نحو فهم منهجي للأزمة المالية الدولية (3من3)   
الخميس 8/11/1429 هـ - الموافق 6/11/2008 م (آخر تحديث) الساعة 14:51 (مكة المكرمة)، 11:51 (غرينتش)


إبراهيم علوش

يناقش الجزء الثالث والأخير من المقال الأثر الذي نجم عن الأزمة على صعيد قطاع النفط، وعلاقة قضية العراق بهذه الأزمة:

بين أول سنة 2008 وأكتوبر/ تشرين الأول من نفس العام، انخفض مجموع قيمة الأسهم الأميركية من عشرين تريليون دولار إلى اثني عشر تريليونا، أي خسر مالكو الأسهم 40% من ثرواتهم، وقاربت الخسارة في دول العالم الأخرى نفس المعدل تقريبا.

وأواسط سبتمبر/ أيلول 2008 كانت الأزمة قد انتقلت بكل عنفوانها خارج الولايات المتحدة، وبدأت تنتشر نفس الظواهر التي ظهرت بالاقتصاد الأميركي في أوروبا واليابان وبقية دول العالم، بمقدار الترابط في حلقات الاقتصاد العالمي.

"
سبب ارتفاع أسعار النفط عام 2008 كان انتقال رؤوس الأموال المضارِبة من العقارات إلى النفط، كما أن انهيار رأس المال المضارِب ونظام المضاربة نفسه، ولو مؤقتا، أدى إلى انخفاض أسعار النفط فورا
"
آثار الأزمة المالية على النفط

وأود بشكل خاص أن أسجل نقطة تتعلق بأسعار النفط هنا. فكما أشرت في مقالة "ارتفاع أسعار النفط" في الجزيرة نت يوم 23/10/2007 فإن الغرب ما برح يلوم أوبك على ارتفاع أسعار النفط، معتبرا أن المشكلة في نقص العرض، بينما تشير المقالات العربية إلى فائض الطلب على النفط وعقوده الآجلة.

وقد تبين الآن بوضوح قاطع أن سبب ارتفاع أسعار النفط عام 2008 كان انتقال رؤوس الأموال المضارِبة من العقارات إلى النفط، وأن انهيار رأس المال المضارِب ونظام المضاربة نفسه، ولو مؤقتاً، أدى إلى انخفاض أسعار النفط فوراً!

كما أن انخفاض النفط أسهم في ارتفاع سعر الدولار، من بين عوامل أخرى، لأن النفط يستورد بالدولار، وبالتالي قل عرض الدولار لشراء النفط، فارتفع سعره، مع بقاء العوامل الأخرى ثابتة.

لكن ارتفاع أسعار النفط ومشتقاته والغذاء وكل ما يرتبط به، كان أحد أسباب تزايد تعثر القروض العقارية عندما وجد المقترضون أنفسهم مضطرين للاختيار بين الجوع ودفع أقساط قروضهم.

وكان من الآثار العامة للأزمة انخفاض مبيعات السيارات بمقدار الثلث تقريبا لبعض الشركات الأميركية، وهو ما يعبر عن دخول الاقتصاد حالة من الكساد.

وبعد أن عاد معدل الفائدة للارتفاع، قام الاحتياطي الفدرالي بتخفيض معدل الفائدة الأساسي من 5.25% أول صيف 2006 إلى 1% نهاية أكتوبر/ تشرين أول 2008.

وقد ترافق ذلك مع ضخ تسعمائة مليار دولار لحل أزمة السيولة، واستعادة الثقة في النظام المصرفي، ويقدر أن تزيد، وقد جاء الاعتراض على خطة الإنقاذ من طرفين رئيسيين، صقور حرية السوق الذين رأوا فيها تدخلاً غير ضروري من الدولة في الاقتصاد، ويسار الحزب الديمقراطي الذي رأى فيها إنقاذا لمن سببوا الأزمة على حساب دافع الضرائب الأميركي.

وأغلبية المعارضين في مجلس النواب والشيوخ كانت من الفئة الأولى.

العراق والعجز الحكومي الأميركي
لكن كل ما سبق يفسر الآلية الداخلية للرأسمالية الأميركية التي أنتجت الأزمة، لكنه لا يفسر توقيت الأزمة، ومدى حدتها. فعوامل الأزمة موجودة في بنية النظام الرأسمالي نفسه، وسبق أن انفجرت فقاعات مضاربة من قبل دون أن تؤدي للانهيار أو الذوبان، لأن الرأسمالية الأميركية كانت قادرة أن تحل أزمتها تاريخياً على حساب غيرها.

وتفسير الأزمة الأخيرة بأن سببها أساسا إعطاء القروض لمجموعة أشخاص غير مؤهلين لحملها فيه تسخيف للعقول، وفيه شيء من العنصرية البغيضة، لأن قسماً لا بأس به ممن تم التساهل في منحهم القروض جاؤوا من صفوف الأقليات العرقية في الولايات المتحدة.

"
سبب الأزمة الداخلي والبنيوي هو لاعقلانية رأسمالية المضاربة، والترابط الوثيق بين الأجزاء المكونة للاقتصاد الرأسمالي ضمن أميركا وخارجها
"
فهناك أولاً العجز السنوي في الموازنة الحكومية الأميركية الذي بلغ السنة المالية 2007-2008 حوالي 455 مليار دولار، بدون المبالغ المخصصة لإنقاذ الاقتصاد، ويتوقع أن يبلغ ضعف ذلك الرقم السنة المالية القادمة.

ويشكل تراكم هذه العجوزات السنوية الدين العام الأميركي، وقد تخطى عتبة عشرة تريليونات دولار مع نهاية السنة المالية يوم 30/9/2008. ويوم 4/10/2008 تم رفع سقف الدين العام المسموح به إلى 11.3 تريليون دولار.

يُشار إلى أن أكثر من 40% بقليل من الدين العام تدين به مؤسسات حكومية أميركية لمؤسسات حكومية أخرى. أما الباقي فيملكه أثرياء الأميركان والأجانب.

الدين العام الأميركي للأجانب يبلغ أكثر من الربع، وتأتي اليابان على رأس قائمة مالكي السندات والأذونات الحكومية الأميركية، تليها الصين الشعبية، ثم بريطانيا.

ويلاحظ النمو الانفجاري في العجز الحكومي الأميركي منذ مجيء بوش الصغير للحكم، وكان قد وعد بفائض سنوي قدره تريليون وربع بين عامي 2001 و2004، لكن ذلك انقلب إلى عجز مقداره 850 مليارا لعام 2005، فسره بوش آنذاك هكذا "49% إعادة تقدير اقتصادية وتقنية، 29% إعفاءات ضريبية، و22% للحرب على الإرهاب، وفي العراق ولتعزيز الأمن الداخلي"!

لكن هيهات! فالحرب في العراق حتى بدايات عام 2008 كلفت الخزينة الأميركية 845 مليار دولار بشكل مباشر. وكتب البروفسور جوزيف ستيغلتز، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، كتاباً مع مؤلفة أخرى هي ليندا بيلمز صدر يوم 3/3/2008، ويحمل عنوان "حرب الثلاثة تريليونات دولار" يقولان فيه إن الكلفة المباشرة وغير المباشرة لحرب العراق على الاقتصاد الأميركي بلغت على الأقل، وبحسابات صارمة للغاية، أكثر من ثلاثة تريليونات من الدولارات.

وقالا إن ذلك كان سيُحدث كساداً كبيراً في الاقتصاد الأميركي لو لم تتساهل البنوك بالإقراض، ولو لم يخفض البنك المركزي معدلات الفائدة بشكل كبير، لذلك اعتبر المؤلفان أن العراق لعب دوراً رئيسياً في حدوث الأزمة المالية الأميركية.

ويضيف ستيغلتز وبيلمز بالمناسبة أن حل الحكومة الأميركية للمشكلة يكمن في الاستيلاء على الصناديق السيادية العربية، وهي الصناديق الاستثمارية العربية المملوكة حكومياً التي تحتوي أصولها المالية الأسهم والسندات والعقارات والمعادن الثمينة وغيرها.

المهم، لولا المقاومة العراقية لما تكلفت أميركا ثلاثة تريليونات دولار في العراق حتى الآن. هذا هو فضل العراق على العالم.

من ناحية أخرى، تعاني الولايات المتحدة من عجز مزمن في حسابها الجاري منذ بداية الثمانينيات، وقد تفاقم هذا العجز بشكل جنوني منذ مجيء بوش للحكم، وبلغ 758 مليار دولار مثلاً عام 2006، وانخفض إلى حوالي 739 مليارا عام 2007، ليعاود الارتفاع إلى نسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي في النصف الأول من عام 2008، ليصل إلى 359 مليارا فقط خلال الأشهر الستة الأولى.

"
تورط أميركا في العراق أتاح لقوى جديدة في العالم أن ترفع رأسها وأن تأخذ مكانها في حلبة السياسة والاقتصاد العالميين، مما أضعف حيز المناورة المتاح لأميركا في التعامل مع الأزمة
"
العجز في الحساب الجاري يعني أن أميركا تستورد أكثر مما تصدر، أو أن عائدات أصولها في الخارج أقل من عائدات الأصول الأجنبية في أميركا، أو أن حكومتها تنفق في الخارج أكثر مما تنفق الحكومات الأجنبية في أميركا، أو كل هذا أو بعضه معا.

ومن المعروف في المالية الدولية أن العجز في الحساب الجاري يجب أن يوازيه فائض في الحساب الرأسمالي. وهذا يعني أن من يستورد أكثر مما يصدر إما أن يقترض من الخارج، وإما أن يبيع أصوله المحلية للأجانب. وأميركا تفعل الأمرين معا.

التدفق المالي الآتي من الخارج إذن على شكل قروض لأميركا أو على شكل استثمارات يجب أن يجد منافذ استثمارية مربحة بالنسبة له، ومن هنا نفهم التساهل في الإقراض، وانفلات عمليات المضاربة من عقالها لتحقيق عائد سريع، حتى باتت الرأسمالية الأميركية تقتات على لحمها.

ولما كانت أميركا قادرة أن تطبع الدولار بلا حسيب ولا رقيب، والعالم يطلب الدولار كعملة عالمية، فإن العجز المتفاقم في الحساب الجاري ظل عاملاً كامنا للأزمة، ولكنه ما كان ليتحول إلى أزمة إلا إذا قل الطلب العالمي على الدولار، أو قلت رغبة العالم في شرائه، وهو ما حدث مع دخول اليورو على الخط، ومع خوف الصين واليابان وغيرها على قيمة احتياطاتها من الدولار بسبب التوجس من حالة الاقتصاد الأميركي وانخفاض الدولار مع ارتفاع سعر النفط.

والخلاصة أن سبب الأزمة الداخلي والبنيوي هو لاعقلانية رأسمالية المضاربة، والترابط الوثيق بين الأجزاء المكونة للاقتصاد الرأسمالي ضمن أميركا وخارجها. لكن عوامل الأزمة البنيوية ما كانت لتنفجر، وفي هذا الوقت وبهذه الحدة، لولا تمتع أميركا بموقع إمبراطوري في العالم أتاح لها على مدى عقود أن تستهلك من خلال طباعة الدولار فقط، والأهم، لولا تفاقم العجز الحكومي الأميركي الذي تصاعد بشكل أسِّي في ظل بوش بسبب حروب أميركا في الخارج، خاصة في العراق.

وتورط أميركا في العراق أتاح بدوره لقوى جديدة في العالم أن ترفع رأسها وأن تأخذ مكانها في حلبة السياسة والاقتصاد العالميين، مما أضعف حيز المناورة المتاح لأميركا في التعامل مع الأزمة.

لكن هذا ليس بالضرورة نهاية المطاف بعد، بل يعتمد على:
أ – قدرة الولايات المتحدة على تصدير أزمتها للعالم، خاصة للعرب، وما زالت هذه الإمكانية قائمة
ب – استعداد القوى الصاعدة، مثل الصين، لاتخاذ إجراءات عملية لتحجيم أميركا مثل إلقاء حمولتها الضخمة من الدولار في السوق وتحمل الخسائر مما يمكن أن يدمر الدولار تدميرا
ج - تصاعد المقاومة للهيمنة الأميركية الصهيونية على العالم مما يفاقم العجز الحكومي الأميركي بالضرورة.

للعودة إلى المقدمة والجزء الأول والثاني:

- المقدمة
- تعريف الأزمة المالية وأسبابها
- انتقال الأزمة
__________________
كاتب فلسطيني وأستاذ في الاقتصاد

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة