تونس.. أخطاء قاتلة عصفت بثورة واعدة   
الثلاثاء 13/2/1437 هـ - الموافق 24/11/2015 م (آخر تحديث) الساعة 15:28 (مكة المكرمة)، 12:28 (غرينتش)
سهيل الغنوشي


الفرصة النادرة التي أتاحتها الثورة للتحرر والإقلاع لا تضاهيها إلا فرصة الاستقلال، ولحظة انتصار الثورة كانت لحظة فارقة ووطنية بامتياز، لا مجال فيها للخطأ وإضاعة الوقت ولا تحتمل التحزب والتنظير، ولم ينقص الشعب المتحرر والمتحفز والثورة المنتصرة إلا قيادة وطنية صادقة متجردة لتطلعات الشعب وأهداف الثورة.

كان مطلوبا توجيه صحيح للبوصلة، والحفاظ على الاصطفاف الوطني والزخم الثوري وتصريفه في مشروع وطني للتحرر والنهوض، وإخراج الشعب بسرعة من النشوة وتأطيره وطنيا (لا حزبيا) لخوض المعركة ضد التخلف والتبعية بنفس الروح والتعبئة التي تخوض بها حركات التحرر والشعوب المحتلة معركتها ضد الاستعمار وآثاره.

(1)

لم تفرز الثورة قيادة ونخبا جديدة، فتقدمت النخب والأحزاب القديمة لتملأ الفراغ، واستأمنهم الشعب على الثورة وأهدافها، وليته ما فعل؛ فهنالك بدأ الانحراف والانتكاس، وأضاع هؤلاء أشهرا ثمينة في التجاذبات خارج الموضوع، بعد أن أخطؤوا التشخيص، حيث قرؤوا المشهد من زاوية المكاسب الشخصية والحزبية.

أغفلوا الشعب المعبأ والموحد والمتطلع إلى قيادة تقوده والثورة، وأغفلوا التبعية والأطراف المتنفذة والمتربصة، لم يروا من المشهد إلا الشغور الذي تركه المخلوع وحزبه فتسابقوا لوراثته (كأن الثورة قامت فقط لتخلي لهم مواقع السلطة)، وانشغلوا ببناء أحزابهم لتعظيم نصيبهم، وتنابزوا بالألقاب، ولم يروا في الشعب إلا أنصارا محتملين وأصواتا انتخابية تنازعوها، وتبين أن أحلامهم لا تتجاوز السلطة والبهرج.

لم تفرز الثورة قيادة ونخبا جديدة، فتقدمت النخب والأحزاب القديمة لتملأ الفراغ، واستأمنهم الشعب على الثورة وأهدافها، وليته ما فعل؛ فهنا بدأ الانحراف والانتكاس، وأضاع هؤلاء أشهرا ثمينة في التجاذبات خارج الموضوع بعد أن أخطؤوا التشخيص

وفي الأثناء، انتشى الشعب بالحرية فغرق في الثرثرة السياسية، وانتشت النخب بوضعها الجديد فانشغلت بالاحتفالات، واستقبلهم الشعب بحفاوة وعلّق عليهم آماله فخيبوا ظنه.

تكرر ما حدث للمسلمين في غزوة أحد عندما انقلب النصر إلى هزيمة سماها القرآن فشلا ومصيبة. ولذلك يحرص المدربون على إخراج اللاعبين بسرعة من النشوة، ولذلك يحرص القائد الناجح على الانتقال السلس والسريع بأتباعه بين المراحل، كما فعل الرسول صلى الله عليه وسلم قائد أنجح حركة تغيير في التاريخ.

تشخيص خاطئ وانتهازي، ونشوة مبكرة ومطولة، وانحراف عن العمل الوطني الذي يحفز ويوحد إلى العمل الحزبي الذي أحبط وقسم، ومن قيادة الثورة والشعب في معركة التحرر والنهوض إلى الصراع على السلطة قبل الأوان وفي أوضاع هشة. كانت تلك أولى الخطايا التي حادت بالثورة عن مسارها، ووجهت لها ضربات موجعة، خاصة أن التيه دام سنة كانت كافية لتبديد مكتسبات الثورة وتعطيل محركات التغيير، والمتمثلة في الزخم الثوري والحس الوطني والوحدة والطموحات العالية والمعنويات المرتفعة.

وكل من يفهم في القيادة يعلم أنه لا قيادة بلا زخم يوجهه القائد لتحقيق رؤيته بعد تحويلها إلى حلم شعبي ملهم، أما إذا غابت الرؤية يصبح الحديث عن القيادة لغوا.

(2)

كل ذلك كان قابلا للتدارك لو لم تكن تونس دولة تابعة، ولو لم يقع المحذور الذي قطع خط الرجعة؛ فالخطأ في الوجهة على خطورته قابل للتدارك ما لم يصحبه إصرار وتعطيل للفرامل وتحلل من الضوابط.

توافق الفرقاء -ولو ضمنيا- على التسليم بالوصاية الخارجية فسقط مطلب التحرر وانتفت إمكانية التغيير (فلا تغيير مع التبعية)، وانحسرت الخلافات والفوارق بينهم، فلم يبق إلا الصراع على السلطة، فلما يئسوا من حسمه، توافقوا على تقاسمها.

حولوا الرهان والقبلة من الشعب إلى الخارج الحريص على إخماد الثورة وتثبيت السياسات والمصالح، فمثلت تلك خيانة للثورة والوطن وخذلانا للشعب الذي ثار على منظومة أعراضها الاستبداد والفساد ولكن جذورها التبعية، والتسليم بالتبعية يعني -عاجلا أم آجلا- عودة الفساد والاستبداد (ولو في شكل مهذب)، ويعني أن الثورة لم تفعل سوى تغيير وكيل بآخر؛ والوكيل مهمته تدجين الشعب وتثبيت الأوضاع، بشكل أو بآخر، ومن ينتظر تغييرا على يد من سلّم بالتبعية فهو واهم.

ذلك لأن التغيير يقتضي مقاومة التبعية ويدفع باتجاه المراهنة على الشعب وكسب ثقته واستنهاضه ومصارحته بالحقائق وبما يقتضيه التحرر والنهوض من سياسات وتضحيات. تلك هي الوصفة الوحيدة لنجاح الثورات.

فالتحرر والنهوض مطلبان متلازمان، وبدونهما لا قيمة للثورة، ولا يمكن أن تتحقق إلا ديمقراطية شكلية وموجهة، ينتخب فيها الشعب من بين أطراف تابعة، لتصريف الأعمال بصلاحيات لا تختلف جوهريا عن صلاحيات السلطة الفلسطينية، وفي ظل التبعية لا فرق بين الحاكم الدكتاتور والمنتخب إلا في الطريقة التي يؤدون بها نفس المهمة. ولأن التبعية لا تختلف جوهريا عن الاحتلال، والتسليم بها يحول السياسة إلى عبث وثرثرة.

تلك كانت الخطيئة الكبرى التي قطعت خط الرجعة، وتفسر المواقف الصادمة والمنعطفات الحادة على مدى خمس سنوات، إذ أصبح الوصول إلى السلطة بالنسبة للفرقاء غاية تبرر كل وسيلة، ثم ألفوها فصعب فراقها، وخافوا منها إن تركوها، فالتقى الخوف مع اللهفة مع الإدمان فاكتملت أركان العبودية، وأصبح البقاء في السلطة أو حولها بأي ثمن الأولوية الحاكمة؛ ولذلك تصارعوا، ولذلك توافقوا، ولم يكن للثورة والشعب والوطن في صراعهم وتوافقهم ناقة ولا بعير، ويبدو أن السعي للسلطة من البوابة الخارجية قد بدأ قبل الثورة.

تلك هي شيمة الساسة العرب القدامى والجدد إلا من رحم ربي: قابلية عجيبة للاستدراج والتطويع والتوظيف، واستعداد للتفريط في كل شيء، ثمنهم سلطة وبهرج، وتمويل لهم أو لأحزابهم؛ ولذلك لا يصلح لقيادة الثورة والإصلاح في البلاد التابعة إلا من تحصن بنكران الذات والزهد في السلطة، وتسلح بالصدق والإخلاص والشفافية، فيقدم على الإصلاحات الصعبة فيتجاوب الشعب معه، وتلك بعض أسرار نجاح التجربة المغربية وفشل غيرها.

مع إسقاط الأهداف الكبرى، لم تجد الطبقة السياسية شعارا ترفعه سوى التوافق لإنجاح الانتقال الديمقراطي.  ويبدو أن الانتقال الديمقراطي في تونس سيصبح كعملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية بلا نهاية وبلا نتيجة، مع التوهم بأنه سيكون كالريح المرسلة، كما منّى السادات وعرفات شعبيهما

تسابق الفرقاء على الدعم والتمويل من الداخل والخارج، فارتهن قرارهم لمن يمول، واستبيحت البلاد لكل من هبّ ودبّ ليتخذ له وكيلا يشترك به في اللعبة، وبينما السياسيون المنتشون يتخبطون ويتفلسفون كان السلاح يتدفق من ليبيا والتطرف ثم الإرهاب يرسخ أقدامه، واستفاقت المنظومة القديمة من الصدمة، وبدأت تلتقط أنفاسها وترتب أوضاعها.

ومع إسقاط الأهداف الكبرى، لم تجد الطبقة السياسية شعارا ترفعه سوى التوافق لإنجاح الانتقال الديمقراطي، ذلك هو ديدن القيادات العربية، فلا ينجحون بتحقيق الأهداف ولكن بتقزيمها. ويبدو أن الانتقال الديمقراطي في تونس سيصبح كعملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية بلا نهاية وبلا نتيجة، مع التوهم بأنه سيكون كالريح المرسلة، كما منّى السادات وعرفات شعبيهما.

(3)

ضاعت الفرص الأولى والأهم بصورة محيرة، واستمر العبث سنة تحمّل فيها الشعب على مضض حكومة لا تمت للثورة بصلة، ثم جاءت انتخابات المجلس التأسيسي التي مثلت فرصة مهمة للتدارك وإنقاذ ما تبقى من الوهج الثوري لولا أن الطبقة السياسية أصبحت لا تملك من أمرها شيئا بعد أن تورطت وذهبت بعيدا في منزلق منحرف دون فرامل، فكان لا بد أن تكمل المسار إلى نهايته.

ذهب الشعب بكثافة لينتخب له وللثورة قيادة، اختار الأحزاب التي توسم فيها الجدية في تحقيق أهداف الثورة وإحداث إصلاحات جذرية.

أخطأت الأحزاب الفائزة قراءة الرسالة، ورأوا أن الشعب حسم الصراع على السلطة لصالحهم، وكأنها كانت انتخابات روتينية في بلد تحرر ونهض.

وخلال الحملة الانتخابية تبارزت الأحزاب في الإنفاق (فدخل المال السياسي بقوة على الخط)، وفي الوعود السخية التي تحولت لاحقا إلى مطالب، ولم تكن الثورة وأهدافها سوى مادة للمزايدة والدعاية.

(4)

ثم تتابعت الخطايا والخيبات، فتشكلت الحكومة بطريقة لا تليق بتشكيل فريق رياضي، وتهافتت الأحزاب على المناصب، وذبحت الكفاءة في التعيينات، وسقط في أول اختبار شعار الشخص المناسب في المكان المناسب، وتشكلت حكومة حزبية ضعيفة بلا رؤية، تفتقر التجانس والكفاءة والخبرة، ولم يختر فيها رئيس الحكومة أحدا بل عيّن كل حزب وزراءه.

وصلت إلى الشعب رسالة تقول إنه بالنسبة للأحزاب فالدولة والثورة غنيمة والحزب قبل الوطن، ولا بأس أن تتدرب الكوادر الحزبية على حساب الوطن والمواطن (وليتهم تدربوا) في فترة كانت البلاد فيها بحاجة إلى خيرة كفاءاتها. وقيل حينذاك إن البلاد خالية من الكفاءات النزيهة، ثم اكتشفوها لاحقا.

كما كان متوقعا؛ كان الأداء ضعيفا، وتداخلت الصلاحيات والمسؤوليات، فأعضاء ورئيس الحكومة التي تقود البلاد مرؤوسون في أحزابهم، واستمرت التجاذبات بعيدا عن هموم الشعب وتطلعاته، وتبادلت الأحزاب المعارضة والحاكمة الاتهامات بالهيمنة والتعويق، وأصبحت الأطراف المتصارعة مجرد وكلاء تحركهم قوى وأجندات دولية، توافقت على تجويف الثورة والديمقراطية، فتوافقت الأطراف المتصارعة بعد أن يئست من حسم الصراع، كما يحدث عادة في لبنان، واستغلت الاغتيالات السياسية المريبة والعمليات الإرهابية وأحداث مصر لسوق الجميع إلى بيت الطاعة، فتشكلت حكومة تكنوقراط التي كانت مرفوضة، ومرر في أيام الدستور الذي عطل لسنتين.

وهكذا كانت السمات الأبرز للعملية السياسية قبل التوافق وبعده الغموض والارتباك والمزايدات وتقلب المواقف التي لا يكاد ينظمها سوى تحكيم المصلحة الشخصية ثم الحزبية في حدود ما تسمح به الإملاءات الخارجية، والنكوص عن أهداف الثورة والإصلاح باتجاه التكيف والتطبيع.

ظهر ذلك في التعاطي مع الظاهرة السلفية والعزل السياسي والعدالة الانتقالية والفساد، وفي السياسات الاقتصادية حيث استمر الاعتماد على القروض، وأطيح بوزير المالية وخطته الإصلاحية للحد من العجز والمديونية، أما السياسات الخارجية فظلت صدى للمواقف الغربية صعودا ونزولا.

بالتوافق ضمن الفرقاء بقاءهم في السلطة أو حولها أيا كانت نتائج الانتخابات، وأن يحكموا بلا معارضة وبلا محاسبة، وأن يمرروا ما شاؤوا من سياسات وقوانين، وكل ما حدث بعد الثورة كان تسلسلا طبيعيا في سيناريو تحددت معالمه مبكرا، ومحاولات يائسة لترقيع وتسويق مسار منحرف

التوافق لإنجاح الانتقال الديمقراطي هو الاسم الحركي للسيناريو الذي رُسم لتونس، والمتمثل في استمرار السياسات (أي النظام) واستقرار الأوضاع، وغلق قوس الثورة دون أن تغير شيئا. وبالتوافق ضَمن الفرقاء بقاءهم في السلطة أو حولها أيا كانت نتائج الانتخابات، وأن يحكموا بلا معارضة وبلا محاسبة، وأن يمرروا ما شاؤوا من سياسات وقوانين، وكل ما حدث بعد الثورة كان تسلسلا طبيعيا في سيناريو تحددت معالمه مبكرا، ومحاولات يائسة لترقيع وتسويق مسار منحرف لا مفر من تصحيحه.

(5)

بدأ الشعب يعزف عن السياسة التي عادت كما كانت عملية نخبوية انتهازية غامضة ورديئة بوصاية أجنبية، فلما جاءت الانتخابات البرلمانية لم يتحمس لها كثيرا.

هيأت الأخطاء والإخفاقات المتراكمة الأرضية لإتمام السيناريو، إذ فتحت الباب لعودة المنظومة القديمة، فتأسس في 2012 حزب نداء تونس الذي يعد إعادة إنتاج لحزب المخلوع. وفي ظرف سنتين فاز بالانتخابات البرلمانية فالرئاسية، حيث رجّح كفته الناخبون المقاطعون، والذين صوتوا له عقابا للائتلاف الحاكم، أو لأنهم توسموا فيه الخبرة على الأقل في تصريف الأعمال بعد أن يئس الجميع من الإصلاح وأهداف الثورة، وبعد أن تلاشت الفوارق بين الأحزاب.

فوز النداء بالانتخابات البرلمانية مثّل تتويجا لمسار منحرف وصفعة للأحزاب التي نسبت نفسها للثورة، فتبخر حزبان من الائتلاف الحاكم. استفز هذا الفوز الكثير من أنصار الثورة فهبوا لنصرة المرزوقي في الانتخابات الرئاسية، ولكن جهودهم باءت بالفشل في غياب ماكينة انتخابية تضاهي ماكينة النداء الموروثة، بعد أن قررت النهضة البقاء على الحياد، ثم أضاعت النهضة آخر فرصة للتدارك بعد الانتخابات عندما قررت مسايرة التيار والبحث عن موقع لها في النظام الجديد القديم تهيبا أو خضوعا لإملاءات خارجية، فتحولت من حركة رائدة رشحتها الأقدار لقيادة ثورة واعدة والإقلاع بالوطن والشعب، إلى حزب من الأحزاب بلا هوية مميزة وبلا مشروع، مضحية برصيدها ومستقبلها.

(6)

إذن، خليط من الأخطاء والأماني والتخبط والتواطؤ والتآمر حاد بالثورة عن مسارها وأجهضها. أُغلق قوس الثورة وعادت تونس دولة تابعة محكومة من الخارج بالوكالة وبلا أي إرادة أو مؤشرات أو أفق للتغيير، ولم يكن صعبا تطويع طبقة سياسية بلا رؤية أو إستراتيجية، مسلمة بالوصاية ومتلهفة على السلطة ومنفصمة عن شعبها الذي أحبطته وقسمته.

ويبقى السؤال: هل يستسلم الشعب التونسي أم يشق طريقا بين الجمود والفوضى باتجاه الأهداف التي ثار من أجلها معتبرا من التجربة الأولى؟

جميع حقوق النشر محفوظة، الجزيرة