تهدئة بؤر الصراع التي لها علاقة بأميركا كالعراق وأفغانستان وفلسطين, ولن ينجح في تحقيق هذا الهدف من دون ترطيب الأجواء بينه وبين الأطراف المعنية بهذه البؤر, ولا يخفى على المراقبين مدى تأثير طهران على بعض التيارات السياسية في العراق وفلسطين وأفغانستان.

ولو انتصر بوش في الانتخابات فليس من المستبعد أن يقوم المحافظون الجدد بتفعيل الملف الإيراني من جديد, ومن المحتمل أن لا يقتصر هذه المرة على الضغوط السياسية أو الهجوم الإعلامي, خاصة وأن استراتيجية الحزب الجمهوري الذي ينتمي إليه بوش وأركان البيت الأبيض ترتكز على أساس فرض الهيمنة في الخارج من أجل سحق المنافسين في الداخل والانتصار عليهم في الانتخابات, لذلك فإن بوش سيجير انتصاره في العراق وأفغانستان في هذه الانتخابات, وإذا انتصر فسيبحث عن فريسة أخرى ليتباهى بالنيل منها أمام الأميركيين في الانتخابات الرئاسية عام 2008, وقد سبق له أن صنف إيران ضمن محور الشر.

ولكن هناك عقبتان أساسيتان تحولان دون تطور الضغوط السياسية ضد إيران إلى هجوم عسكري هما:

1-مستقبل العراق
فلو صحت نظرية المخطط الأميركي التي توقعتها في مقال سابق في الجزيرة نت, والتي تستلزم توطيد البيت الأبيض علاقته بالطائفة الشيعية, فلا خيار أمام واشنطن إلا فتح صفحة جديدة في العلاقات مع طهران.

ويمكن اختصار ما تناولناه في السابق بأن أميركا تفضل في الوقت الحالي النظرية الشيعية في إدارة الحكم على النظرية السنية, وتجربة العراق واحتمال منح الشيعة حصة الأسد تعزز هذه التكهنات وتبين أن الأميركيين جادون في مشروعهم, ويبدو أن بعض دول المنطقة كالسعودية والبحرين والكويت لمست الجدية في المشروع الأميركي فبدأت بتضييق الفجوة بينها وبين مواطنيها الشيعة.

غير أن واشنطن بحاجة إلى كسب ثقة الشيعة لتنفيذ مشروعها, وهذه الثقة شبه معدومة نتيجة عداء أميركا لإيران, وكذلك وقوف واشنطن إلى جانب نظام صدام لأكثر من عقدين رغم علمها بحجم الجرائم التي كان يمارسها ضد الشيعة, وأيضا موقف إدارة البيت الأبيض السلبي من حزب الله اللبناني الذي يعتبره الشيعة مفخرة لهم, وبكلمة, إذا كان الشيعة لا يثقون بأميركا نتيجة عدائها لإيران فماذا سيكون موقفهم لو قامت بإسقاط هذا النظام؟

إذا كانت واشنطن صادقة في سعيها لإرساء أسس الديمقراطية, وعازمة على دعوة الشيعة إلى مساندتها في تحقيق هذا الهدف، فليس من مصلحتها إسقاط النظام الإيراني.

وليس من المستبعد أن يقوم البيت الأبيض بالترويج للنموذج الإيراني في الحكم على كافة الدول الإسلامية, خاصة وأن طريقة الحكم في إيران تنسجم إلى حد كبير مع الأسس الديمقراطية التي تسعى واشنطن إلى إرسائها في منطقتنا, ولكن ذلك يتوقف على استجابة طهران وموافقتها على إدخال بعض التغييرات على منهجيتها السياسية والثقافية, والتي ترى واشنطن أنها ضرورية للحؤول دون تعرض مصالحها للخطر.

2

مع أن التيار المحافظ فاز في الانتخابات فإن هذا لا يعني أن حجم التأييد الشعبي للنظام سينخفض في المستقبل ويجعل إيران على فوهة بركان الثورة الشعبية
-إبعاد التيار الإصلاحي عن السلطة
أسلفنا أن تجربة العراق أثبتت أن الإدارة الأميركية قادرة على اختلاق الذرائع من أجل الانقضاض على الأنظمة المتمردة عليها, وتثبت تجربة العراق شيئا آخرا, وهو عجز واشنطن في تمرير كل ذريعة على المجتمع الدولي, وقد لا تكون دول العالم قادرة على منع أميركا من تحقيق أهدافها, ولكنها في أسوأ الحالات لن تصطف إلى جانبها في مشاريعها التوسعية.

من الذرائع المحتملة التي ستستخدمها الإدارة الأميركية لو سعت إلى إسقاط النظام الإيراني, هي عدم احترامه لحقوق الإنسان وفي مقدمتها حرية الانتخاب, ولكن المشروع الأميركي سيبوء بالفشل إذا اصطفت شرائح متعددة من الشعب الإيراني إلى جانب حكومتهم.

بعض المحللين الإصلاحيين ألمحوا إلى رغبة الإدارة الأميركية والقوى الغربية بفوز التيار المحافظ في الانتخابات البرلمانية, ويبررون وجهة نظرهم بأن واشنطن تسعى إلى إسقاط النظام الإيراني, ولكن السبيل الوحيد لتحقيق ذلك هو انهياره من الداخل واندلاع ثورة شعبية ضده, ولن تحدث هكذا ثورة ما دام الإصلاحيين في السلطة لأنهم يتمتعون بشعبية واسعة, لذلك مع فوز المحافظين في الانتخابات تصل النقمة الشعبية إلى ذروتها وتتفجر ثورة عارمة.

ويستدلون على رأيهم بتوقيع اليابان على عقد تنمية حقل آزادكان النفطي مع الحكومة الإيرانية قبل يومين من إجراء الانتخابات, بينما كانت طوكيو ترفض التوقيع على العقد بذريعة أن واشنطن لا تسمح لها بذلك. كما يستدلون على رأيهم بالزيارة المفاجئة للأمير البريطاني تشارلز لطهران قبل أسبوع من إجراء الانتخابات.

ومع أن التيار المحافظ فاز في الانتخابات بالطريقة التي انتقدتها وسائل الإعلام العالمية, لكن هذا لا يعني أن حجم التأييد الشعبي للنظام سينخفض في المستقبل ويجعل إيران على فوهة بركان الثورة الشعبية, إذ ليس من المستبعد أن يقوم المحافظون باتباع ذات الأسلوب الذي اتبعه الإصلاحيين لتعزيز شعبيتهم, وبما أنهم يمسكون بمفاتيح الاقتصاد الإيراني فسيكونوا قادرين معالجة المشكلة الرئيسية للإيرانيين.
ــــــــــــــــــ
كاتب متخصص في الشؤون الإيرانية

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة