ماذا سيحدث في اليوم التالي للانسحاب؟   
الاثنين 28/8/1431 هـ - الموافق 9/8/2010 م (آخر تحديث) الساعة 16:46 (مكة المكرمة)، 13:46 (غرينتش)
فاضل الربيعي


في حالة العراق الراهنة، يبدو من الواضح أن الاحتلال الأميركي خلق أوضاعا شاذة ومتناقضة، يغدو فيها حتى موضوع الانسحاب العسكري كمطلب وطني، موضوعا خلافيا بين مختلف القوى السياسية والاجتماعية، يرى فيه البعض مصدرا لتهديد جديد ومتعدد الأبعاد، والبعض الآخر يرى فيه انتصارا وطنيا.

هذا الخلاف في الموقف من الانسحاب يمكن أن يتحول في أي لحظة إلى مادة مفجرة لتناقضات جديدة وعنيفة.

ويستطيع المراقب عن كثب، أن يدرك عمق هذه التناقضات حين يسمع اليوم السؤال التالي، وحيث تتعالى أصوات النقاش في كل مكان هل الانسحاب انتصار وطني أم خطر قد تنجم عنه أخطار أكبر؟ أي هل هو انتصار سياسي تنجزه قوى ارتبطت بالاحتلال أم هو مصدر تهديد آخر تلعب هذه القوى نفسها دورا جديدا في تصعيده؟

لذلك، وفي أجواء التناقضات هذه، لن يكون اليوم التالي للانسحاب، يوم استقلال وطني حقيقي. وبكل تأكيد لن يكون يوم استرداد للاستقلال الأول الذي تحقق فعليا قبل نحو خمسين عاما.

على الأرجح سيكون يوما شبيها بيوم سابق على الانسحاب. وبكلام آخر أكثر إيجازا فإن ما بعد الانسحاب هو ما قبل الانسحاب، إذ كيف يمكن وفي أجواء الخلاف حول هذه المسألة المصيرية، أن نتخيل مجرد تخيّل أن اليوم التالي هو اليوم نفسه الذي يستحق أن يضعه التاريخ، وبجدارة في مصاف العيد الوطني الرسمي، وليس أي يوم آخر.

ومع ذلك، وفي يوم الانسحاب الموعود هذا، قد تعزف الفرق الموسيقية العراقية المارشات العسكرية نفسها التي يعزفها جيش بلد محتل في وداع الجيش الغازي.

"
الأميركيون سيتركون العراق أمانة في أعناق خمسين ألفا من جنودهم، بينما تدير طبقة سياسية مدربة دفة الصراع الداخلي الذي سوف يتغذى لسنوات وسنوات قادمة من تدخلات إقليمية معقدة، لا تني أن تتعقد أكثر فأكثر
"
وقد يؤدي الجنود التحية العسكرية نفسها التي يؤديها جيش بلد محتل، لجنود وضباط جيش الاحتلال، قبل أن يستقل هؤلاء مركباتهم وطائراتهم وسفنهم عائدين إلى بلادهم، فمثل هذا المشهد يمكن أن يتكرر ويحدث في النهاية، حين يحزم الأميركيون أمتعتهم للرحيل.

بيد أن هذا التماثل الشكلي في مراسيم الوداع سيظل مجرد تماثل عابر ولا قيمة له من الناحية التاريخية والسياسية، لأن الانسحاب سيظل في الجوهر، شبيها بانسحاب، ينجم عنه استقلال شبيه بالاستقلال.

اليوم التالي للانسحاب إذًا سيكون شبيها بيوم سابق على الانسحاب. لا شيء يكون قد تغيّر، فالأميركيون، بكل تأكيد لن يغادروا بقضهم وقضيضهم، مهزومين وفارين من المعركة، بل هم يتركون العراق أمانة في أعناق خمسين ألف جندي، سوف يسهرون الليالي داخل قواعدهم الحصينة طوال سنوات وسنوات، بينما تدير طبقة سياسية مدربة دفة الصراع الداخلي الذي سوف يتغذى لسنوات وسنوات قادمة من تدخلات إقليمية معقدة، لا تني أن تتعقد أكثر فأكثر.

إن المتأمل في خطاب الانسحاب الذي أنشأته الطبقة السياسية في العراق منذ وقت مبكر من الاحتلال، سيلاحظ أنه يتضمن أفكارا وتصورات متناقضة لا سبيل إلى التوفيق بينها. من ذلك، أن الانسحاب قد يؤدي إلى حرب طائفية تندلع من داخل أجواء الفراغ الأمني، وفي الوقت ذاته يقال إنه سوف يعيد السيادة كاملة لهذا البلد ذي الحظ التعيس، فهل اليوم التالي هو يوم عودة السيادة أم يوم عودة العنف الطائفي؟

يتطلب تفكيك أحجية الانسحاب هذه إثارة الجانب الأكثر أهمية وحيوية في المسألة الاستعمارية الجديدة، أي إثارة الأسئلة المتعلقة بكيفية فهم طبيعة تطور محتوم من هذا النوع، وهل سيؤدي بالفعل إلى نهاية حقيقية للاحتلال وزواله، أم أنه سيؤدي -على العكس- إلى وضع البلد في قلب أخطار جديدة؟

لقد استوحت الطبقة السياسية فكرة ومضمون الانسحاب كانتصار وكمصدر تهديد في الآن ذاته، من خطاب أميركي شائع مليء بالتناقضات، فهو يقول إن هذا البلد أصبح قادرا على مواجهة التحديات بمفرده، ولكن الأميركيين وهم يتركون العراق لأهله لا يضمنون بقاء البلد هادئا، وهذا هو لبّ التناقض الذي نلاحظه في موقف الطبقة السياسية.

إذا ما سلمنا بإمكانية أن الانسحاب انتصار وطني، فهل يمكن لمثل هذا الانتصار أن يحقق الاستقلال الثاني للعراق؟

إن تاريخ التحرر الوطني يعلمنّا أن كل جلاء، من أجل أن يكتسب معناه ومضمونه كانسحاب عسكري لجيش أجنبي من بلد أجنبي آخر، يجب أن يرتبط بتلبية وإنجاز مطلب الاستقلال في هذا البلد، ولا شيء آخر.

وهذا هو جوهر المسألة غير المطروحة للنقاش اليوم مع اقتراب موعد رحيل القوات الأميركية. وكما في كل تجارب التحرر الوطني أو معظمها فإن اليوم التالي للجلاء هو يوم الاستقلال الوطني الذي يحتفل به السكان في بلدهم الذي سوف يصبح محررا ومستقلا.

وهذا ما لا يبدو أنه يمكن أن يحدث، فالعراقيون جميعا -حتى المتحمسين منهم- خائفون وقلقون من نتائج الانسحاب.

"
عامة الناس بالعراق يشعرون بالحيرة والقلق ولا يكادون يدركون بوضوح، هل اليوم التالي للانسحاب الأميركي سوف يشهد انفجار الأوضاع في هذا البلد أم إنه سيكون يوما عاديا آخر من أيام الاحتلال المستمر بأشكال أخرى
"
إن عامة الناس تشعر بالفعل بالحيرة والقلق ولا تكاد تدرك بوضوح، هل اليوم التالي سوف يشهد انفجار الأوضاع في هذا البلد أم إنه سيكون يوما عاديا آخر من أيام الاحتلال المستمر بأشكال أخرى.

ليست عامة الناس وحدهم من يشعر بالحيرة، فالسياسيون بكل أطيافهم أيضا -من أقطاب وأنصار النظام السابق إلى أقطاب وأنصار النظام الحالي- يشعرون باقتراب لحظة الخطر، بل إن إيران وهي المتهمة بالتدخل السافر وبأنها المستفيد الأكبر من هذه الخطوة تبدو وكأنها تعيش لحظات القلق ذاتها.

خذوا مثلا ما قاله طارق عزيز نائب رئيس الوزراء في النظام السابق مؤخرا لصحيفة بريطانية شهيرة من أن الأميركيين "يتركون العراق للذئاب" وأن عليهم أن يتراجعوا عن خطوة سحب قواتهم المقاتلة.

بينما قال الرئيس الإيراني أحمدي نجاد في يوم تصريحات عزيز ذاته وبلهجة احتجاجية أن لا مبرر لسحب القوات من العراق لأجل دعم الوجود الأميركي في أفغانستان.

في هذا الإطار، يمكن أن يلاحظ المرء كيف أن الطبقة السياسية في العراق تعيش في قلب هلع حقيقي من "فكرة الانسحاب"، بينما هي تقوم بتصويره كانتصار. الأكراد مثلا لم يخفوا ولا لحظة واحدة قلقهم وانزعاجهم ومخاوفهم، حتى إن وزير الخارجية هوشيار زيباري تحدث مرارا وتكرارا عن شعور الأكراد بالإحباط لأن الأميركيين يتخلون عن العراق، وأن مخاطر هذه الخطوة ستكون هائلة.

فكيف يمكننا تفسير هذا التلاقي في المخاوف بين أقطاب متصارعة ومتناقضة في المصالح والرؤى، ولكنها في الوقت ذاته لا تكف عن الترويج لخطاب يقول إن هذا الانسحاب سوف يعيد للعراق حريته واستقلاله؟ فهل ترى الطبقة السياسية العراقية في الانسحاب انتصارا أم خطرا؟

مثلا، هناك من يرى أن الأميركيين إذا ما انسحبوا في الموعد المحدد فإن اليوم التالي لانسحابهم قد يشهد تطورات أمنية خطيرة، وأن إيران تتأهب لتطبيق "إستراتيجية ملْء الفراغ الأمني".

يعني هذا أن اليوم التالي للانسحاب لن يكون يوما سعيدا ولا تاريخيا ولا مماثلا ولا شبيها بأيام الاستقلال الوطني التي عرفها العرب في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، عندما عاشوا بعمق وجداني لحظات جلاء الجيوش البريطانية والفرنسية والإيطالية عن أراضيهم، تغمرهم مشاعر الفخر والسعادة بأن التضحيات الغالية أثمرت في نهاية المطاف انتصارا وطنيا.

على العكس من ذلك، قد يجد العراقيون بلدهم وقد سقط في دوامة فوضى مدمرة، لأن قوى أخرى داخل المجتمع العراقي، مسلحة ومدرّبة قد تكون متأهبة لمواجهة من يفكرون بملء الفراغ الأمني.

كما أن مشهد الانسحاب هذا لن يصبح بأي صورة من الصور مماثلا ولا شبيها بمناظر ومشاهد جلاء الجيوش الأجنبية من البلدان التي أنجزت تحررها بثورات وطنية كبرى.

صحيح أن الأميركيين تكبدوا الكثير من الخسائر الفادحة طوال السنوات السبع الماضية، لكن الصحيح أيضا أنهم لا يهربون اليوم من البلد الذي قاموا باحتلاله كما هربوا من فيتنام.

إنهم بكل يقين لا يتركونه مستقلا ولا محررا ولا مستقرا، ولأن خطط الانسحاب تثير، فضلا عن هذا الجانب من التناقضات، قلقا ومخاوف حقيقية عند الكثير من الأطراف المحلية والإقليمية، فإن من الصعب على المرء تخيل أن اليوم التالي سيكون عيدا وطنيا.

"
جوهر التناقض في جانب من تصورات الطبقة السياسية العراقية للانسحاب أنه يجعل الانسحاب من جهة تنفيذا لالتزامات أوباما بترك العراق وتمكينه من العودة إلى وضع "الدولة الطبيعية"، ولكنه من جهة أخرى خلاصة اتفاق مع بغداد الرسمية على إبقاء قوة أميركية مسلحة ضخمة في العراق
"
إن تفكيك خطاب الانسحاب يتطلب رؤية التناقضات التالية:
أولا: إن هذا الخطاب يقوم على تصورات، هي تكرار لفكرة واحدة مفادها أن الإدارة الأميركية في عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما ملتزمة بصدق بتعهداتها، وهي بخلاف إدارة بوش السابقة، تتجه إلى منح العراق "وضع الدولة الطبيعية" من خلال تنفيذ برنامج الانسحاب العسكري كما جرى الاتفاق عليه مع أقطاب الطبقة السياسية.

بيد أن هذا الالتزام لا يتضمن بأي صورة من الصور، تعهدا حقيقيا بترك العراق للعراقيين، أي بتحقيق وعد الاستقلال الوطني الناجز والتام.

وعلى العكس من ذلك، يأتي الانسحاب كتعبير عملي عن تطبيق مادة أساسية في الاتفاقية الأمنية الإستراتيجية المبرمة بين واشنطن وبغداد، تنصّ من بين ما تنصّ عليه أن يجري تنفيذ برنامج الانسحاب العسكري وفقا لاتفاق رسمي، يتضمن إبقاء نحو خمسين ألف جندي أميركي يظلون داخل قواعد آمنة لوقت غير معلوم.

إن لبّ وجوهر التناقض في هذا الجانب من تصورات الطبقة السياسية العراقية للانسحاب، أنه ينطوي على فكرتين متناقضتين، فالانسحاب من جهة، هو تنفيذ لالتزامات أوباما بترك العراق وتمكينه من العودة إلى وضع "الدولة الطبيعية"، ومن جهة أخرى هو خلاصة اتفاق مع بغداد الرسمية على إبقاء قوة مسلحة ضخمة تعدادها خمسون ألف جندي، فهل هو انسحاب أم توافق على إعادة انتشار جديدة لجيش الاحتلال؟

ثانيا: لفهم طبيعة وحدود هذا التناقض يمكننا أن نلاحظ أن إيران مثلا، لا تملك موقفا رسميا واحدا من مسألة الانسحاب. إنها تريد الأميركيين -في العلن- أن ينسحبوا، ولكن شرط أن تتوفر الظروف اللازمة التي تكفل حماية "النظام الحليف في بغداد".

وفي الآن ذاته تتمنى إيران سرا ألا يفعلوا ذلك، لكي يظل آلاف الجنود الأميركيين في الفخ العراقي.

بكلام آخر، تريد طهران رؤية انسحاب لا يهدد وجود النظام الحليف، ولكنها في الآن ذاته ولاعتبارات أخرى تتعلق بطبيعة الصراع مع الأميركيين في مناطق وملفات أخرى، تتمنى لو أن هؤلاء تناسوا فكرة الانسحاب من أساسها، وواصلوا حماقة البقاء أطول وقت ممكن.

ومع هذا فهي سوف تشعر باستمرار، بالقلق من وجود هذا العدد الكبير من الجنود داخل قواعد قريبة من حدودها، ويستحيل الوصول إليها بسهولة.

ثالثا: إن الأميركيين وهم يتأهبون للانسحاب يتركون العراق في وضع غرائبي.

لقد خلقوا له "أعداء" كثرا يتجولون كالأشباح في بلد محطم وخائف على مصيره، لا يعرف ماذا يفعل، هل يستعين بالإيرانيين لطرد الأميركيين، أم يستعين بالأميركيين لطرد الإيرانيين، أم يتركهما يتصارعان لسنوات أخرى فوق أرضه؟

الانسحاب ضروري ولكنه مخيف، فماذا سيحدث في اليوم التالي، عودة ما يشبه الاستقلال أم عودة لما يشبه الحرب الطائفية؟ الأمر الوحيد المؤكد هو أن اليوم التالي للانسحاب ليس يوم الاستقلال.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة