هل ثمة حاجة إلى "فتح"؟   
الخميس 1433/2/4 هـ - الموافق 29/12/2011 م (آخر تحديث) الساعة 14:26 (مكة المكرمة)، 11:26 (غرينتش)
ماجد كيالي

في الذكرى السادسة والأربعين لانطلاقة "فتح"، تلك الحركة السياسية التي أسّست للوطنية الفلسطينية المعاصرة وأطلقت الكفاح المسلح وقادت العمل الوطني طوال العقود الماضية، ثمة أسئلة جدّ مهمة تطرح نفسها، فهل ظلّت هذه الحركة ذاتها، بعد طول هذه المسيرة؟ وما هي التحوّلات التي طرأت عليها؟ ثم هل ثمة بعد حاجة إلى حركة "فتح" حقاً؟
 
فمنذ انطلاقتها (1965) أسّست "فتح" نفسها باعتبارها حركة وطنية، تشبه شعبها، مما جعلها أكثر قدرة على استقطاب الفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم، وذلك بالقياس للحركات السياسية: القومية واليسارية والإسلامية التي كانت ناشطة آنذاك في المنطقة.
 
"
طريق "فتح"، لم يكن سهلاً أو مفتوحاً، إذ إن المنطقة العربية كانت وقتها خاضعة تماماً لتيار القومية العربية، كما كانت تعجّ بالتيارات الأيديولوجية اليسارية، وأيضا كانت الحركات الإسلامية ذات النفوذ الواسع
"
هذا يعني أن طريق "فتح"، أي طريق الوطنية الفلسطينية، لم يكن سهلاً أو مفتوحاً، إذ إن المنطقة العربية كانت وقتها خاضعة تماماً لتيار القومية العربية، بزعامة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، كما كانت تعجّ بالتيارات الأيديولوجية اليسارية المدعومة من الاتحاد السوفياتي (السابق)، وأيضا كان ثمة الحركات الإسلامية ذات النفوذ الواسع، ومع ذلك فقد استطاعت تلك الحركة الوليدة، التي جدفت عكس التيارات السائدة، أن تفرض وجودها.
 
ولعل ذهاب "فتح" نحو الوطنية الفلسطينية كان يتوخّى -إضافة إلى بعث الهوية الوطنية لشعبها- التعويض عن غياب الإقليم المستقلّ بإقامة نوع من كيانية سياسية تستطيع ترميم واقع الشعب الفلسطيني، وتلملم شتاته، مما يمهّد لفرض وجوده على الخريطة السياسية ولاحقاً على الخريطة الجغرافية.
 
الفكرة الأخرى التي شكّلت، أيضا، عامل تمييز لـ"فتح" تمثلت بتأسُُّسِها على شكل جبهة، أو حركة وطنية، تعددية ومتنوّعة، وليس على شكل حزب، يمثل طبقة أو ادعاءات أيديولوجية معينة، في مرحلة كانت تعجّ بالأيديولوجيات والأحزاب الطبقية. هكذا فليس صدفة أن هذه الحركة ضمّت في صفوفها الفئات الأكثر فقراً وكدحاً في المجتمعات الفلسطينية (من اللاجئين والمعدمين ومن العمال والفلاحين والحرفيين) أكثر بكثير من أي تنظيم يساري، وأنها ضمّت، أيضا، شرائح واسعة من الطبقة الوسطى، فضلاً عن أن البرجوازية الفلسطينية (والعائلات التقليدية) محضت هذه الحركة دعمها، أكثر من أية حركة سياسية أخرى؛ مما جعل "فتح"، بوضعها هذا، حركة الشعب الفلسطيني بامتياز.
 
كذلك فقد كانت هذه الحركة ضمت في صفوفها نشطاء سابقين في الأحزاب القومية والإسلامية، ومثقفين يساريين، وكلهم توحّدوا على مشروع "فتح"، أي على مشروع الوطنية الفلسطينية.
 
ولا شك هنا في أن مبادرة "فتح" لإطلاق الكفاح المسلح تحديداً لعب دوراً كبيراً في الترويج لها في المجال الشعبي، وربما هنا يصحّ الاعتقاد بأن الهوية الوطنية الفلسطينية ونهوض الفلسطينيين إنما تعمّد في معمعان هذا الكفاح. فمنذ ذاك الوقت اضطلع الكفاح المسلح، الذي تحملت تلك الحركة المسؤولية الأساسية فيه، بدور كبير في صوغ الهوية الوطنية الفلسطينية، وتمحورها من حول منظمة التحرير، التي اعتبرت حينه بمثابة الكيانية السياسية المعنوية للشعب الفلسطيني.
 
وكما هو معلوم ففي حينه كانت "فتح" تبنّت خطاب "التحرير" كونه الخطاب الملهم آنذاك، الذي بإمكانه أن يجمع شتات اللاجئين ويعبّر عن ردّهم على النكبة. مع ذلك فإن "فتح" أضفت على هذا الخطاب، أيضاً، معنى جديداً له بتبنيها فكرة إقامة دولة ديمقراطية (بصرف النظر عن الدين والتميزات الأخرى) في كامل أراضي فلسطين، كحل للمشكلتين الفلسطينية والإسرائيلية (في أواخر ستينيات القرن الماضي).
 
طبعاً يمكن الآن قول الكثير في شأن هذه الأفكار التأسيسية، أو في شأن هوية "فتح" السياسية، بما لها وما عليها، لكن ذلك لا يمكن أن يقلّل من أهمية هذه الأفكار في تعزيز قوة هذه الحركة وفي دورها الرئيس في صوغ ملامح الفكر السياسي الفلسطيني المعاصر.
 
لكن امتحان هذه الأفكار التأسيسية التي عمّدت صعود "فتح" واحتلالها موقع القيادة في العمل الوطني لم يكن ناجحا تماماً ولم يأت بالعوائد المناسبة، لا سيما بالقياس بالتضحيات والمعاناة والإمكانيات التي بذلت.
 
وفي الواقع فإن المشروع الوطني، كما حاولته "فتح"، نشأ مأزوماً من الناحيتين الموضوعيّة والذاتيّة، بحكم عدم التكافؤ في المعطيات والإمكانيات بينه وبين المشروع الصهيوني، أولاً. وثانياً، بسبب تأخّره (بمسافة ثلاثة عقود) عن مشاريع "الوطنيات" العربية، مما جعله يجد نفسه في كثير من المحطات والأحيان في تعارض أو في صراع معها، وهو ما حصل في الأردن ولبنان ومع سوريا.
 
وثالثاً، بسبب افتقاد هذا المشروع لإقليمه (الجغرافي) الخاصّ، ولحيزه الاجتماعي المتعيّن، أيضاً؛ وهما ليسا تفصيلين زائدين، وإنما عمودين أساسيين، في إنتاج أية وطنية، ولا سيما إذا تعلق الأمر بترسيخها واستمرارها. ورابعا، بسبب ضعف إمكانيات الفلسطينيين وتشتت كيانهم المجتمعي، واختلاف أوضاعهم وتعدد السلطات التي تهيمن عليهم.
 
وها نحن اليوم نشهد نوعا من تعثّر مشروع "فتح" المتعلق بالوطنية الفلسطينية مع انتقالها من حيز الكيانية الوطنية الجامعة للفلسطينيين، كما تم التعبير عنها في منظمة التحرير، إلى حيّز الوطنية المختزلة بالسلطة في الضفة والقطاع، حيث الوطنية السابقة تشمل كل الفلسطينيين في حين أن الوطنية المحددة بكيان الدولة المفترضة في الضفة والقطاع مقتصرة على الفلسطينيين في الأراضي المحتلة.
 
وهذا يشمل بالطبع تراجع الكيانات والإطارات الوطنية الجامعة (المنظمة والمجلس الوطني والمنظمات والاتحادات الشعبية وغيرها من مؤسسات وإطارات) لصالح التركيز على كيان السلطة، كما يشمل انقسام الكيان الفلسطيني في الداخل إلى سلطتين وكيانين ووطنيتين متنازعتين.
 
الخطير في الأمر أن الفلسطينيين، نتيجة كل ذلك، ونتيجة الاختلافات والانقسامات والتباينات في ظروفهم، باتوا بمثابة مجتمعات متعددة، لكل تجمع أولوياته وحساباته، وهو ما يمكن تمثله بحال الضياع، والتوهان، والتمايز في المرجعيات والسرديات والرؤى، بين فلسطينيي الأرض المحتلة، والفلسطينيين اللاجئين، وفلسطينيي 1948، وفلسطينيي الأردن.

"
حركة "فتح" في وضعها الراهن لم تعد تلك الحركة الوطنية التعددية والمتنوعة، كما أنها لم تصبح حزبا أيضا، مما يعني أنها باتت أشبه بنوع من حركة هلامية غير واضحة المعالم
"
أما بشأن أن "فتح" طرحت نفسها إطاراً وطنياً جبهوياً فإنها وصلت اليوم إلى واقع غابت فيها حدود التراتبيّة ومعايير العضوية، كما غابت فيه المرجعيات السياسية والرمزية، لا سيما مع رحيل قائدها ومؤسّسها ياسر عرفات. وفي الحقيقة فإن حركة "فتح" في وضعها الراهن لم تعد تلك الحركة الوطنية التعددية والمتنوعة، ولكنها لم تصبح حزبا أيضا، مما يعني أنها باتت أشبه بنوع من حركة هلامية غير واضحة المعالم، أي باتت أقرب إلى حركة ضيّعت ملامحها، لا سيما بعد تحولها إلى سلطة، وبعد تخليها عن وضعها كحركة تحرر وطني.
 
ويمكن في هذا السياق ملاحظة أن هذه الحركة لم تشتغل بالدرجة المناسبة على تطوير ذاتها، وإنضاج وضعها، إلى جبهة تقرّ بواقع التعددية والتنوع فيها وتنظمه، عبر الاعتراف بالتيارات المشكلة لها، وعبر إدارة اختلافاتها، على أسس ديمقراطية مؤسّسية. وبسبب من كل ذلك، أي بسبب ضعف البنية المؤسسية والعلاقات الديمقراطية فيها، فقد تعرضت هذه الحركة لانقسامات وتسرّبات، كما تعرضت لأمراض الترهّل والتسيّب وغياب الهوية.
 
وبالنسبة إلى فكرة التحرير فقد وجدت "فتح" نفسها، وبعد عشرة أعوام فقط من انطلاقتها (أي في 1974)، مضطرة لمغادرة هذه الفكرة لصالح فكرة الدولة المستقلة في الضفة والقطاع المحتلين (1967)، أي أنها انتقلت من حيّز الصراع على وجود إسرائيل، إلى حيّز التعايش مع هذا الوجود، بثمن قيام دولة فلسطينية. وقد تبيّن أن تبنّي "فتح" لشعار "الدولة الديمقراطية" لم يكن ناضجاً إلى الدرجة المناسبة، ولم يتم الاشتغال عليه تماماً لتطويره وتكريسه في الثقافة السياسية لعموم "فتح"، إذ كان يمكن لهذا الشعار أن يكون عنوانا لتسوية تتأسس على وحدة أرض فلسطين ووحدة شعب فلسطين، بدلا من أن تكون تسوية، تتأسس على الانفصال، وتودي بوحدة الأرض والشعب.
 
وعلى الرغم من أن انتقال "فتح" إلى فكرة الدولة المستقلة شكّل نوعاً من التعامل الواقعي، بمعنى ما، مع قضية شائكة ومعقدة وصعبة، كقضية فلسطين، وكقضية مواجهة التحدي الذي تمثله إسرائيل للشعب الفلسطيني، إلا أنه لم يكن يستند إلى روافع ذاتية مناسبة، ولا إلى روافع خارجية (دولية وإقليمية) مواتية.
 
الأنكى من كل ذلك أن الحديث عن العقلانية والموضوعية والواقعية تجاهل حقيقة أن التحولات السياسية والبنيوية في جسم الحركة الفلسطينية إنما تغذّي مشروعاً سياسياً آخر، يختلف عن المشروع الوطني الأصلي، كما أسسته "فتح"، والذي انبنى على وحدة الشعب والأرض؛ مما ستكون له نتائج خطرة، على قضية فلسطين وشعبها وحركته الوطنية.

بالمحصلة فإن معضلة "فتح" أنها لم تنجح في ما ذهبت إليه، أو في ما راهنت عليه، لا عبر المفاوضة وتوقيع اتفاق أوسلو (1993)، ولا عبر المقاومة المسلحة أو الانتفاضة.
 
وفي الواقع فقد انتهى زمن الكفاح المسلح، الذي أطلقته "فتح" في ظروف فلسطينية وعربية ودولية معينة، مع انتهاء عالم القطبين وتحوّل العالم العربي نحو التسوية مع إسرائيل، ومع منع الدول العربية للفلسطينيين من ممارسة أي شكل من أشكال المقاومة المسلحة عبر أراضيها. وفي الداخل فقد وصلت المقاومة المسلحة (كما تمثلت في الانتفاضة الثانية التي اندلعت منذ أواخر 2000) إلى نهاية طريقها، ليس فقط بسبب ردّة الفعل الإسرائيلية القاسية والمدمرة وغلبة إسرائيل الكاسحة في مجال موازين القوى، وإنما أيضا بسبب عدم ملاءمته لظروف الفلسطينيين في الداخل، وبسبب تخلّف إدارة هذا الشكل، لا سيما في ظل غياب إستراتيجية موحدة وواضحة له.
 
على ذلك فإن حركة "فتح"، التي قادت الحركة الوطنية المعاصرة طوال أربعة عقود من الزمن (1965-2005)، باتت الآن تواجه محطة جديدة في تاريخها. فإلى أين ستذهب من هنا؟ ومثلاً، هل تستمر بتبنّيها هدف إقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع على رغم كل شيء؟ أم هل تتحوّل إلى نوع من سلطة تتعايش مع الاحتلال؟ أم تتّجه نحو خلق معادلات جديدة، وضمنها ترك الأمور تذهب نحو مسارات دولة واحدة أي دولة مواطنين؟
 
على ذلك يخشى القول بأن تجربة حركة "فتح"، كظاهرة سياسية، تؤكد على مسارات غيرها من الظواهر السياسية التي تجد نفسها مضطرّة للتغيّر والتكيّف مع تغيّر وتحوّل الظروف الذاتية والبيئات المحيطة بها، مما يؤهّلها للاستمرار، وإما أنها تبقى على حالها، في جمود مقيم، عصّية على التطوّر، وغير قادرة على استيعاب المتغيرات والتعامل مع التحولات الحاصلة، مما يودي بها إلى التآكل والاضمحلال، عاجلا، أم آجلا.
 
اللافت في حركة "فتح" ليس أنها لم تؤهّل نفسها لمواكبة التطورات السياسية والمجتمعية الحاصلة في المجتمع الفلسطيني، ولم تقم بدراسة تجربتها، ولم تتعظ من الإخفاقات والأثمان الباهظة التي تكبّدتها، وتكبّدها بشكل أكبر الشعب الفلسطيني، بل أنها، فوق كل ما تقدم، نكصت حتى عن بداياتها، بتخلّيها عن روحها كحركة وطنية تعدّدية، وعن وضعها كحركة نضالية تمثل مشروع التحرّر الوطني لمجمل الشعب الفلسطيني.
 
"
مآل "فتح" لا يختلف عن مآل غيرها من الحركات أو الظواهر السياسية المماثلة التي وصلت إلى السلطة، مع فارق مهم أن هذه الحركة لم تنجز مشروعها الوطني بعد
"
وفي كل ذلك فإن هذه الحركة لم تعد ذاتها، وإنما أصبحت ظاهرة سياسية أخرى، بعدما باتت مجرد حزب للسلطة، وبعدما باتت متعلقة بأفق المفاوضات المسدود، وبعد أن باتت تعبر عن طبقة سياسية مهيمنة. وفي كل ذلك فإن مآل "فتح" لا يختلف عن مآل غيرها من الحركات أو الظواهر السياسية المماثلة التي وصلت إلى السلطة، مع فارق مهم أن هذه الحركة لم تنجز مشروعها الوطني بعد.
 
الآن، ليس الغرض من هذا الكلام استنتاج أن "فتح" انتهت، فهذه الحركة بوضعها الراهن ستستمر، لأسباب ذاتية وموضوعية، برغم ابتعادها عن طبيعتها، أو عن معناها. كذلك ليس الغرض من هذا الكلام استنتاج أنه لم يعد ثمة حاجة لـ"فتح" في الساحة الفلسطينية، بل على العكس من ذلك فإن أوضاع هذه الساحة تؤكد أنها بحاجة ماسة لحركة وطنية تعدّدية، تعيد الاعتبار للمشروع الوطني التحرري الفلسطيني، سواء كان اسمها "فتح"، أو غير ذلك؛ وبديهي فإن هذا الأمر برسم التاريخ، أو برسم التفاعلات السياسية والمجتمعية.
جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة