مقاربة سياسية لدلالات الحوادث المصرية   
الجمعة 1434/9/5 هـ - الموافق 12/7/2013 م (آخر تحديث) الساعة 15:50 (مكة المكرمة)، 12:50 (غرينتش)
ماجد كيالي

ما الذي يحدث في مصر حقاً؟ هل هذه ثورة ثانية؟ أم مجرد انقلاب عسكري؟ هل هذه نكسة للثورة أم جزء من الحالة الثورية؟ وبمعنى آخر، ما هي دلالات الأحداث المصرية الجارية؟

من جهتي أعتقد بأن الإجابة على هذه التساؤلات بنعم أو لا لا تشرح شيئاً، فمثل هذه الإجابات الحدّية، التي تنطوي على ثنائيات قاطعة ومطلقة، لا تفيد على الصعيد المعرفي، ولا تجدي على صعيد حل المعضلات السياسية، لأنها في الغالب تأتي متحيّزةً ومتعصّبة وانتقائية. القصد أن الأوضاع المركّبة والمعقّدة تحتاج أيضاً إلى إجابات من نفس النوع، أي إلى إجابات تنشأ من تفحّص الواقع الصعب، بتعقيداته ومشكلاته وتناقضاته.

هكذا، مثلاً، لا يمكن تجاهل أن ثمة انقساما في الشارع المصري بشأن مستقبل مصر، ولا طمس التناقض الناجم عن الاستقطاب بين تيار الإسلام السياسي، على تنويعاته، والتيارات العلمانية والقومية واليسارية والليبرالية، ولا القفز عن التخبّطات التي حكمت مسار الثورة المصرية منذ نشوئها، وضمن ذلك تأجيل صوغ الدستور، إلى ما بعد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، ولا التقليل من شأن التركة الثقيلة التي خلفها النظام السابق، في مختلف المجالات، في أجهزة الدولة، وفي السياسات الاقتصادية والاجتماعية المتبعة.

ما يحدث في مصر، لجهة التصارع على السلطة، والانقسام الحاصل بانفكاك عقد القوى التي خاضت الثورة لإسقاط نظام مبارك إلى معسكرين، هو أمر طبيعي، لا سيما أننا نتحدث هنا عن ثورة عفوية، لا أحزاب وقفت وراءها

بناء على كل ذلك فإن أي مقاربة لأحوال مصر، وثورتها، ينبغي أن تتأسس على الملاحظات التأسيسية التالية:

أولاً، إن ما يحدث في مصر، لجهة التصارع على السلطة، والانقسام الحاصل بانفكاك عقد القوى التي خاضت الثورة لإسقاط نظام مبارك إلى معسكرين، هو أمر طبيعي، لاسيما أننا نتحدث هنا عن ثورة عفوية، لا أحزاب وقفت وراءها، ولا برامج حدّدت ماهيتها أو غايتها.

المعنى هنا أن الشعب، الذي بدا متوحّداً في سعيه لإسقاط النظام السابق، بات مختلفاً على ذاته في كل ما عدا ذلك، أي على مفاهيم الدولة والسلطة والمواطنة والحرية والمساواة والديمقراطية، وهي ملاحظة تشمل معظم ثورات الربيع العربي.

وبديهي أن سعي المصريين لحلّ هذه المعضلة لم يأت بطريقة سويّة، بسبب ضعف خبراته السياسية، بحكم تهميشه لعقود، وبواقع ضعف القوى الحزبية، وهشاشة الثقافة السياسة السائدة. وبالنتيجة فقد وجدنا أنفسنا إزاء محاولة تجديدية في الثورة، وإزاء انقلاب عسكري، أو إزاء ثورة ناقصة مشوبة بشبهة الانقلاب، الذي يفتح على مخاطر إعادة العسكر إلى السياسة والسلطة، وإلى عودة نهج الإقصاء والتهميش لهذا التيار أو ذاك.

الملاحظة الثانية، وهي تشمل مجمل الثورات أيضاً، وتتعلق بطابع الصراعات في المجتمعات العربية، فمما حدث في مصر، ويحدث في سوريا والعراق ولبنان وتونس (بدرجة أقل)، يؤكّد أن هذه المجتمعات العربية تبدو وكأنها تكتشف أو تتعرّف على ذاتها للتوّ، بمعنى أنها تتعرف على أحوالها ومشكلاتها، مشتركاتها واختلافاتها، تنوّعها وتعدديتها، كأن هذه المجتمعات تبدأ من نقطة الصفر في تعريف هويتها وإجماعاتها السياسية والثقافية. والمعضلة أن هذا التعرّف يأتي بشكل صادم، لاسيما أنه يحصل في فترة الثورات، التي تنطوي أيضا على اضطرابات أمنية واقتصادية واجتماعية، مما يؤدي إلى تداعيات مؤلمة.

الملاحظة الثالثة، وعطفاً على غياب المشاركة السياسية، وضعف الثقافة السياسية، فإن الصراعات في المجتمعات العربية تكاد تأخذ طبيعة صفرية، وكأنها صراع على الوجود، كونها تأخذ طابع الصراع الهوياتي، التأسيسي، فهذه هي المرة الأولى التي تجد فيها المجتمعات العربية أمام لحظة الحقيقة، أي أمام لحظة تأسيس مجتمعية ودولتية، بعد أن كانت الدول الغربية أخذت ذلك على عاتقها في أوائل القرن الماضي، وبعد عقود من التهميش والحرمان من المشاركة السياسية.

الملاحظة الرابعة، أن هذا الصراع الهوياتي/السياسي، على المكانة والسلطة في المجتمعات العربية، بات يأخذ شكل الصراع الديني، أيضاً، سني شيعي، وإسلامي علماني، أو ديني ومدني، أي كأننا نمر بلحظة تأسيسية لثورة ثقافية، أو لثورة شبيهة بثورات الإصلاح الديني في الغرب، مع كل الآلام والمصاعب التي مرت بها تلك المجتمعات، وهو ما بتنا نكابد منه الآن، لا سيما في تجربة الثورة السورية.

الملاحظة الخامسة، وهي تتعلق بمعنى الديمقراطية في بلداننا العربية. فبغض النظر عن كل الضجيج بشأن ما يجري في مصر، فهذا كله ينضوي في إطار تعزيز، أو إنضاج، فكرة الديمقراطية بحمولاتها الليبرالية، المتعلقة بتكريس مفهوم المواطن، الفرد, والحريات الشخصية والعامة، والمساواة بين المواطنين، واعتبار الدولة مجالاً عاماً، وليس مجالاً حزبياً، يحتكره الحزب الحاكم، أو حزب الأكثرية، أياً كانت خلفيته، علماً أن هذا الأمر لا يتعلق فقط بالإخوان المسلمين، وإنما يشمل مجمل التيارات السياسية الليبرالية واليسارية والقومية والعلمانية، في مصر وفي العالم العربي.

فإذا كان من حق حزب ما أن يحتكر السلطة، وأن يتحكم بالتوجهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في مرحلة معينة، فهذا لا يمنحه الحق بالتحكم بجهاز الدولة، أو بصوغه حسب مزاجه السياسي.

هذا هو معنى أن الديمقراطية لا تقتصر على مجرد عمليات انتخابية، وأن تحقيق أكثرية في انتخابات ما لا يعني التحكم بالدولة والمجتمع، وصوغهما على مقاس الحزب الحاكم. وهذا هو معنى الكلام عن الدستور، واعتبار الحرية والمساواة والكرامة والعدالة وتكافؤ الفرص بين المواطنين قيماً فوق دستورية.

إذا كان من حق حزب ما أن يحتكر السلطة، وأن يتحكم بالتوجهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في مرحلة معينة، فهذا لا يمنحه الحق بالتحكم بجهاز الدولة، أو بصوغه حسب مزاجه السياسي

ومعلوم أن هذه المشكلة تبدو مستفحلة عندنا بسبب عدم هضم الديمقراطية لمسألة الحرية الفردية، أو بسبب الفصل بين الديمقراطية والليبرالية، في حين أنها تبدو أقل حدّية في الدول الديمقراطية في الغرب، بسبب أن ديمقراطيتها مطعّمة بقيم الليبرالية، المتعلقة بضمان الحريات الفردية والعامة، وحياد الدولة إزاء الأكثريات والأقليات السياسية، ولكونها أنجزت تحولاتها نحو الليبرالية قبل التحولات الديمقراطية، علماً أنه لا يوجد نظام سياسي كامل أو نزيه، لكن هذا هو النظام الأمثل الذي دلّت عليه خبرة البشرية، في مجال النظم السياسية، حتى الآن.

الآن، وبخصوص ما يجري في مصر تحديداً، فمما لا شكّ فيه أن ثمة مشكلة في فهم الإخوان المسلمين للديمقراطية، ولمعنى الدستور، والمواطنة، والحريات، لكن التجربة لم تثبت أن التيارات القومية واليسارية والعلمانية كانت أفضل حالاً في تمثلها لمقاصد الديمقراطية والدستور والحريات، في الأنظمة التي تسيّدت فيها، في العالم العربي أو في البلدان الأخرى.

ولا شكّ أن الإخوان المسلمين، في مصر وغيرها، أخطؤوا في مجالات عديدة، لكننا في غضون ذلك ينبغي أن نكون واضحين، ومنصفين، بحيث لا ننسى أن النظم "القومية" و"اليسارية" هي، أيضاً، أسهمت في تكريس الاستبداد والتسلط، وتهميش الدولة والمجتمع، وتقييد الحريات، وتأخير قيام دولة المؤسسات والقانون والمواطنة في عديد من بلدان العالم العربي، وهذه هي الملاحظة الأولى.

الملاحظة الثانية، وعلى ضوء ما يجري في مصر، والاستقطاب الحاد، بين مؤيد لحكم الإخوان والمعارض له، ثمة مخاطر من تفشّي نوع من الخطابات التي تتأسس على التشكيك والتهميش والإقصاء وكراهية الآخر والإلغاء.

فهذه اللغة العدائية والعدمية مضرّة، وغير مفيدة، في الصراعات السياسية، وهذا ينطبق على التيارات الدينية والمدنية. ومعلوم أن هذه اللغة هي أصلاً من نتاج العقليات والنظم الاستبدادية، لذا من المفترض نبذها والثورة عليها، لأنها تتنافى مع الحرية والمساواة والديمقراطية، وتؤدّي إلى ترسيخ الانقسامات المجتمعية، وإلى قيام علاقات عدائية تغذّي التطرف والعنف.

الملاحظة الثالثة، وهي أن تيارات الإسلام السياسي تتحمّل مسؤولية عما جرى، كونها تبوأت السلطة، عبر الانتخابات، في مصر (وفي تونس)، ولكنها تصرّفت وكأن المجتمع ملك يديها لمجرد رفعها راية الإسلام، الأمر الذي أغراها بعدم الالتفات للقوى الأخرى، والتسرّع في محاولاتها بسط هيمنتها على الدولة والمجتمع، مما أوقعها في مشكلات عديدة، وأسهم في عزلها، وتراجع شعبيتها.

وإضافة إلى تسرّعها، وعدم استفادتها من التجارب الماضية، وظنّها أن الطابع الديني يحميها من النقد والمساءلة، فإن خطأ التيارات الإسلامية، كغيرها من التيارات الحاكمة التي سبقتها، والتي برّرت نفسها بأيديولوجيات مطلقة، يكمن في محاولتها الهيمنة على الدولة وتحويلها من مجال عام إلى مجال حزبي، وفرض وجهات نظرها على المجتمع بوسائل قسرية وزجرية، واعتبار ذاتها تحتكر الحقيقة، ووضع المنتسبين إليها فوق المجتمع.

طبعا من المفيد الانتباه إلى الخلاف الناشئ عن تشخيص الصراع على السلطة في مصر، فثمة من يرى في عزل الرئيس المصري محاولة لتصويب مسار الثورة، واستردادها، واعتباره بمثابة ردّة فعل على محاولة "أخونة" الدولة والمجتمع، والاستئثار بالسلطة، وهو كلام ينطلق من قناعات مسبقة مفادها أن تيار الإسلام السياسي لا يؤمن بالديمقراطية، ويرى فيها نوعاً من هرطقة، ومجرد سلّم للصعود إلى الحكم، بدعوى أن الإسلاميين، الذين يرفعون شعار "الحاكمية لله"، يعتقدون أن الشرعية تأتي من الشريعة.

وثمة من يرى أن ما جرى هو اعتداء واضح على الديمقراطية، وأن الإخوان المسلمين ظاهرة سياسية تخضع للتطور، ولا ينبغي تعميم تجربة ما في زمن ما على تجربة أخرى في زمن آخر، لأن ذلك يضع الأمر في إطار التنميط والتعميم والإطلاق، مع الاعتراف بأن تجارب الإسلام السياسي، في إيران والسودان وغزّة وأفغانستان والعراق ولبنان (حزب الله)، لجهة الهيمنة على الدولة والمجتمع، لا سيما بوسائل القوة، ما زالت تثير الشبهات والمخاوف.

مع ذلك، ومن قبيل الإنصاف، كما ذكرنا، فإن هذه الحقيقة يجب أن لا تطمس معرفتنا أن لوثة السلطة ليست حكراً على الإسلاميين فقط، فهي تشمل التيارات العلمانية واليسارية والقومية، أيضاً، ذلك أن النظم التي انبثقت من هذه التيارات هي التي رسّخت الاستبداد في العالم العربي، ناهيك عن معرفتنا، أيضا، بأن تجربة انخراط الجيش بالسياسة لا تبشر بالخير البتّة، إذ تفضي إلى الهيمنة على الحكم، وخلق دكتاتوريات عسكرية، ونظم استبدادية، وبديهي أن نموذج سوار الذهب في السودان هو استثناء من هذه القاعدة حتى الآن.

يخشى أن يؤدي ما حصل في مصر إلى الإضرار بسلامة العملية الديمقراطية، بخاصة مع صمت جزء كبير من الطيف الديمقراطي/العلماني عن الممارسات التعسّفية، وغير المفهومة، إزاء الرئيس وحزبه

الآن، يخشى أن يؤدي ما حصل في مصر إلى الإضرار بسلامة العملية الديمقراطية، بخاصة مع صمت جزء كبير من الطيف الديمقراطي/العلماني عن الممارسات التعسّفية، وغير المفهومة، إزاء الرئيس وحزبه، ويخشى أكثر أن ينشأ عن هذه الخطوة الصادمة نوع من القطع بين تيارات الإسلام السياسي ومسار تطبّعها مع الأفكار السياسية/المدنية، المتعلقة بالدولة والمواطنة والديمقراطية.

عموما، وفي غضون ما يجري في مصر، ينبغي التمييز بين الثورات التي تحاول حل مشكلاتها واختلافاتها بالوسائل السياسية (تونس مثلا) وبين الثورات المسلحة التي يصعّب وضعها حل هذه المسألة بالطرق السياسية (الحالة السورية مثلا)، مع ملاحظة ذهاب مصر من مربع السياسة إلى مربع الانقلابات العسكرية لحسم هذا الأمر.

قصارى القول، يبدو مقدّراً على ضوء التجربة أن التيارات "العلمانية" (وضمنها اليسارية والقومية والليبرالية) لن تتحرّر من عصبياتها الأيديولوجية والهوياتية، التنميطية والمغلقة والمسبقة، حتى تتحرّر من "فوبيا" الإسلام السياسي، ولن يتحرّر الإسلام السياسي حتى يتحرّر من فوبيا التيارات العلمانية أو المدنية، وبالتالي من توهّماته حول ذاته، وضمنها اعتباره ذاته وكيلاً حصرياً للدين. تحرّر التيارات الدينية والمدنية، الإسلامية والعلمانية، من حال العداء والنفي وعدم القبول المتبادل، هو شرط تحرّر الجميع وشرط الدخول في السياسة، وتالياً الولوج إلى الحقبة الديمقراطية في بلادنا، ولعل هذا هو المتوخّى من ثورات الربيع العربي، على تعقيداتها ومشكلاتها وصعوباتها. ولنأمل السلامة لمصر وأهلها في هذه المحنة.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة