الوضع الفلسطيني.. إلى أين؟   
الأربعاء 1431/8/2 هـ - الموافق 14/7/2010 م (آخر تحديث) الساعة 23:20 (مكة المكرمة)، 20:20 (غرينتش)
مؤمن بسيسو


رهانات حماس
رهانات الأطراف الأخرى
سيناريوهات وتداعيات
خلاصة

تبخرت الآمال بشأن قرب إنجاز المصالحة الفلسطينية واتسعت هوّة المواقف بين الأطراف المكوّنة للمعادلة الفلسطينية الداخلية، مما يجعل المنطقة عرضة لاحتمالات شتى وسيناريوهات متضاربة.

ولا شك فإن فشل محاولات إنجاز المصالحة رغم كل الجهود والمراهنات المبذولة له ما بعده، ثمنا وتداعيات، وإن خوض غمار اللعبة السياسية مع النظام الإقليمي والدولي وأطرافه الأساسية ذات العلاقة بالمعادلة الفلسطينية: أميركا وإسرائيل ومصر وسلطة رام الله، يُنبئ بمواجهة صعبة في إطار مخاض عسير قد تُُيسّر الانتقال نحو مرحلة جديدة ذات أسس وقواعد مختلفة تماما.

وليس خافيا أن معركة سياسية تدور رحاها اليوم بين حماس من جهة، والنظام الإقليمي والدولي من جهة أخرى، في حين عادت قضية الجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شاليط إلى الواجهة لتشكل عامل ضغط كبيرا في المجتمع الإسرائيلي، وتعيد خلط حسابات الساسة الإسرائيليين من جديد.

رهانات حماس
"
تراهن حماس على تصاعد مدّ التضامن الدولي مع قطاع غزة المحاصر خلال المرحلة المقبلة، واشتداد وتيرة بغض الرأي العام العالمي لإسرائيل وجرائمها، مما يضطرها إلى التعاطي مع رفع الحصار عن غزة بشكل جذري
"
تراهن حماس على تصاعد مدّ التضامن الدولي مع قطاع غزة المحاصر خلال المرحلة المقبلة، واشتداد وتيرة بغض الرأي العام العالمي لإسرائيل وجرائمها وانحشارها أكثر فأكثر في الزاوية، مما يجعل ظهرها إلى الجدار في نهاية المطاف، ويضطرها إلى التعاطي مع أطروحة رفع الحصار عن غزة بشكل جذري، وهو ما يعزز موقف حماس في إطار ملف المصالحة ويجعلها أكثر قدرة على فرض ملاحظاتها.

وترى حماس أن التحشيد الدولي الهائل ضد المواقف والسياسات الإسرائيلية عقب مجزرة أسطول الحرية، والتجهيز لأساطيل بحرية جديدة أكثر ضخامة واتساعا، من شأنهما أن يفاقما أزمة الاحتلال ويضعا سياساته في دائرة التعريض والاستهداف المباشر، ويفقداه الهيبة والاحترام على المستوى الدولي، ويجعلاه أكثر اضطرارا للتعاطي القسري مع دعوات رفع الحصار وإيجاد آلية للخروج من "عقدة" غزة التي أضحت مكلفة سياسيا وإعلاميا.

وفي إطار حساباتها تراهن حماس على تراكم الفعل والإنجاز، واللعب على وتر الصبر والصمود لأطول مدى زمني ممكن، لإرهاق أعدائها وخصومها وإرباك مخططاتهم، وإجبارهم على التراجع عن مواقفهم وسياساتهم، وإقناعهم بحتمية الاعتراف بشرعيتها والتعامل معها كما هي دون أي تعديلات على موقفها وبرنامجها السياسي.

وبالفعل، فإن حسابات العامل الزمني لحماس بدأت تؤتي أكلها وتعطي ثمارها على مختلف المستويات، إلا أن الإدارة الأميركية وحلفاءها لا يزالون يدارون فشلهم وعجز مخططهم تجاه غزة، ويحاولون استنساخ مرحلة جديدة تشرعن الحصار السياسي لغزة وتتسامح مع الأبعاد والاحتياجات الإنسانية لأهلها، وهو ما يقود باتجاه تكريس حصار سياسي وأمني قد يمتد إلى أجل غير معلوم، ويرتبط أساسا بالمتغيرات السياسية التي قد تطرأ مستقبلا.

وفي سياق موازٍ، تأمل حماس أن تتمخض ضغوط المجتمع الإسرائيلي على حكومته عن مواقف أكثر سلاسة وليونة بخصوص صفقة تبادل الأسرى، وأن يرفع نتنياهو "الفيتو" عن إنجاز الصفقة، وخصوصا في ظل تقبّل قطاعات سياسية وعسكرية ومجتمعية واسعة داخل إسرائيل لإتمام الصفقة بصورتها الحالية، مما يقوي موقف حماس على حساب موقف فتح، ويمنحها أفضلية في إطار معركة عضّ الأصابع التي وسمت الوضع الفلسطيني الداخلي طيلة المرحلة الماضية.

رهانات الأطراف الأخرى
من جهتها تراهن الأطراف الأخرى، وخاصة مصر والإدارة الأميركية وسلطة رام الله، على انحسار موجة الحراك والتضامن الدولي، وتكريس واقع تخفيف الحصار في زاويته الإنسانية، وإبقاء الحصار السياسي مشرعا في وجه حماس، مما يُضعف موقف الحركة ويعيده إلى مربع ما قبل أحداث أسطول الحرية، ويجعلها أكثر اقترابا من التوقيع على الورقة المصرية.

وكي يبدو رهانها أكثر قوة ونجاعة، فقد اتخذت هذه الأطراف بقيادة الولايات المتحدة مجموعة من الخطوات والإجراءات تمثلت في التالي:

- الإيعاز لمصر بفتح معبر رفح البري الواصل بين مصر وقطاع غزة كخطوة تكتيكية للالتفاف على الانتقادات والمواقف الناقمة التي تسبب بها النظام المصري جراء إغلاق المعبر طيلة الأعوام الماضية.

- ضغط الإدارة الأميركية على الحكومة الإسرائيلية لإنهاء الحصار الإنساني لقطاع غزة، وإعادة عمل المعابر إلى سابق عهدها بما لا يخل بالأمن الإسرائيلي.

- امتصاص المواقف الدولية التي تجاوزت الخط الأحمر في نقدها لإسرائيل ودعوتها لرفع الحصار عن غزة، وإعادة هيكلة المواقف الدولية على أسس جديدة قوامها الدعوة لمعالجات إنسانية بعيدا عن المعالجات السياسية.

- تهدئة روع الموقف التركي الثائر، وتخفيف هيجان السياسة التركية تجاه إسرائيل وإبقائها في إطار المواقف المحتملة التي لا تقترب من الصدام والقطيعة التامة.

- التأثير على العديد من الدول بهدف منع مواطنيها من الالتحاق بأي أسطول بحري جديد، والتضييق على حركة ومسار إبحار أية سفن نحو شاطئ غزة مستقبلا.

"
ترى الأطراف المعنية أن طيّ ملف غزة إنسانيا، وشرعنة حصارها سياسيا، كفيل بإرباك حماس وحملها على بلورة مقاربات جديدة لجهة القبول بالمقترحات المصرية التي تصب في صالح أبو مازن وحركة فتح
"
وكان لافتا مدى فعالية حملة العلاقات العامة التي استهدفت إقناع العالم بانتهاء مشكلة غزة "إنسانيا"، عبر فتح معبر رفح "المقنن" لسفر الحالات الخاصة والإنسانية، وتوسيع عمل المعابر الإسرائيلية مع غزة لإدخال المواد الغذائية والاحتياجات الإنسانية، وما لقيه ذلك من تجاوب وترحيب إقليمي ودولي يدلل على انحسار تأثير أحداث أسطول الحرية وإمكانيات استثمارها في الوقت الراهن.

كل ذلك يُطفئ من شعلة غزة دوليا شيئا فشيئا، ويجعل معالجة هذا الملف محصورة في زوايا ضيقة وفي الحدود الدنيا من وجهة نظر الأطراف الداعمة لحصار غزة، ويحرم حماس من فرصة البقاء في مركز صدارة الأحداث، ويقلل –إلى حد كبير- من حدة الضغط الدولي تجاه إسرائيل وجريمتها البشعة.

ومن هنا ترى هذه الأطراف أن طيّ ملف غزة إنسانيا، وشرعنة حصارها سياسيا، كفيل بإرباك حماس وحملها على بلورة مقاربات جديدة لجهة القبول بالمقترحات المصرية التي تصب في صالح أبو مازن وحركة فتح وتيار التسوية في المنطقة بشكل عام.

سيناريوهات وتداعيات
بعيدا عن الخوض في تفاصيل هذين الرهانين، فإن الثابت وفقا لاستقراء تطورات الأحداث أن الحصار آخذ في التداعي والتفكك، وأن الرهان الإقليمي والدولي على إبقاء الحصار السياسي خلال المرحلة المقبلة يستند إلى أرضية رخوة، ولا يعتمد على حقائق راسخة ومعطيات سياسية دقيقة إزاء حجم التحولات التي أحدثتها جريمة الاعتداء على أسطول الحرية وما خلفته من تداعيات.

فالواضح أن الأطراف الداعمة للحصار بقيادة الإدارة الأميركية قد أغفلت أو أسقطت من حساباتها إمكانية استنساخ مرحلة جديدة أكثر وقعا وأشد تأثيرا من المرحلة التي رافقت وتلت أحداث أسطول الحرية، ويكفي أن أسطول "الحرية 2"، الذي يجري الإعداد له بشكل أكثر إتقانا وتنظيما هذه المرة، يحمل آلاف المتضامنين الدوليين، ويملك من الإرادة والعزيمة لتحدي الموقف والغطرسة الإسرائيلية، وإحداث ضجة دولية أكثر اتساعا وشمولا، مما يجعل إسرائيل وحلفاءها أكثر حرجا وانزواء من ذي قبل.

وأغلب الظن أن المنطقة مقبلة على سيناريوهين يمكن ترجيحهما من خلال استقراء مسارات الأحداث وتفاعلات المواقف على امتداد الساحة الإقليمية والدولية.

السيناريو الأول يكمن في عودة موجة التضامن الدولي إلى واجهة الأحداث عبر أسطول السفن القادم وسواه، وما قد ينجم عن ذلك من تداعيات سياسية وميدانية وقانونية، تضع إسرائيل في مواجهة ضغوط جديدة، إقليميا ودوليا، وتجبرها مكرهة على اتخاذ قرار برفع الحصار عن غزة.

ويمكن أن يأخذ هذا السيناريو أحد شكلين:

الشكل الأول: أن تبادر إسرائيل بفك الارتباط عن غزة من جانب واحد، وإلقاء غزة في أحضان المصريين.

"
أيا كان شكل المرحلة المقبلة وسيناريوهاتها، فإن إسرائيل بدأت مسار التراجع التدريجي تجاه غزة، مما يؤكد أن الأسابيع أو الأشهر المقبلة على الأكثر سوف تحمل تطورات جديدة تلقي بما تبقى من حصار غزة في مزابل التاريخ
"
الشكل الثاني: أن يتم الأمر من خلال إنهاء ملف المصالحة عبر الإيعاز لسلطة رام الله والقيادة المصرية بالاستجابة بشكل أو بآخر لملاحظات حماس ليُصار بعدها إلى فك الحصار عن غزة بشكل كامل.

أما السيناريو الآخر فهو يماثل السيناريو الأول في مقدماته إلا أنه يختلف عنه في مخرجاته.

في هذا الإطار تدرك إسرائيل أن الضغط الإقليمي والدولي قد جاوز خطوطه الحمراء، وأنها ستنصاع رغما عنها لمطالب رفع الحصار، إلا أنها لن تخرج من مُولدْ الحصار والمعركة على غزة خالية الوفاض، صفر اليدين، ولن تسمح ببقاء حماس على قوتها الحالية التي تشكل إزعاجا كبيرا وتهديدا مستقبليا لا يمكن التعايش معه، مما سيدفعها إلى توجيه ضربة قوية ومركزة لحماس في غزة، وتتركها تلعق جراحاتها فترة من الزمن.

ولن تتأخر إسرائيل بعدها في رفع الحصار عن غزة كثمن مقبول للسكوت الدولي عن عقابها ومحاسبتها على جرائمها، في حين قد يطرأ على المشهد العام حراك إيجابي باتجاه المصالحة أو اتجاه إسرائيلي بفك الارتباط عن غزة من جانب واحد.

ولا ريب أن سيناريو الركود وانسحاب الواقع الراهن على مجريات المستقبل يبقى قائما، إلا أنني -وفق المؤشرات والوقائع المتلاحقة- لا أرجحه أو أميل إليه، وكلي قناعة بأن المرحلة المقبلة سوف تحمل في جعبتها الكثير من الوقائع الحاسمة التي ستفكك الكثير من الملفات العالقة التي أرقت الشعب الفلسطيني حينا من الزمن.

وفي كل الأحوال، وأيا كان شكل المرحلة المقبلة وسيناريوهاتها، فإن إسرائيل بدأت مسار التراجع التدريجي الذي يُنبئ عن هزيمة واضحة بدت أولى ملامحها في إقرار الكثير من قادتها وأركان حكمها بفشل سياساتها تجاه غزة، وقيامها برفع الحظر على البضائع الواردة إليه باستثناء لائحة ممنوعات محدودة، مما يؤكد أن الأسابيع أو الأشهر المقبلة على الأكثر سوف تحمل تطورات جديدة تلقي بما تبقى من حصار غزة في مزابل التاريخ.

يبقى القول بأن ملف شاليط قد يلعب دورا أساسيا في تحديد مسار السياسة الإسرائيلية تجاه غزة وحماس في المرحلة المقبلة، إذ ليس في وارد الحكومة الإسرائيلية تجاهل هذا الملف في ظل الحراك الكبير الذي يشهده الشارع الإسرائيلي والدعوات الإسرائيلية المتصاعدة لحسم هذا الملف في أقرب وقت ممكن.

ولن يكون صعبا توقّع رفض الحكومة الإسرائيلية لعرض ومطالب حماس في الوقت الحالي، مما يضع الملف برمته إلى جوار ملف الحصار في بوتقة معالجة واحدة، ويجعل من مصيرهما أمرا مشتركا غير قابل للتجزئة أو الانفصام.

ومهما يكن من أمر، فإن تسارع خطى فك الحصار عن غزة يجعل من نهاية ملف شاليط أكثر اقترابا أيا كانت السيناريوهات التي ستحملها المرحلة المقبلة، وهي نهاية تحمل بصمات مطالب حماس وانكفاء إسرائيل وتراجع موقفها رغما عنها.

"
الحكمة تقتضي من حماس وحلفائها والتيار المقاوم الداعم لها التحسّب للتطورات المقبلة، ودراسة كافة السيناريوهات والبدائل المطروحة للارتقاء إلى مستوى المرحلة المقبلة وتحدياتها الجسام
"

خلاصة
انسداد أفق المصالحة، وبقاء الحصار السياسي، والصراع على كسب الموقف الدولي، تشكل الملامح والمفردات الأساسية التي تحملها المرحلة الراهنة بانتظار تطورات الأوضاع وتجليات الزمن الآتي، وستبقى مواقف الأطراف المختلفة تدور في ذات الدائرة الحالية ريثما يُسفر المخاض المعتمل حاليا عن أحداثه المنتظرة التي قد تؤسس لمواقف وسياسات جديدة في الأفق المنظور.

ومع ذلك فإن الحكمة تقتضي من حماس وحلفائها والتيار المقاوم الداعم لها التحسّب للتطورات المقبلة، ودراسة كافة السيناريوهات والبدائل المطروحة للارتقاء إلى مستوى المرحلة المقبلة وتحدياتها الجسام، ومحاولة تلافي أية آثار أو تداعيات سلبية قد يحملها أي من السيناريوهات المتوقعة والعمل على تقليلها إلى الحد الأدنى.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة