اليسار الخليجي ومفترق الطريق الأميركي   
الخميس 8/2/1432 هـ - الموافق 13/1/2011 م (آخر تحديث) الساعة 1:14 (مكة المكرمة)، 22:14 (غرينتش)
مهنا الحبيل


الأنموذج البحريني
التحالف مع الليبرالية الغربية
بين الجذور والواقع
المأزق المبدئي مع الإسلاميين

بقدر ما كان موقف الرمز التاريخي للحركة اليسارية في الخليج الدكتور أحمد الخطيب في إعلان تضامنه المركزي مع مجموعة "إلا الدستور" الكويتية الإصلاحية وخطابه القوي في دعمها -رغم انتماء شخصيات مهمة منها للتيار الإسلامي- مؤشرا تجديديا لمواقف الرجل المبدئية، كان ذلك الدعم علامة مهمة للمفارقة التي قدمها الدكتور الخطيب في الاتجاه المختلف كليا عن تغيرات الجسم الثقافي والسياسي للتيار اليساري في منطقة الخليج العربي خاصة في البحرين والسعودية الذي شهد حالات انكسار نوعي وانقلاب نحاول استعراض جوانب منها في هذه المقالة.

ونتساءل عن إمكانية عودة المراجعة التصحيحية لليسار الخليجي الذي مرّ بلا شك بتطورات كبيرة بعد نضال ومواجهات وانكفاءات، لكن تبقى قضية العلاقة الملتبسة بالعهد الجديد لواشنطن إحدى الإشكالات الرئيسية لمستقبل اليسار الخليجي بعد توزع مواقفه وانشطارها مبدئيا وسلوكيا.

الأنموذج البحريني
في لقاء مع الدكتورة منيرة فخرو المرشحة الخاسرة في الانتخابات البحرينية الماضية عن جمعية العمل الوطني الديمقراطي الممثلة للكتلة الكبرى من اليسار البحريني، مع برنامج حديث الخليج في قناة الحرة الأميركية الذي يقدمه الإعلامي الليبرالي الدكتور سليمان الهتلان، قدمت صورة مختلفة عن السائد في خطابها وفي خطاب جمعية "وعد".

"
في حين ارتهنت غالبية القاعدة الانتخابية الشيعية في البحرين لفتوى التصويت فقط لمرشحي جمعية الوفاق الذراع السياسية للطائفية الشيعية, رفضت القاعدة السنية التصويت لمرشحي الحزبية السنية فقط
"
وهذا الخطاب كان أول رد إعلامي على الحصيلة الانتخابية التي كان أبرزها قرار الكتلة الوطنية للناخبين المتمثلة بالقاعدة السنية التصويت للمرشحين المستقلين وللدكتورة فخرو اليسارية. وهو ما اعتُبِر قرارًا تأديبيًّا للحزبية السنية التي لم تحقق طموح الناخب البحريني، وهو ما شكّل صدمة لا تزال أصداؤها تتردد في شارع الصحافة البحريني.

أبانت الدكتورة فخرو كيف أنّها وجدت ذلك الزخم في الشارع الوطني الذي تحرك ذاتيا مع خطابها التنموي مقابل كل الحصيلة المرة لمراهنة "وعد" على حصولها على نصيب من تسخير الطائفية السياسية الشيعية للتصويت المشروط عليها بالتزامها دعم خطاب المحاصّة الطائفية، حيث تصوت كتلة الوفاق لجمعية وعد اليسارية بناءً على أمر المرجعية الطائفية وهو ما كانت وعد تحصل عليه إثر التزامها بخطة جمعية الوفاق الطائفية، أما هنا فتمردت القاعدة السنية على كتلتها الحزبية بناء على الرؤية الوطنية.

ولربما رمزت الصورة المثبتة لنشرة الديمقراطي في موقع وعد على الفيسبوك عن هذه الصدمة الشعورية, حيث توحي بهذا الاستشعار وهي الصورة التي تبرز إبراهيم شريف في حوار ودي مع أحد الشباب المتدينين السنّة في مخيمه الانتخابي الذي طالما هاجمته جمعية وعد.

ويبدو أنّ تأثير الصدمة من قرار الكتلة الانتخابية الوطنية كان كبيرًا، ففي حين ارتهنت غالبية القاعدة الانتخابية الشيعية في البحرين لفتوى المرجعية التي يمثلها الشيخ عيسى قاسم أي بالتصويت فقط لمرشحي جمعية الوفاق الذراع السياسية للطائفية الشيعية, رفضت القاعدة السنية استنزافها للتصويت لمرشحي الحزبية السنية فقط لأجل فزاعة التخويف من إيران.

ومع أن هذه القاعدة معروفة بحساسيتها الشديدة من التدخلات الإيرانية في البحرين والخليج العربي فإنها خرجت بقرار تاريخي كسرت فيه مستويات التقدير للعقل الوطني للاستقلال عن دفع الجمهور في مضمار التحشيد الطائفي, في حين جرى العكس مع الحالة الشيعية أي أنّ التصويت كان طائفيا بامتياز وبناء على قرار المرجعية, وهو ما شكّل حالة حرج كبيرة لمرشحي وعد اليساريين حلفاء الوفاق.

التحالف مع الليبرالية الغربية
لكن العودة إلى حلقة برنامج الهتلان في الحرة الأميركية تعطي مؤشرًا إلى الطريق الآخر الذي تخاطبه شخصيات اليسار وهو ما برز في استدعاء الدكتورة منيرة فخرو وحبورها الضافي بعلاقة جمعية وعد مع البرلمانيين الأوروبيين، والمفاجأة هي السبب الذي ربطت به الدكتورة منيرة حالة الحبور والانتشاء وهو حصول وعد على دعم الليبرالية الغربية وبحسب تصريحها اتحاد وعد مع القوة الكُبرى في برلمانات أوروبا المنتمية للأيديولوجية الليبرالية.

وسننطلق هنا من هذا المسار الذي سنناقشه كبعد فلسفي اجتماعي محض خارج سياق الحالة البحرينية لكونه حالة شكلت ظاهرة واسعة للعديد من الكتاب والمثقفين المحسوبين على التيار اليساري في منطقة الخليج العربي.

لكن لا بد أن أشير إلى الانحراف المنهجي الذي طرأ على حركة اليسار في الخليج العربي قديما منذ انكسارها في أواخر الستينيات وتحولها في اتجاه ثقافي مختلف لا يشمل التوجه الأصيل من الملتزمين بالقيم اليسارية المبدئية كالأستاذ عبد الله خليفة الكاتب البحريني اليساري والدكتور الخطيب, وشخصيات انسحبت من الساحة لقوة التحريض عليها من بعض الجهات الدينية ولكونها لا ترغب في تزكية زملائها الذين تحولوا إلى أزمة في الفكر والقيم لدى قطاع واسع من حراك اليسار الخليجي المعاصر الذي تكاد ترثه الليبرالية الغربية كاملا.

بين الجذور والواقع
وحتّى تتضح الصورة فإن مجمل الحراك اليساري العربي في قضاياه الرئيسية كان مرتبطا بمفهومين رئيسيين، الأول كفاح الطبقات المضطهدة أو المحرومة والاتحاد معها للحصول على حقوقها المعيشية والتنموية والسياسية.

والثاني الإيمان المطلق بأن محور الصراع المركزي مع العدالة الإنسانية وخاصة في فلسطين يتمثل في الإمبريالية الأميركية والبرجوازية الغربية الداعمة لها سواء كانت حكومات أو طبقة سياسية... فأين اليسار المتحول في الخليج من ذلك؟

إنّ الحاضن التاريخي حاليا لهذه الفكرة اليسارية الأصيلة لا يزال مرتكزا في أميركا اللاتينية أو الجنوبية وقد تطوّر أيديولوجيا بواسطة هوغو شافيز الذي بعث فكرة اليسار المؤمن الجديد الرافض لربط اليسار بقيم الإلحاد في موقفه الشهير ورفعه الإنجيل وخطابه الذي أعلن فيه أنّ الصراع ليس مع الدين بل مع سُرّاق الأراضي ومصالح الشعوب من مؤسسات التبشير الأميركية والأوروبية وهم يرفعون الإنجيل المزيف للأطلسي لا إنجيل السيد المسيح بحسب مفاهيمه.

"
موقف اليسار اللاتيني يتقارب بصورة كبيرة ويتضامن مع القضايا العربية كما جرى من حكومات اليسار في محرقة غزة, في حين تمارس الليبرالية الغربية نفاقًا شديدًا في قضايا إنسان الجنوب وحقوقه
"
وفي الوقت ذاته فإن موقف اليسار اللاتيني يتقارب بصورة كبيرة ويتضامن مع القضايا العربية كما جرى من حكومات اليسار في محرقة غزة, في حين تمارس الليبرالية الغربية التي رأت فيها مجموعات اليسار المتحول حليفا مقربًا نفاقًا شديدًا في قضايا إنسان الجنوب وحقوقه، بعكس قوى الفكر الإسلامي الإصلاحي وخاصة المستقل الذي يرى شافيز وحركة اليسار اللاتيني حليفًا إنسانيا لصراع مشترك يُشنّ على عالمهم الجنوبي من القوة البرجوازية الغربية ذاتها.

وقد يُستدرك على هذا الطرح بأنّ أوروبا تملك حراكا يساريا شارك بفعالية في قضايا الإنسان ورفض عهد الآلة الأميركية كمنظمة ويكيليكس ومناهضي العولمة كما تضامن مع العراق وفلسطين وأفغانستان ضد الحروب التي شُنّت عليهم.

والحقيقة أن هذا الحراك ينحصر في جماعات وعناصر يسارية شبابية حديثة وهي لا تدخل في شبكة الليبرالية الغربية، وهذه الكتلة الأيديولوجية الضخمة في الغرب هي التي رعت هذا التحول في اليسار المشرقي وهي التي زاوجت بينه وبين الطائفية السياسية وقلصت أطره وحراكه وعلائقه بالقدر الذي لا تُستنهض فيه هذه الشراكة مع اليسار الحر أو القوى الكادحة في مجتمعه، وهو المأزق الآخر لليسار المتحول إلى الليبرالية.

المأزق المبدئي مع الإسلاميين
يحاول حراك اليسار المتحول في الخليج تبرير عدائه الشديد للفكر الإسلامي السُّنّي تحديدًا من خلال ربطه المستمر بفكرة الثيوقراطية والتبعية للنظام الرسمي وتكريس هذا التيار التنازل عن القيم الحقوقية مقابل صوت الوصاية الدينية، في حين أن هذا اليسار يدعم هذا التوجه ذاته في الطائفية السياسية الشيعية!!

لكن الإشكالية الكبيرة التي تُحرج هذا اليسار المتحول هي أنه يعلم أنّ الحالة الإسلامية السُّنيّة تمّر منذ أكثر من عقدين بتحولات كبيرة تستدعي القيم الإسلامية الحقوقية والفكر النهضوي فضلا عن حالة التحام بالمجتمع الأوسط والمسحوق التي مثلتها حالة البعث الإسلامي رغم أخطائه.

وأضحت قريبة من قاعدة البروليتاريا حيث يتحول كثيرٌ من الإسلاميين إلى قوى رعاية اجتماعية لهذه المناطق والديمغرافيا الشعبية تلتصق بحالة الإنسان الضعيف وتشاركه الحياة والخبز، وإن وجدت حالات حزبية أو وعظية مرتزقة تختطف هذا الميدان، لكن الوضع العام يظّل يُسجل للحضور الإسلامي التكاتف فرديًّا وجماعيًّا مع الطبقات الكادحة.

وقد سبق أن عَرضَت دراسة مترجمة في موقع الحوار المتمدن اليساري لأحد مفكري حزب العمال الثوري اليساري المناهض لحزب العمال البريطاني وحملت هذه الدراسة قراءة جديدة وثورية في البعد الفلسفي الفكري خلص فيها القيادي الإنجليزي إلى أنّ على اليسار العالمي أن يُعيد تقييمه لحراك ومستقبل القوى الدينية. وقال إنّ الأمر لا يقتصر على مجرد التحالف مع هذه القوى بل رأى أنها تملك قرار التغيير المستقبلي في نهضة الشعوب والعالم المحاصر من قبل الإمبريالية والبرجوازية العالمية، وأن اليسار يجب أن يعيد وضعية موقفه من الإيمانيات الرئيسية واحترامها والخروج من عقدة "الدين أفيون الشعوب"، وكان يُركّز على الدين الإسلامي باعتباره قوة صعود كبرى تكاد تحتكر ساحة المستقبل.

ولو كانت هناك مقاربة موضوعية لدى اليسار العربي لكانت هذه الفكرة محل اهتمامه قبل غيره بالعلاقة مع الإسلاميين التي تشهد ساحتهم حراكا فكريا متفاعلا.

وهناك نظرة تقييمية مختلفة في قضية بدء مرحلة تصدع وانهيار التنظيمات الحزبية التي احتكرت الساحة الإسلامية وهذه النظرة تنطلق من أن صعود الاستقلال الإسلامي ببعده المتنوع حضاريا ونضاليا ودستوريا واجتماعيا يُمثّل نقطة انطلاق قوة للمشروع الإسلامي ووصوله إلى مرحلة كسر القالب الحزبي المتصدع إلى صناعة المشروع التقدمي الإسلامي المنصف مع البعد الحقوقي محليًّا وعالميًّا.

"
يتحد اليسار الخليجي مع فكرة التحرر السلوكي التي تعتمدها القوى الليبرالية الغربية بديلا عن الإصلاح الاقتصادي والسياسي والاكتفاء بحلقات الصراع مع البعد المحافظ لتفريغ الساحة الثقافية من حركة الوعي التقدمي للحقوق المدنية المتفقة مع الفكرة الإسلامية
"
هنا تبرز المفارقة الكبرى فاليسار المتحول يصطف مع الطائفية السياسية الغيبية ومع الليبرالية الغربية ضد هذا التيار ويتوافق ضمنيا مع الغرب في مواجهة التمرد الإسلامي واليسار الجنوبي, وهو ما تركّز في الفترة الأخيرة من خلال صيغ ومبادرات عديدة خلقت من هذه المجموعات تكتلات مساندة للفكرة الليبرالية متصلة بالأجواء البرجوازية ومتعلقة بها مستدعية التحريض الثقافي وأحيانا الأمني ضد الحالة الإسلامية في الخليج العربي بل مبررة في بعض المناطق لإعاقة الإصلاح السياسي، لكون الحراك الاجتماعي الإسلامي سيحصد نتائجه.

كما يتحد هذا اليسار الخليجي مع فكرة التحرر السلوكي التي تعتمدها القوى الليبرالية الغربية بديلا عن الإصلاح الاقتصادي والسياسي والحقوقي الشامل، والاكتفاء بحلقات الصراع مع البعد المحافظ لتفريغ الساحة الثقافية من حركة الوعي التقدمي للحقوق المدنية المتفقة مع الفكرة الإسلامية الحقوقية والدستورية.

وهذا لا يعني عدم وجود خلل عميق في القاعدة الشعبية إسلامية كانت أو محافظة قد يواجه الإصلاح الاجتماعي والحقوقي الفردي ويسيطر عليه العمق الثيوقراطي.

لكن المدقق في حركة اليسار المتحول يجد أن لديه استعدادا للتعاون حتّى مع هذه الثيوقراطية في بعدها الآخر ومع البرنامج الغربي حتى آخر لحظة، حتى أضحى المهم لدى تكتلات اليسار الثقافي الجديد هو منع فكر الإصلاح ما دام إسلاميا.

ولا حرج لديه في أن يهتف باسم اليسار لكن تحت رايات كراية المحافظين الأميركيين وراية الرئيس السابق جورج بوش الصغير وراية حاملة السفن الإمبريالية الإعلامية والسياسية والعسكرية التي تجوب العالم وقد كانت في الخليج العربي ولا تزال ترسو وتُبحر، ومناضلو اليسار الجديد يصطفون لتحية مشروعها الليبرالي.

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة