البشتون.. صراع الوصل والفصل بين باكستان وأفغانستان   
الأحد 1425/8/19 هـ - الموافق 3/10/2004 م (آخر تحديث) الساعة 13:29 (مكة المكرمة)، 10:29 (غرينتش)

بقلم/ الدكتور مصطفى محمد حميداتو*

- بداية التوتر في العلاقات الأفغانية الباكستانية
- العهد الذهبي للعلاقات الأفغانية السوفياتية
- اتفاقيات جنيف بين باكستان والنظام الشيوعي في أفغانستان
موقف باكستان بعد 11/9/2001

يمكن حصر العوامل التي تحدد طبيعة العلاقات الخارجية الباكستانية في الحفاظ على أمنها القومي والطابع الإسلامي لإيديولوجيتها إضافة إلى تحسين وضعها الاقتصادي. وقد ظهرت جمهورية باكستان الإسلامية إلى الوجود سنة 1947م في وضع جيوسياسي معقد للغاية. فالهند تعتبر العدو التقليدي لباكستان بسبب الرواسب التاريخية والدينية بين الهندوس والمسلمين.

ولم تكن العلاقات بين باكستان وجارتها الشمالية أفغانستان دائما على ما يرام، فهي ودية في بعض الأحيان ومتوترة في أحيان أخرى بسبب النزاع على المناطق الحدودية الشمالية لباكستان, التي تقطنها قبائل البشتون, والتي تدعي أفغانستان ملكيتها وتعتبرها مغتصبة من قبل باكستان.

لقد تم رسم الحدود بين البلدين خلال فترة الاحتلال الإنجليزي, ثم أعيد ترسيمها عند جلاء البريطانيين عن شبه الجزيرة الهندية واستقلال باكستان سنة 1947م. ومن جراء ذلك أصبحت بعض قبائل البشتون مقسمة بين أفغانستان وباكستان, وتقسمت قبائل أخرى بين البلدين مثل قبائل: شنواري ومهمند اللتين تنتشران في بيشاور الباكستانية وننجرهار الأفغانية. وهاتان القبيلتان لهما نوع من الاستقلالية عن الحكومة الباكستانية. وهناك قبائل أخرى أقل حجما تنتشر في مناطق الحدود بين البلدين كقبائل: أجك زي, سدو زي, يوسف زي وغيرها. وبقيت مسألة البشتون مصدر التوتر بين البلدين لفترات طويلة.

بداية التوتر في العلاقات الأفغانية الباكستانية

بعد استقلال باكستان وانفصالها عن الهند, تقدمت الجمهورية الإسلامية الفتية بطلب العضوية في منظمة الأمم المتحدة سنة 1947م على غرار بقية الدول المستقلة, فكان أن اعترضت أفغانستان على الطلب الباكستاني، وأصبح ذلك بداية المد والجزر في العلاقات بين البلدين. وفي سنة 1954م وعلى إثر تحسن العلاقات بين باكستان والولايات المتحدة الأميركية وإعلان الأخيرة أنها ستزود باكستان بكميات من الأسلحة, صرحت سفارة أفغانستان في نيودلهي بأن مثل هذه المساعدات العسكرية من شأنها تقوية باكستان بصفتها قوة مستعمرة لأراضي الشعب البشتوني.

وعند إعلان باكستان في مارس1955م أنها ستجعل جناحها الغربي (بنغلاديش) يخضع لإدارة موحدة تحت اسم باكستان الغربية, أكدت السلطات الأفغانية أن مثل هذا الإجراء يؤكد أهمية وضرورة إظهار الهوية الخاصة للبشتون في باكستان. وكنتيجة لذلك هوجمت السفارة والقنصليات الباكستانية في كابل والمدن الأفغانية الأخرى من قبل المتظاهرين, مما أدى إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين وإغلاق الحدود بينهما لمدة خمسة أشهر.

وفي نوفمبر/ تشرين الثاني من السنة نفسها اجتمع المجلس الوطني الموسع لأفغانستان (لويه جركه) -الذي يجتمع في الحالات الطارئة- في كابل, وأصدر بيانا جاء فيه أن أفغانستان لا تعترف بالسيادة الباكستانية على أراضي البشتون, وطالب بتقوية القوات المسلحة الأفغانية.

العهد الذهبي للعلاقات الأفغانية السوفياتية

في ديسمبر/ كانون الأول 1955م زار رئيس الوزراء السوفياتي نيكولاي بلقنين كابل برفقة نكيتا خروتشوف أمين عام الحزب الشيوعي السوفياتي, وأعلنا التعاطف مع وجهة النظر الأفغانية تجاه قضية البشتون. واستغلا هذا الظرف السياسي لاستمالة أفغانستان إلى المعسكر السوفياتي, حيث قدما لها قرضا بقيمة مائة مليون دولار للتنمية الاقتصادية. هذه المساعدات جعلت المسؤولين الأفغان أكثر استعدادا للتعاون مع السوفيات في مختلف المجالات.

وقد تحسنت العلاقات الباكستانية الأفغانية في أغسطس/ آب 1956م حين زار الرئيس الباكستاني ميرزا إسكندر كابل, ورد الملك محمد ظاهر شاه بزيارة مماثلة إلى باكستان. وأبرمت بين البلدين عدة اتفاقيات شملت فتح الأجواء الجوية وتنشيط حركة العبور وإقامة خطوط هاتف.

وفي سنة 1957م قدم الاتحاد السوفياتي لأفغانستان قرضا جديدا بقيمة 15 مليون دولار للتنقيب عن النفط. ورغم ذلك لم تقطع باكستان الأمل في تحسين العلاقات مع جارتها، ففي أكتوبر/ تشرين الأول 1958م أخذ أيوب خان على عاتقه مهمة تحسين العلاقة بين البلدين. ورغم انتمائه إلى قبائل البشتون فإنه لم يتقبل وجهة النظر الأفغانية بأن البشتون في باكستان مضطهدون.

في هذا الوقت أصبح خروتشوف في قمة هرم السلطة السوفياتية, وقام بزيارة إلى أفغانستان, أكد خلالها على أن مسألة البشتون في باكستان يجب أن تحل وفق مبدأ (حرية تقرير المصير) من ميثاق الأمم المتحدة. وقد ألقى هذا الموقف بظلاله على العلاقات بين البلدين, حيث أبلغت باكستان جارتها بأن السفارة والقنصليات الباكستانية في جلال آباد وقندهار ستغلق, وطلبت في المقابل إغلاق القنصليات والوكالات التجارية الأفغانية في باكستان, وتم إغلاق الحدود بين البلدين.

وفي سنة 1959م وافق السوفيات على شق طريق جديد يصل إلى قندهار وتشييد منشآت عسكرية جوية بقيمة 85 مليون دولار. وقد بلغت المساعدات السوفياتية لأفغانستان سنة 1960م حوالي 300 مليون دولار, علاوة على ألف وستمائة خبير بين مدني وعسكري أرسلوا إلى أفغانستان. هذا التطور في العلاقات الأفغانية السوفياتية اعتبرته باكستان موجها ضدها, وقررت في ديسمبر/ كانون الأول 1961م قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين, وإغلاق قنصلياتيها في كابل وجلال آباد.

وبوساطة من شاه إيران تم الاتفاق على إعادة العلاقات بين البلدين, كما أعيد فتح الممثليات التجارية واستئناف حركة الترانزيت، ووافق البلدان على إيجاد جو من التفاهم والصداقة, إلا أن ذلك لم يتحقق فعليا, لغياب الثقة بينهما. فباكستان تشعر بأن المتمردين في منطقتي بلوشستان وسرحد يتلقون المساعدة من قبل أفغانستان، وترسخت هذه القطيعة في آخر سنة 1961م عندما طالبت أفغانستان بحوالي 190 ألف ميل مربع من الأراضي الباكستانية, وأظهرت خارطة تبين أن كراتشي جزء من أفغانستان, وكان ذلك ردا على إقفال باكستان لقنصلياتها في أفغانستان بدعوى أن موظفيها يتعرضون لمضايقات رجال الشرطة الأفغان, وكذلك الأمر بالنسبة لمكاتب الوكالات التجارية بتهمة التجسس وأعمال التخريب. وكإجراء مضاد أغلقت السلطات الأفغانية حدودها مع باكستان رغم حيوية خطوط السكك الحديد الغربية من كويتا وبيشاور إلى كل من شامان ولندكوتل على الحدود, ونقل البضائع إلى أفغانستان عبرها.

وكإجراء لبناء الثقة من جديد أعلنت السلطات الأفغانية أنها لن تدعم قبائل البشتون على الانفصال, وعليها أن تقرر بنفسها ما إذا كانت ترغب في البقاء مع باكستان أو الانضمام إلى أفغانستان. هذا الأمر حدا بالسلطات الباكستانية إلى إعادة العلاقات الدبلوماسية وفتح وكالات التجارة من جديد واستمر هذا التحسن في العلاقات بين البلدين عدة سنوات.


خلال الحرب الباكستانية الهندية سنة 1965م, وقفت أفغانستان موقفا حياديا وأكد الملك ظاهر شاه لباكستان أنه سيستمر في هذا الحياد وأنه ليس لديه أية نية لاجتياح الأراضي الباكستانية.

وخلال الحرب الباكستانية الهندية سنة 1965م, وقفت أفغانستان موقفا حياديا وأكد الملك ظاهر شاه لباكستان أنه سيستمر في هذا الحياد وأنه ليس لديه أية نية لاجتياح الأراضي الباكستانية. والموقف نفسه أكدته أفغانستان خلال حرب سنة 1971م, مما أدى برئيس الوزراء الباكستاني ذو الفقار علي بوتو للذهاب بنفسه إلى كابل لتقديم الشكر للملك الأفغاني محمد ظاهر شاه على مواقفه الإيجابية.

ولم يدم هذا الوئام طويلا, وتوترت العلاقات بين البلدين بعد الانقلاب الشيوعي في كابل واجتياح القوات السوفياتية لأفغانستان. هذا الوضع الجديد قلب الموازين في المنطقة, وأعاد مسألة البشتون إلى واجهة الأحداث من جديد. فباكستان التي تؤوي أكبر عدد من المهاجرين الأفغان, لم تسمح إلا لسبعة تنظيمات جهادية بالنشاط على أراضيها, أغلبها من البشتون, إلا الجمعية الإسلامية التي يتزعمها برهان الدين رباني, فيغلب عليها الفرس والطاجيك والأوزبك, سكان الشمال الأفغاني. وهذا يدل على مدى اهتمام باكستان بنوع واتجاه أي حكومة مستقبلية في أفغانستان. وقد أسهمت عدة عوامل في الوصول إلى اتفاق تغادر بموجبه القوات السوفياتية أفغانستان منها:

  • الضغط العسكري الذي قام به المجاهدون ضد القوات المحتلة.
  • عدة سنوات من المفاوضات غير المباشرة بين باكستان والنظام الشيوعي في أفغانستان تحت رعاية الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية, إضافة إلى عوامل أخرى.

اتفاقيات جنيف بين باكستان والنظام الشيوعي في أفغانستان

في 14 أبريل/ نيسان 1988م, أبرمت اتفاقية جنيف بين جمهورية باكستان الإسلامية والنظام الأفغاني برئاسة الدكتور نجيب الله, وذلك تحت رعاية وضمانة الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية، وعن قصد تم إقصاء ممثلي المجاهدين الأفغان من حضور جلساتها.
هذه الاتفاقية كانت نتيجة لست سنوات من المفاوضات بدأت سنة 1982م بين باكستان والنظام الأفغاني.

أما إيران التي تؤوي حوالي مليوني مهاجر أفغاني فقد قاطعت جلسات المباحثات في جنيف بحجة إقصاء المجاهدين عنها.
وكانت هذه المباحثات تتركز على محاور أربعة هي:
1- إجلاء القوات الأجنبية من أفغانستان.
2- عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأفغانستان.
3- العودة الاختيارية للمهاجرين.
4- إقامة دولة مستقلة غير منحازة في أفغانستان مع ضمان حق الشعب في تقرير مصيره.

وفي الثامن من فبراير/ شباط 1988م أعلن الزعيم السوفياتي ميخائيل غرباتشوف أن قوات بلاده ستغادر أفغانستان خلال عشرة أشهر, وكان يوم 15 مايو/ أيار 1988م هو يوم انطلاق العملية المذكورة. وعلى إثر ذلك أعلن المتحدث باسم الرئاسة الأميركية أن بلاده ستوقف الدعم عن المجاهدين في مقابل انسحاب القوات السوفياتية.

وقد استكملت عملية إجلاء القوات الأجنبية من أفغانستان سنة 1989م, إلا أن الأوضاع في هذا البلد لم تتحسن, وبدأت جولة جديدة من الصراع الداخلي تجلت فيه -وبوضوح- أيادي الدول المجاورة, التي تسعى لضمان مصالحها في أفغانستان, نذكر منها على الخصوص:

  1. باكستان الجارة التي احتضنت أكثر من مليوني مهاجر أفغاني وفتحت أبوابها لأغلب الأحزاب الجهادية, تسعى وبكل قوة إلى إيجاد نظام موال لها, يجنبها مآسي الماضي ويغلق بصفة نهائية ملف البشتون بين البلدين.
  2. إيران وعبر حزب الوحدة الشيعي تسعى إلى التمكين للأقلية الشيعية في أفغانستان, حيث طالبت مرات عدة بإعطاء مناصب حيوية محددة للشيعة في أي حكومة مستقبلية.
  3. روسيا الاتحادية, تسعى هي الأخرى إلى الإبقاء على نفوذ لها داخل أفغانستان عبر حليفاتها طاجيكستان وأوزبكستان اللتين لهما امتدادات عرقية داخل أفغانستان.

    ومع عدم التوصل إلى صيغة تفاهم بين الدول المجاورة بقيت أفغانستان مسرحا للصراعات الداخلية التي أذاقت البلاد والعباد أسوأ مما ذاقوه على يد الاحتلال السوفياتي.

وبدخول باكستان النادي النووي, فإن مسألة البشتون لم تعد مثارة. فالوضع الاقتصادي والاجتماعي والثقافي لقبائل البشتون الباكستانية لا يمكن مقارنته بالوضع المزري الذي يعيشه أبناء عمومتهم داخل أفغانستان.

وبعد انهيار النظام الشيوعي في أفغانستان استلمت باكستان زمام الدفاع عن حقوق البشتون فيها, والتأكيد على ضرورة أن يكون لهم النصيب الأوفر في أي حكومة قادمة لكونهم يمثلون حوالي 60% من مجمل السكان. وتبقى محافظة باكستان على أمنها القومي تقتضي الوقوف إلى جانب هذه الإثنية لاعتبارات دينية, ومذهبية وعرقية.

موقف باكستان بعد 11/9/2001

بوش (يسار) بجانب نظيره الباكستاني برويز مشرف
رضخت باكستان للضغوط الأميركية ووافقت على الاشتراك في التحالف الدولي المناهض للإرهاب وأعطت بعض التسهيلات للقوات الأميركية في حملتها ضد أفغانستان وبذلك تجنبت أي تدخل عسكري ضدها, وحافظت على برامجها التسليحية الطموح. غير أن المتتبع لتطورات الأحداث في المنطقة يلاحظ وجود دعم يصل إلى حركة طالبان عبر الحدود يتمثل في الآتي:

  1. دخول كميات من الوقود والأسلحة إلى حركة طالبان.
  2. دخول مئات المتطوعين الباكستانيين المسلحين للقتال إلى جانب حركة طالبان.
    أما من الناحية الرسمية فإن الحكومة الباكستانية أكدت أكثر من مرة رفضها لأي حكومة يتزعمها تحالف الشمال الذي يعلن صراحة معاداته لباكستان, وضرورة أن يشارك المعتدلون من طالبان في أي حكومة قادمة.

والذي ينظر في التاريخ السياسي لأفغانستان يرى أن البشتون كانوا على رأس كل الحكومات التي تعاقبت عليها. أما حكومة رباني, فلم تدم سوى فترة وجيزة.

وحتى تتضح نتائج الحرب الدائرة حاليا على أرض أفغانستان, تبقى مسألة تمثيل البشتون في حكومة ما بعد طالبان الرقم الصعب الذي تراهن عليه باكستان, لضمان أمن حدودها الشمالية وإيجاد نظام موال لها في أفغانستان, أو على الأقل غير معاد لها.
________________________
*كاتب عربي مقيم في باكستان

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة