صفقة التبادل وأسئلة الربح والخسارة   
الخميس 1431/6/7 هـ - الموافق 20/5/2010 م (آخر تحديث) الساعة 16:47 (مكة المكرمة)، 13:47 (غرينتش)
محجوب الزويري


حديث الربح والخسارة
ماذا بعد؟

يعد الاتفاق الثلاثي بين إيران وتركيا والبرازيل على تبادل اليورانيوم المخصب بدرجة 3.5% بآخر مخصب بدرجة 20%, الخطوة الثانية التي تظهر فيها إيران مستوى من المرونة السياسية, فالخطوة الأولى جاءت في عام 2004 أي بعد مرور عامين على ظهور أول صور لمفاعل إيران النووي في نطنز، فآنذاك وبعد عامين من التفاوض مع ما عرف بـEU3 والتي ضمت بريطانيا وفرنسا وألمانيا فقد اتخذت الحكومة الإيرانية خطوة من جانب واحد بتعليق عمليات تخصيب اليورانيوم إظهارا منها لحسن النية, وهي الخطوة التي لم تدم طويلا إذ مع انتخاب محمود أحمدي نجاد رئيسا لإيران في صيف 2005 عادت طهران إلى مواصلة نشاطاتها في تخصيب اليورانيوم لتدخل أزمة الملف النووي الإيراني مرحلة من التصعيد عنوانها مزيد من قرارات العقوبات الاقتصادية ضد إيران.

حينها كان الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي يتبع منهجا سياسيا عنوانه الأصلي نزع فتيل أي أزمة قبل أن تصعب السيطرة عليها، وهي سياسة أعطت أكلها وساعدت في تغيير صورة إيران في الخارج سواء في منطقة الشرق الأوسط أو لدى الدول الغربية.

حديث الربح والخسارة
"
الموافقة الإيرانية على العرض التركي البرازيلي تعتبر مؤشرا على نجاح دبلوماسية كل من تركيا والبرازيل وفي نفس الوقت تحملهما مسؤولية كبيرة أمام إيران
"
الموافقة الإيرانية على العرض التركي البرازيلي تعتبر مؤشرا على نجاح دبلوماسية كل من تركيا والبرازيل وفي نفس الوقت تحملهما مسؤولية كبيرة أمام إيران, تركيا تتعهد بموجب هذا الاتفاق أن تكون المكان الذي يحتفظ فيه بالكمية 1200 طن من اليورانيوم منخفض التخصيب (3.5% ) كما تلتزم باعادة هذه الكمية إذا لم تحصل إيران على ما يقابل هذه الكمية من اليورانيوم المخصب بدرجة 20%.

البرازيل من جهتها ستكون معنية بتقديم ما يلزم من خبرات علمية وتكنولوجية لتأمين تحقيق مثل هذا الأمر في تركيا. السؤال الذي ربما سيطرح بتعريف الربح والخسارة ومن هو الرابح والخاسر من وراء نجاح مثل هذا الاتفاق؟

أن يتم التبادل عن طريق دول غير غربية فهو نجاح من وجهة النظر الإيرانية لا سيما في ظل حكومة الرئيس أحمدي نجاد، إذ بذلك تقوم إيران بتحييد دور كل من روسيا وفرنسا اللتين اقترحتا كمكانيين محتملين لإجراء عملية التبادل فيهما وذلك حسب مقترح الوكالة الدولية للطاقة الذرية في العام 2009, إيران حينها ومن واقع سابق تعاملها مع كل من روسيا وفرنسا لم ترغب في أن يكون هذان البلدان شريكين في عملية التبادل.

التوقيع الذي تم في طهران لا يمثل إلا الخطوة الأولى في مسيرة لا تخلو من المطبات، فهذه الخطوة تخفف من حدة التوتر المتصاعد بشأن الملف -ولو مرحلياً- والذي لم يتوقف منذ عام 2005, الموافقة الإيرانية أيضا تجعل الكرة في ملعب القوى الغربية والتي لم تتوقف منذ سبتمبر/أيلول 2009 عن المطالبة بموافقة إيران على مقترح الوكالة الدولية للطاقة الذرية عبر مديرها السابق محمد البرادعي المتعلق بتبادل اليورانيوم.

هذه الموافقة كانت تعتبرها الولايات المتحدة وشركاؤها الغربيون خطوة هامة قبل العودة إلى مفاوضات جديدة مع طهران, إيران أيضا بهذه الخطوة تحاول أن تؤكد على أن الأمر يتعلق بالتعامل مع الوكالة الدولية باعتبارها الجهة التقنية الوحيدة المؤهلة للحديث حول البرنامج النووي الإيراني وبالتالي فالموافقة الإيرانية فيها إشارة واضحة بأن أزمة الملف النووي لا يجب تسييسها بل يجب حلها من خلال الوكالة الدولية، وليس من خلال مجلس الأمن الدولي.

"
تعتقد إيران أن سياسة النفس الطويل والتفاوض تعينها على فرض حقائق على الأرض تزيد من قوة موقفها الدبلوماسي، فخلال حوالي سبع سنوات من التفاوض استطاعت طهران أن تحصل على اعتراف بحقها في تطوير برنامج نووي سلمي
"
في سياق متصل فإن إيران قد ترى في هذا الاتفاق انجازاً سياسيا من حيث أن سياسة النفس الطويل والتفاوض تعين إيران في فرض حقائق على الأرض تزيد من قوة موقفها الدبلوماسي، فخلال حوالي سبع سنوات من التفاوض استطاعت طهران أن تحصل على اعتراف بحقها في تطوير برنامج نووي سلمي، ذلك الأمر الذي كان مرفوضاً من قبل الدول الغربية في السنوات 2003-2007.

إيران أيضا حصلت على وعود من قبل دول غربية على رأسها الولايات المتحدة بدعم برنامجها النووي لإغراض سلمية، صحيح أن إيران لا تعلق على مثل هذا، لكنها لا تتجاوزه كإنجاز لسياسة تفاوض بنفس طويل.

الاتفاق الموقع له ظلاله على المشهد السياسي الداخلي الإيراني الملتهب، فالمطالبات التي كانت حكومة أحمدي نجاد تواجهها بانتهاج سياسة أقل تصادمية مع الغرب ستتراجع، والأهم ربما أن المنتقدين يجب أن ينتظروا إلى تطبيق الاتفاق وما يمكن أن تحصده حكومة الرئيس أحمدي نجاد من نجاح إذا سارت الرياح بما تشتهيه السفن.

نجاح الاتفاق بأي مستوى سيؤثر على صورة المحافظين في إيران، وخاصة إذا رافق ذلك تأجيل لقرار العقوبات الاقتصادية الذي يتم الحديث عنه.

في المقابل فإن القوى الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة تبدو أيضا من المستفيدين من توقيع هذه الصفقة، هذا بالطبع لا يقلل من شأن ردود الفعل الأولية على هذا الاتفاق، وهي التي ظهرت مبقية على ما تسميه قلقها من إيران، فاستخدام كلمة غير كاف في رد الإدارة الأميركية أو استخدام عبارة إيران لا تزال تثير قلقا، ما هي إلا إشارات على أن سقف المطالبات الغربية ربما يتجاوز قضية تبادل اليورانيوم إلى مسألة يعتبرها الغرب أساسية وهي توقف إيران عن تخصيب اليورانيوم, وهو الأمر الذي رفضته وترفضه إيران باعتبار أنه قضية سيادية.

المطالبات الغربية لا يبدو أنها ستتراجع لكن ربما تميل قوى غربية وعلى رأسها الولايات المتحدة في السماح بتعاطي الوكالة الدولية مع الرد الإيراني بشكل إيجابي لا سيما وأن لكل من هذه القوى مصلحة وفائدة آنية مرتبطة بإيران, فالولايات المتحدة تعد نفسها للانسحاب من العراق، وهي حريصة على تشكيل حكومة عراقية حتى يصبح الانسحاب مبررا سياسيا أكثر، وبالتالي تخفيف التوتر مع طهران قد يعد فائدة مرحلية بالنسبة لواشنطن. من جهة أخرى فهناك الجبهة المفتوحة في أفغانستان والتي ترى فيها واشنطن وحلفاؤها ميدانا للتدخل الإيراني.

تركيا من جهتها حققت إنجازا دبلوماسياً فيه رد على دول أوروبية مثل فرنسا وكذلك على إسرائيل في ظل حكمة ليكودية والتي لعبت دوراً هاما في إيقاف الوساطة التركية بينها وبين سوريا.

"
يبدو أن محاولة محاصرة الدور التركي قد فشلت، فتركيا تحاول أن ترسل برسالة واضحة إلى أوروبا والولايات المتحدة بأن دورها لا يمكن رؤيته أو تقييمه من خلال العيون الإسرائيلية
"
محاولة محاصرة الدور التركي تبدو أنها قد فشلت، فتركيا تحاول أن ترسل برسالة واضحة إلى أوروبا والولايات المتحدة بأن دورها لا يمكن رؤيته أو تقييمه من خلال العيون الإسرائيلية.

إسرائيل من جهتها أحد الأطراف الخاسرين من توقيع الاتفاقية، وهذا يبدو واضحا في الرد السريع للحكومة الإسرائيلية واعتبار كل ما يحدث هو استغلال إيران لتركيا والبرازيل وأن ذلك سيؤثر على صورة البلدين في العالم. حكومة نتنياهو كانت تأمل في قرار عقوبات جديد بحيث يزيد من الأعباء الاقتصادية على الحكومة الإيرانية، الأمر الذي قد يؤدي إلى زيادة الاحتقان الداخلي في المشهد السياسي الإيراني.

عربيا ربما تكون هناك الصورة مختلفة، والسبب في ذلك هو أن الأولوية العربية -لا سيما من قبل بعض دول الخليج وكذلك دول الشرق الأوسط العربي (الأردن ومصر)- تكمن في الدور الذي تلعبه إيران في ملفات مثل العراق وفلسطين ولبنان وموضوع الجزر الثلاث (أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى) وليس في الملف النووي، فإذا ما تأثر هذا الدور وأصبح قويا كنتيجة لهذا الاتفاق فإن الانتقاد العربي لهذه الصفقة سيظهر سريعاً.

ماذا بعد؟
كما سبق وأشرت فإن ما حدث حتى الآن ما هو إلا مدخل إلى تطورات جادة في الملف النووي الإيراني. فالمنتظر أن تتواصل إيران مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وتخبرها بالاتفاق، ذلك أن من المتوقع أن تشرف الوكالة على التنفيذ.

"
قد تتراجع إيران عن تنفيذ الاتفاق فيما أصرت الدول على فرض حزمة عقوبات، لا سيما وأن هذه العقوبات سيكون لها تأثير على الأداء الاقتصادي للحكومة في طهران
"
هناك تفاصيل هامة حول المدة التي ستنتظرها إيران لتتسلم اليورانيوم المخصب 20%. ثم الأهم ماذا بشأن استمرار إيران في تخصيب اليورانيوم سواء بدرجة 3.5% و20%؟ الأمر الآخر المهم هو هل ستدفع هذه الخطوة المجموعة 5+1 إلى تأجيل فرض العقوبات والدخول في حوار مع طهران حول بقية القضايا التي تقلق الغرب في ما يتعلق بالبرنامج النووي.

إن من المهم هنا أن نذكر أن إيران قد تتراجع عن تنفيذ الاتفاق فيما أصرت الدول على فرض حزمة عقوبات، لا سيما وأن هذه العقوبات سيكون لها تأثير على الأداء الاقتصادي للحكومة في طهران.

إن مقدار التفاؤل والتشاؤم بشأن ما سيتلو هذا الاتفاق سيكون مرتبطاً بشكل أساسي بقرار الدول الكبرى حول مشروع العقوبات من حيث المضي فيه أو تأجيله، وكذلك على طبيعة الرد الإيراني، وهو الأمر الذي لن ننتظر طويلاً حتى نعرفه.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة