تركيا والشرق الأوسط في الميزان الأميركي   
الأربعاء 1428/11/26 هـ - الموافق 5/12/2007 م (آخر تحديث) الساعة 8:10 (مكة المكرمة)، 5:10 (غرينتش)
غازي دحمان


- التعايش تحت المظلة الأميركية
- تدهور مكانة تركيا
- تركيا تبحث عن دور

تلح التطورات الحاصلة في المنطقة، والسياقات التي تجري في إطارها يوما إثر يوم، على إظهار مدى عمق المتغيرات الجارية في متضمنات الإستراتيجية الأميركية تجاه المنطقة.

فقد بات جليا أن صانعي تلك الإستراتيجية مزقوا خرائط الشرق الأوسط القديمة وهم بصدد وضع أو تثبيت خرائط أخرى تتفق مع رؤيتهم وتصوراتهم لمصالحهم، إذ كانوا دائما يشتكون من أن التركيبة الجيوسياسية للمنطقة التي هي إلى حد بعيد نتاج الذهنية الاستعمارية البريطانية الفرنسية باتت غير مجدية، وذات تكلفة عالية لم تعد واشنطن راغبة في دفع مستحقاتها ولا التكيف مع واقعها ومقتضياتها.

لم تبذل إدارة بوش عناءً كبيرا في إخفاء إستراتيجيها هذه لأنها عبرت عنها في مناسبات كثيرة، سواء عبر طرحها لمشاريع الشرق الأوسط الجديد والكبير، أو عبر طرحها لآليات تشكيل هذه المنطقة وإعادة تركيبها بحيث تتفق خطوط تقسيمها الجديدة مع الأيديولوجية الأميركية (الليبرالية)، ومع مصالحها وقدراتها على الإيفاء بالالتزامات المترتبة على هذا الوضع.

"
الجديد في الإستراتيجية الأميركية أنها تدرج في متضمناتها حلفاء إستراتيجيين في المنطقة بحجم تركيا، وبدرجة أقل إسرائيل التي يتم إلزامها بإقامة دولة فلسطينية جديدة وإرغامها على دفع القسط المترتب عليها للتعايش تحت مظلة الهيمنة الأميركية
"
التعايش تحت المظلة الأميركية

وبناء على ذلك يمكن رسم أهم ملامح هذه الإستراتيجية كالآتي:
1ـ إحداث تغييرات جيوبوليتيكية عميقة في بنية الشرق الأوسط الجيوإستراتيجية والجيوسياسية، محولة إياها إلى أعباء ومخاطر متفجرة.

2ـ هز التوازنات في المنطقة وخاصة تلك التي تأسست استجابة للخطر الأميركي الداهم في العراق.

3ـ إدخال دول المنطقة في لعبة تناقضات هائلة، سواء من خلال العبث بمكوناتها الداخلية أو عبر توتير الإطار الإقليمي العام.

4ـ جعل الدول في حالة من القلق والخوف على مصائرها ليتسنى بعد ذلك تقليل قدراتها على المساومة.

5ـ إنهاء أو إلغاء سياسة التوكيلات التي اعتمدتها السياسة الأميركية في مراحل سابقة مع بعض القوى الإقليمية، واتباع سياسة تقليص الأحجام.

الجديد في هذه الإستراتيجية أنها تدرج في متضمناتها حلفاء إستراتجيين في المنطقة بحجم تركيا، وبدرجة أقل إسرائيل، التي سيتم إلزامها بإقامة دولة فلسطينية جديدة، وإرغامها على دفع القسط المترتب عليها للتعايش تحت مظلة الهيمنة الأميركية على المنطقة.

تدهور مكانة تركيا
أما بالنسبة لتركيا فإنه بالرغم من وجود إمكانات وفرص واسعة تدفع باتجاه علاقة إستراتيجية قوية بينها وبين أميركا تتعلق بالموقع الجيوبوليتيكي الهام والقدرة العسكرية، والدور السياسي والإستراتيجي في إطار الإستراتيجية الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، بالرغم من كل ذلك، فإن تركيا في رأي بعض الإستراتيجيين قد فقدت مكانتها الجيوإستراتيجية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي لأسباب عدة على أكثر من صعيد.

1ـ على الطرف الروسي: لا تبدو تركيا مغرية بحجم التشيك وبولندا، البلدين الملاصقين للعمق الحيوي الروسي.

2ـ في آسيا الوسطى تراجع الدور التركي، وخاصة بعد فشل الأطر التي حاولت أنقرة تنظيمها في إطار أخوة الشعوب التركية، وبعد الاختراق الأميركي لأوزبكستان وتركمانستان الدولتين الغنيتين بالنفط والغاز.

3ـ أما في الشرق الأوسط فربما تكون تركيا قد ارتكبت من الناحية الإستراتيجية خطأ فادحا بدفعها واشنطن إلى البحث عن بدائل أقل طلبا واشتراطا، عندما رفضت عبور القوات الأميركية إلى العراق، وهو ما دفع أردوغان إلى التمني لو أن الزمن يعود إلى الوراء.

وبالرغم من الجهود الحقيقية التي بذلها العسكر في سبيل ترميم مكانة تركيا الإستراتيجية من خلال تشجيعهم "لعبة الأمم" في المنطقة، بنشاط المؤسسة العسكرية في التعاون مع مخططات واشنطن وإسرائيل في آسيا الوسطى والشرق الأوسط عبر محاصرة أرمينيا والعراق وإيران وسوريا، سواء من خلال الحلف مع إسرائيل ضد سوريا، أو التحالف مع أذربيجان ضد أرمينيا، حاولت تركيا تقديم نفسها من الناحية الإستراتيجية على أنها فاعل مهم في منطقة آسيا الوسطى ذات الإمكانات النفطية الواعدة في سعي منها لترميم صورتها الجيوإستراتيجية.

إلا أن كل هذه المساعي لم توقف حقيقة تدهور مكانة تركيا الإستراتيجية في الميزان الأميركي، مع أن واشنطن كانت قد وعدت عام 2002 على لسان السيناتور جون ماكين بأن تمنح أنقرة فرصة المشاركة في صياغة الترتيبات الخاصة بالمنطقة في مرحلة ما بعد الضربة الأميركية وسقوط نظام صدام حسين.

"
تركيا في رأي بعض الإستراتيجيين فقدت مكانتها الجيوإستراتيجية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي لأسباب عدة على أكثر من صعيد
"
هذا الأمر يضمن لأنقرة دورا محوريا في تاريخ المنطقة، كما يمنحها حضورا أهم في صياغة تفاعلاتها المستقبلية على نحو يخدم مصالح تركيا الإستراتيجية على الصعيدين الداخلي والخارجي، خصوصا فيما يتعلق بالقضية الكردية، والعلاقات الإقليمية مع دول الجوار.

بيد أن ذلك لم يكن سوى مجرد وعود ملتبسة، إذ إن واشنطن لم تقدم إجابات صريحة وواضحة عن كيفية المحافظة على المصالح الإقليمية التركية، في الوقت الذي تكون فيه عرابة "الدولة" الكردية في الشمال العراقي.

وهذا هو ما دفع تركيا إلى رفض إنزال الفرقة الرابعة الأميركية في أراضيها قبل الحرب بأيام قليلة، وفي حينها أقسم الجنرال الأميركي الذي قاد الحرب على العراق تومي فرانكس على أن يدفع قادة تركيا الصاع صاعيْن.

غير أن الرأي السائد هو أن ما يحصل الآن ليس موقفا شخصيا، بل مواقف في صميم العمل الإستراتيجي والتخطيط لمستقبل المنطقة.

وقد عرفت العلاقات الأميركية التركية بعد ذلك تدهورا كبيرا بسبب عدم انسجام السياسات الأميركية مع مصالح السياسة الخارجية التركية في العديد من الملفات.

تركيا تبحث عن دور
ويرى غراهام مولر نائب رئيس مجلس الاستخبارات الوطنية التابع لـ"سي آي أيه" أن تركيا الجديدة تسعى إلى ترسيخ علاقات جيدة مع محيطها بحيث تشمل جميع الدول واللاعبين، وهي تلعب دور الوسيط في الشرق الأوسط لإدماج الراديكاليين في السياسة.

وقد أدى انتهاء الحرب الباردة إلى إتاحة الفرصة أمام تركيا لأن تتبع سياسة أكثر مرونة تجاه قضايا المنطقة، فكانت فاعلا دوليا أساسيا في مناطق عدة كوسط آسيا وإقليم البحر الأسود والبلقان إضافة إلى منطقة الشرق الأوسط.

ويمكن تلخيص نقاط الخلاف في السياسة الخارجية بين أنقرة وواشنطن في الآتي:
1ـ الخلاف في الشأن الكردي حيث كانت السياسة الأميركية تجاه العراق على مدار ستة عشر عاما الماضية ذات نتائج كارثية على تركيا.

2ـ الخلاف على الإرهاب حيث تسببت السياسات الأميركية في الشرق الأوسط في تحريض العنف والتطرف عبر المنطقة وأتت بالقاعدة إلى تركيا.

3ـ الخلاف بشأن إيران وسوريا، حيث ترى تركيا أن الضغوط الأميركية على إيران تزيد من تطرف وعزلة إيران وهو أمر غير مستحب لدى تركيا، كما أن أنقرة ترفض الضغوط لتهميش سوريا وعزلها.

4ـ الخلاف في الشأن الأرميني، حيث إن السياسات والتصريحات الأميركية ألهبت الجو ضد تقارب محتمل بين الأتراك والأرمن ومنعت طي صفحة الماضي.

"
تركيا "الجديدة" بزعامة التيار الإسلامي تبدو ناشطة دبلوماسيا وإستراتيجيا لإعادة التموضع بعد سقوط دور تركيا القاعدة الغربية المتقدمة في زمن الحرب الباردة، لمصلحة تركيا الجسر بين الشرق الإسلامي الآسيوي الواسع والجديد، والغرب المتجدد والمتغير
"
ومن الواضح أن أنقرة باتت تدرك اللعبة الأميركية تجاهها، فتركيا بكل أطيافها وتلاوينها السياسية والأيديولوجية باتت متفقة على أن ثمة إستراتيجية أميركية جديدة تهدف إلى إرباكها وحشرها.

فحزب العمال الكردستاني ليس مهيمنا هناك، حسب نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري أنور أويمين، بل الأساس هو الولايات المتحدة التي تحمي الرئيس العراقي جلال الطالباني، و"رئيس" حكومة إقليم كردستان مسعود البارزاني.

ويرى أن أميركا تستطيع لو أرادت إنهاء حزب العمال في أيام، معتبرا أن الإدارة الأميركية الحالية تدعم أكراد العراق لأنها تريد إقامة قواعد عسكرية هناك، خاصة أن المنطقة الكردية تحتوي 41% من نفط العراق.

من جهتها صحيفة ميللت رأت أنه من الخطأ وضع اللوم كله على حزب العمال الكردستاني، لأن التطورات أكدت أنه لا يعيش إلا بحماية الطالباني والبارزاني ورعاية الولايات المتحدة الأميركية، موضحة أن الجيش الأميركي الذي يمشط أفغانستان مغارة مغارة، وبمساعدة من تركيا يبقى متفرجا على مسلحي حزب أوجلان.

وهذه ازدواجية غير أخلاقية تتعارض مع مبادئ حلف الأطلسي، وترى أن واشنطن لا تريد فقدان حليفها في العراق، أي أكراد شمال العراق واليوم على أميركا أن تختار، "الكرة في ملعبها".

انطلاقا من كل ذلك تدرك تركيا أنها تختار اللحظة العسيرة التي يواجه فيها الاحتلال الأميركي للعراق مآزق عديدة، وأن إدارة الرئيس جورج بوش في غنى عن ورطة جديدة، إذا أدى أي توغل في شمال العراق إلى صدامات عسكرية مع الحليف الأول للأميركيين هناك.

مقابل ذلك فإن تركيا "الجديدة" بزعامة التيار الإسلامي تبدو ناشطة دبلوماسيا وإستراتيجيا عبر التحول الناشط لإعادة التموضع بعد سقوط دور القاعدة الغربية المتقدمة في زمن الحرب الباردة، لمصلحة دور الجسر بين الشرق الإسلامي الآسيوي الواسع والجديد، والغرب المتجدد والمتغير.

وهذا هو ما يفسر الاهتمام التركي الكبير بالشرق الأوسط وبإنهاء حالة العداء الأيديولوجي مع العالم العربي، إضافة إلى مساعي تركيا إلى تثمير خيارات أخرى إسلامية وآسيوية أوسطية، فهل يدفع ذلك إلى تثقيل كفة تركيا في الميزان الإستراتيجي الأميركي الجديد؟

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة