العراق وفلسطين.. مثالان على بناء الدولة الحديثة   
الثلاثاء 1425/11/24 هـ - الموافق 4/1/2005 م (آخر تحديث) الساعة 12:53 (مكة المكرمة)، 9:53 (غرينتش)
 
تقدم الحالتان العراقية والفلسطينية مثالين هامين على طبيعة الدولة الحديثة وسماتها الأساسية، ليس في المنطقة العربية فحسب بل وبشكل عام. وتنبع أهمية فلسطين والعراق من أنهما يشهدان بالفعل عملية بناء الدولة من قواعدها الأولى، وأن هذه العملية تجري تحت أعين دول العالم الكبرى، الدول التي تعتبر مثال الدولة الحديثة في عالم اليوم، بل وبدعم وتشجيع من هذه الدول.
 
"
فهم الإسرائيليون أن اتفاق أوسلو يعطيهم الأمن، وفهم الفلسطينيون أن الاتفاق مقدمة لانسحاب إسرائيلي كامل من الضفة والقطاع يفتح الباب لإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة
"
في فلسطين والعراق إذن يمكن القول بأن لا مكان للجدل والخلاف النظري حول الدولة وكنهها، فنحن نراها، أجهزة وأهدافاً وفكراً وقيادة، تولد وتأخذ ملامحها وتنمو تحت ناظرينا.
 
وقعت قيادة منظمة التحرير الفلسطينية اتفاق السلام مع الإسرائيليين المعروف باتفاق أوسلو في خريف العام 1993.
 
وقد وفر الاتفاق للطرف الفلسطيني فرصة إعادة الكوادر والعناصر التي يرغب في عودتها إلى المناطق الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية وقطاع غزة حتى قبل الانسحاب الإسرائيلي الكامل من هذه المناطق، بشرط موافقة السلطات الإسرائيلية على قوائم العائدين.
 
في النهاية، لم يعترض الإسرائيليون على الكثير، وعادت بالفعل آلاف العناصر الفلسطينية، لاسيما من حركة فتح ووحدات جيش التحرير، كما عاد عدد كبير من القيادات الفلسطينية الوطنية بمن فيهم السيد ياسر عرفات.
 
فهم الإسرائيليون اتفاق أوسلو باعتباره إطاراً لشراكة سياسية وأمنية مع القيادة الفلسطينية، يعطي الدولة العبرية الأمن الذي فشلت أجهزتها في تحقيقه، ويفتح الجسور لتطبيع كامل ونهائي مع المحيط العربي كله.
 
يحصل الفلسطينيون في المقابل على الحق في إدارة شؤونهم الذاتية ضمن حدود ترسمها مصلحة الدولة العبرية ورؤيتها، وقد يتطور السلام -إن سارت الأمور كما هو مخطط لها- لإعطاء الفلسطينيين الحق في إعلان دولة لهم ضمن تلك الحدود.
 
الفلسطينيون من ناحية أخرى فهموا أن أوسلو هو المقدمة لانسحاب إسرائيلي كامل -أو شبه كامل- من الضفة والقطاع، يفتح الباب لإقامة دولة فلسطينية ذات سيادة، بل وعودة الجزء الأكبر من اللاجئين الفلسطينيين إلى مناطقهم الأصلية في الدولة العبرية، أو في مناطق السيادة الفلسطينية.
 
تصور الفلسطينيون باختصار أن السلام سيصل في النهاية إلى تفريغ الدولة العبرية من محتواها بفعل عوامل الديمغرافيا والسياسة والاقتصاد والثقافة.
 
أدى هذان الفهمان المتناقضان خلال سنوات قليلة من توقيع اتفاق أوسلو إلى صدام فلسطيني إسرائيلي واسع النطاق، وإلى وضع نهاية للعملية السياسية السلمية كما تم تصورها في الاتفاق.
 
"
الأجهزة الأمنية المتعددة أصبحت عماد السلطة الفلسطينية وأصبح ضباط الأمن أقوى وأهم وأكثر تأثيراً من الوزراء وأعضاء البرلمان والقضاة
"
ولكن شيئاً واحداً لم يختلف حوله الفلسطينيون والإسرائيليون والقوى العربية والدولية الكبرى المهتمة بعملية السلام والضامنة لها، لا عند توقيع اتفاق أوسلو ولا بعد توقيعه، ولا حتى في سعيهم للخروج من حالة الصدام الدموي الذي أشعلته الانتفاضة الفلسطينية والعودة إلى عملية السلام، ألا وهو ضرورة قيام السلطة الفلسطينية بالسيطرة الأمنية على شعبها وعلى الأراضي الواقعة تحت حكمها.
 
الإسرائيليون الذين رأوا في أوسلو مفتاح الهيمنة بالوسائل السلمية، والقيادة الفلسطينية التي رأت في أوسلو طريقاً للاستقلال، والدول العربية التي أرادت التخلص من عبء القضية الفلسطينية، والقوى الدولية التي سعت لوضع نهاية للمسألة التي طالما أججت المشاعر العربية والإسلامية، جميعهم اتفقوا على أن الخطوة الأساسية -الخطوة الضرورية- هي بناء الجهاز الأمني الفلسطيني القادر على السيطرة والتحكم.
 
قبل أن تؤسس السلطة برنامج خدمتها الاجتماعية، وقبل أن تتحدث عن خطط التنمية والتعليم، وحتى قبل أن تخطو خطواتها الأولى على أرض الضفة والقطاع، كانت تنظم أجهزتها الأمنية وتجعلها في طليعة العائدين إلى الوطن.
 
وخلال فترة قصيرة من وجودها أصبحت الأجهزة الأمنية المتعددة هي عماد السلطة وأكبر دوائر التوظيف لديها، بل وأصبح ضباط الأمن أقوى وأهم وأكثر تأثيراً من الوزراء وأعضاء البرلمان والقضاة.
 
وبرغم أن السلطة الفلسطينية تعرضت خلال السنوات الأولى من عمرها لكثير من النقد من القوى الغربية الداعمة لها، فإن جانباً لم يطله هذا النقد وهو التضخم الأمني في بنية السلطة.
 
والآن والخطاب العربي والغربي يتصاعد حول إعادة تأهيل السلطة الفلسطينية وإعدادها لمرحلة جديدة من عملية السلام، فإن ما يقصده المعنيون بالتأهيل هو إعادة بناء الأجهزة الأمنية، تدريباً وتسليحاً وتثقيفاً.
 
"
لا تختلف الحالة العراقية كثيراً عن الحالة الفلسطينية إذ إن الجهد الأكبر للدولة العراقية الجديدة ومشروع الاحتلال هو برنامج أمني
"
ولا تختلف الحالة العراقية كثيراً، فقد خرج العراق من الحرب القصيرة التي خاضها ضد الغزو الأنغلوأميركي وقد انهار جهاز دولته بشكل كامل تقريباً.
 
اختفت القيادة العراقية أو توارت، وانحلت القوات العراقية المسلحة وأجهزة الأمن المختلفة تلقائياً.
 
ثم جاء الحاكم الأميركي للعراق بول بريمر ليجهز على الدولة العراقية وجيشها وأجهزة أمنها وعلى حزب البعث الحاكم، في سلسلة من القرارات.
 
خلال الأشهر الأولى من الاحتلال قامت إدارة الاحتلال والقوات المحتلة والخبراء الملحقون بهما بمهام الدولة العراقية، ولكن تجربة الاحتلال المباشر فشلت فشلاً ذريعاً، وهو ما أدى إلى أن يبدأ المحتلون إعادة بناء الدولة ووزاراتها ومؤسساتها، والتخطيط لتسليم جزئي للسلطة للعراقيين المتحالفين مع واشنطن.
 
المثير في كل هذا لم تكن هوية الحكام العراقيين الجدد، فكل القوى المحتلة عبر التاريخ سعت لإعطاء مقاليد الحكم لحلفائها، وإنما المثير هو أولويات بناء الدولة العراقية الجديدة والسياسات التي تتبعها الحكومة العراقية الانتقالية بتأييد من الأميركيين، وأحياناً بأوامر منهم.
  
ليس هناك من شك في أن إدارة الاحتلال والحكومة العراقية المؤقتة أبدتا اهتماما بتحسين الخدمات الضرورية مثل الماء والكهرباء، ولكن الجهد الأكبر بل البرنامج المرجعي للدولة العراقية الجديدة ومشروع الاحتلال هو برنامج أمني.
 
لقد انصب جهد إدارة الاحتلال منذ بدأت إعادة بناء الدولة العراقية على تشكيل قوات الحرس الوطني التي افترض لها أن تقوم بمهمات أمنية داخلية بحتة، وقبل أن يتم التسليم الجزئي للحكم لحكومة علاوي المؤقتة، كان الحاكم الأميركي للعراق بول بريمر قد أسس هيئة للأمن القومي وسمى مسؤولا لها، كما أسس جهازاً للاستخبارات لم يتوان عن تجنيد ضباط أمن سابقين فيه في الوقت الذي كان أكثر رجال النظام السابق يفقدون مناصبهم.
 
ولم يخطئ أحد من مراقبي الوضع العراقي حقيقة أن المهمة الموكلة لحكومة علاوي هي مهمة أمنية في المقام الأول.
 
وعندما تعلق الأمر بالأمن تصرف الأميركيون وحلفاؤهم العراقيون بطريقة أبشع بكثير من كل ما اتهم النظام السابق بالقيام به كالاعتقالات العشوائية والتعذيب والإهانة المتعمدة للأهالي والقتل بلا محاكمة والاغتيالات، والعقاب الجماعي وقصف المدن على نطاقات واسعة.
 
في سبيل الأمن وتحقيق سيادة الدولة الجديدة، ليس هناك من محرمات تقف عندها إدارة الاحتلال أو الحكومة العراقية الحليفة، حتى وأرقام الضحايا من العراقيين تقفز إلى عشرات الآلاف، وكأن الشرط الأولي لولادة الدولة الجديدة هو إنجاز مهمة السيطرة، وإنجازها بالقوة والعنف قبل التفاوض والمساومة مع قوى الشعب.
 
قد يبدو للوهلة الأولى أن الحالتين الفلسطينية والعراقية هما بطبيعتهما استثنائيتان وذواتا شروط خاصة جداً، ولكن الحقيقة هي غير ذلك، إذ إن جوهر الدولة الحديثة أو ما تعرف في الأدبيات الغربية بالدولة القومية (The Nation-State) هو تماهي الأمة والدولة، بسيطرة الدولة على أرضها ومقدرات شعبها وحدودها، واحتكارها لوسائل العنف.
 
"
عندما تعلق الأمر بالأمن تصرف الأميركيون وحلفاؤهم العراقيون بطريقة أبشع بكثير من كل ما اتهم النظام السابق بالقيام به "
منذ بداية تجليها في المجال الأوروبي في النصف الثاني من القرن السابع عشر، أخذت الدولة في تقويض استقلال الجماعات الأهلية التقليدية -دينية كانت أو اقتصادية أو ثقافية عرقية- وفي كسر الحواجز الفاصلة بين أنحاء البلاد التي تعود للدولة، وفي مواجهة القوى التي تجرأت على استخدام السلاح ضد إرادة الدولة المركزية.
 
خلال القرون القليلة التالية ومنذ مطلع النصف الثاني من القرن التاسع عشر، انقلب ميزان القوى بشكل فادح لصالح الدولة بفعل التطورات الهائلة في صناعة السلاح، وتطور وسائل النقل والاتصال.
 
وقد ساعد الانتشار الإمبريالي في العالم، وسعي الدول غير الأوروبية (كالدولة العثمانية) لامتلاك أدوات القوة المكافئة لقوة الدول الإمبريالية باستعارة نماذج التنظيم والإدارة الأوروبية.. ساعد في تعميم أنموذج الدولة الحديثة -دولة السيطرة الشاملة- في أنحاء العالم المختلفة.
 
وليس هناك من شك في أن النظام العالمي الحديث -نظام ما بعد الحرب العالمية الثانية- يقوم على الدولة القومية، بيد أن الدول القومية في عالم اليوم تختلف في تاريخ تجذرها كما في درجة سيطرتها وأنماط هذه السيطرة.
 
ثمة دول كبريطانيا والولايات المتحدة وفرنسا حسم فيها الصراع الداخلي منذ زمن بعد سلسلة من الصراعات الداخلية والحروب الأهلية، وأصبحت الدولة فيها بالتالي تعبر عن وجهة النظر الغالبة.
 
في هذه البلدان ليس هناك من حاجة مستمرة لاستخدام القوة السافرة وأدوات البطش الفجة من أجل تحقيق سيطرة الدولة، فقد أنجزت الدولة بالفعل مهمات السيطرة.
 
وهذا ما يجعل العلاقة بين الدولة والمجتمع وبين قوى المجتمع علاقات تدافع سلمي في عمومها، يشكل القانون الذي هو قانون الدولة إطارها المرجعي.
 
ولكن هذا الاستقرار ومستوى التحكم لا ينفي لجوء الدولة الغربية إلى القوة والعنف إن واجهت تحدياً داخلياً مفاجئاً (كما فعلت الدولة الفرنسية لقمع الحركة الطلابية العمالية المعارضة في نهاية الستينات)، أو لقمع القوى الخارجية التي تشق عصا الطاعة على النظام الدولي الذي تسيطر عليه القوى الأطلسية.
 
وهناك دول أخرى لم يحسم داخلها الصراع إلا مؤخراً، مثل دول أوروبا الشرقية وأغلب دول أميركا اللاتينية وشرق آسيا، وهذه الدول تتلمس الآن طريقها إلى الاستقرار النابع من تعبير الدولة عن القوى المنتصرة ومن سيطرة الدولة.
 
والواضح أن انضواء هذه البلدان تحت مظلة النظام الدولي الذي تهيمن عليه دول المجموعة الأولى يتيح لها قدراً ضرورياً من العون السياسي والاقتصادي الاستثماري، ومن الشرعية الإقليمية والدولية التي تلعب دوراً هاماً في تحقيق الاستقرار.
 
"
في سبيل الأمن وتحقيق سيادة الدولة الجديدة، ليس هناك من محرمات تقف عندها إدارة الاحتلال أو الحكومة العراقية الحليفة
"
المجموعة الثالثة من الدول والتي تضم عدداً كبيراً من البلدان العربية والإسلامية، هي تلك التي لم يحسم داخلها التدافع بين التوجهات الفكرية والاجتماعية السياسية المختلفة إلى حد كبير، ولم تنجح حتى الآن في بناء الإجماع الداخلي لا بالوسائل السلمية ولا بالقوة.
 
هنا لم تزل الدولة غير قادرة على تأسيس نظام سيطرة مستقر، وبالتالي يصبح اللجوء إلى وسائل القمع والعنف أمراً شائعاً، ولا يعني هذا أن مؤسسة الدولة في هذه البلدان تختلف عن مؤسسة الدولة في بلدان المجموعة الأولى.
 
الحقيقة أن نظام الدولة الغربية كان دائماً، ومنذ منتصف القرن التاسع عشر على الأقل، الأنموذج الذي استلهم لبناء الدولة الحديثة في كل بلدان المجموعة الثالثة: الدولة المركزية، والمسيطرة، والدولة التي تتماهى فيها الأمة، والمؤهلة وحدها لمنح حق المواطنة، الدولة التي تحتكر وسائل العنف، والتي هي مصدر التشريع والشرعية.
 
ما يختلف هو عمق جذور النظام، ودرجة استقرار نظام السيطرة المرتبط هو الآخر بمستوى الصراع والإجماع الداخليين.
 
إن هذا ما يجعل الجدل حول الديمقراطية وإصلاح النظام السياسي في المنطقة العربية جدلا هامشيا إلى حد كبير، فالسؤال الأولي الذي لابد أن يطرح هو سؤال عن طبيعة مؤسسة الدولة والفلسفة التي تقوم عليها، وإلا فعلينا إعادة التمعن في الكيفية التي تولد بها الدولة في فلسطين والعراق والسمات التي تكتسبها.
__________
كاتب فلسطيني
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة